تواجه العلاقات بين سوريا والصين ملفًا شائكًا يتمثل في مستقبل آلاف الأويغور الذين استقروا في الأراضي السورية خلال سنوات الحرب، بعدما شارك بعضهم في القتال ضد نظام الأسد المخلوع، فيما تطالب بكين بترحيلهم باعتبارهم تهديدًا أمنيًا، بينما تجد السلطات السورية الجديدة نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على علاقاتها مع الصين وعدم التخلي عن مقاتلين لعبوا دورًا في مسار الصراع.
ويقدر عدد الأويغور الموجودين في سوريا بنحو 20 ألف شخص، بينهم مقاتلون وعائلات مدنية، وقد تحول كثير منهم خلال السنوات الماضية من عناصر مرتبطة بساحة الحرب إلى مجتمع مستقر نسبيًا، يدير أعمالًا صغيرة، ويبني مساكن، ويرسل أبناءه إلى المدارس.
لكن مستقبل هذا الوجود أصبح غير واضح، في ظل ضغوط صينية متزايدة على دمشق لإعادتهم إلى الصين، مقابل تمسك كثير من الأويغور بالبقاء، معتبرين سوريا موطنهم الجديد بعد سنوات من النزوح.
من ساحات القتال إلى الاستقرار في سوريا
وصل المهاجرون الأويغور إلى سوريا بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2011م (1432هـ)، عبر طرق تمر بآسيا الوسطى وتركيا وصولًا إلى شمال غرب سوريا.
وانضم بعضهم إلى جماعات جهادية، وعلى رأسها الحزب الإسلامي التركستاني، الذي أصبح أحد أبرز الفصائل المهاجرة التي شاركت في القتال ضد قوات الأسد المخلوع.
وكانت مشاركة الأويغور في المعارك، خصوصًا في شمال غرب سوريا، سببًا في منحهم وزنًا أكبر داخل المشهد العسكري، إذ لعبوا دورًا في العمليات التي انتهت بسقوط حكومة الأسد وصعود فصائل الثورة إلى السلطة.
ويرى محللون أن هذا الدور يجعل من الصعب على القيادة السورية الجديدة التخلي عنهم بسهولة، خصوصًا أن بعضهم أصبح جزءًا من الترتيبات الأمنية والعسكرية الجديدة.
الصين تعتبرهم تهديدًا أمنيًا
تنظر الصين إلى المقاتلين الأويغور في سوريا باعتبارهم امتدادًا لجماعات جهادية مرتبطة بـ”حركة تركستان الشرقية الإسلامية”، التي تصنفها بكين منظمة إرهابية.
وتخشى السلطات الصينية من أن تتحول سوريا إلى قاعدة يمكن أن ينطلق منها نشاط معارض ضد سياساتها في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية المحتلة)، ذي الأغلبية الأويغورية المسلمة.
وترى بكين أن تجربة إسقاط حكومة حليفة لها مثل نظام الأسد قد تشجع جماعات أخرى على محاولة تكرار السيناريو داخل الصين.
لكن بعض الباحثين يشيرون إلى أن الربط بين جميع الأويغور الموجودين في سوريا والجماعات الجهادية الدولية ليس دقيقًا، موضحين أن التركيبة الحالية أكثر تعقيدًا، وأن كثيرًا من الأويغور لم يأتوا أساسًا للقتال، بل وصلوا كلاجئين هربًا من ظروف أمنية وسياسية صعبة في الصين.
بين المقاتلين واللاجئين
لا يشكل جميع الأويغور في سوريا كتلة واحدة، إذ تختلف دوافع وجودهم هناك.
فبعضهم انضم إلى القتال بدافع جهادي أو عسكري، بهدف اكتساب خبرات اعتقدوا أنها قد تساعدهم مستقبلًا في مواجهة الحكومة الصينية.
لكن آخرين وصلوا إلى سوريا باعتبارها ملاذًا آمنًا، خاصة بعد تصاعد الإجراءات الأمنية الصينية في شينجيانغ (تركستان الشرقية) عقب اضطرابات مدينة أورومتشي عام 2009م (1430هـ).
ويقول باحثون إن جزءًا من الأويغور انتقلوا إلى سوريا لأنهم وجدوا مجتمعًا أويغوريًا ناشئًا يوفر لهم السكن والتعليم لأسرهم، وليس بالضرورة بسبب دوافع عسكرية.
الهوية الجديدة في سوريا
مع مرور السنوات، تغيرت علاقة كثير من الأويغور بسوريا؛ فبدل كونها محطة مؤقتة للحرب، أصبحت بالنسبة للبعض وطنًا جديدًا.
ويشير مراقبون إلى أن بعض الأويغور يرون أن تجربتهم السورية غيرت رؤيتهم السياسية، إذ تعلموا من تجربة الحرب مفاهيم تتعلق ببناء المؤسسات وإدارة المجتمع، وأصبح بعضهم أقل ارتباطًا بالأفكار الجهادية وأكثر اهتمامًا بالهوية القومية وبناء مجتمع مستقر.
لكنهم في الوقت نفسه يعيشون تحت ضغط مزدوج؛ فمن جهة يخشون من الضغوط الصينية، ومن جهة أخرى يواجهون صعوبة في التعبير عن مخاوفهم خشية تأثير ذلك على أقاربهم الموجودين داخل الصين.
دمشق بين بكين وحلفاء الحرب
بعد سقوط نظام الأسد، بدأت الصين تعاملها بحذر مع الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، وجعلت ملف المقاتلين الأويغور أحد أبرز القضايا في علاقاتها مع دمشق.
وتسعى بكين للحصول على ضمانات بأن الأراضي السورية لن تستخدم لتنفيذ أي نشاط يستهدف المصالح الصينية.
وفي المقابل، تحاول دمشق الحفاظ على علاقاتها مع الصين، التي يمكن أن تقدم دعمًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا في مرحلة إعادة الإعمار، دون الدخول في مواجهة مع مقاتلين ساهموا في وصول السلطة الجديدة إلى الحكم.
التعاون الأمني مقابل العلاقات الاقتصادية
برز ملف مكافحة الإرهاب كأحد محاور التواصل بين دمشق وبكين، حيث أكدت السلطات السورية استعدادها لمنع استخدام أراضيها ضد الصين.
وفي المقابل، أعادت بكين تنشيط علاقاتها مع دمشق، وقدمت مساعدات مالية، وبدأت شركات صينية دراسة فرص الاستثمار في السوق السورية.
لكن العلاقة الاقتصادية لا تزال محدودة مقارنة بحجم العلاقات الصينية مع دول أخرى، ويرتبط تطورها بمدى قدرة الطرفين على تجاوز الملفات الأمنية والسياسية العالقة.
هل يمكن أن ترحل دمشق الأويغور إلى الصين؟
رغم التقارير التي تحدثت عن احتمال تسليم عدد من المقاتلين الأويغور إلى الصين، نفت مصادر سورية رسمية وجود اتفاق بهذا الشأن.
ويرى خبراء أن تنفيذ مطلب صيني واسع بترحيل الأويغور سيكون أمرًا حساسًا، لأن كثيرًا منهم أصبحوا مرتبطين بالمجتمع السوري الجديد، ولأن إعادتهم إلى الصين قد تثير مخاوف تتعلق بمصيرهم وحقوقهم.
كما أن دمشق تدرك أن التخلي الكامل عن هؤلاء المقاتلين قد يؤثر على توازنات داخلية مرتبطة بالقوى التي ساهمت في إسقاط النظام السابق.
الخلاصة
تحولت قضية الأويغور في سوريا إلى اختبار للعلاقة بين دمشق وبكين، حيث تريد الصين ضمانات أمنية وترغب في إنهاء وجود جماعات تعتبرها تهديدًا، بينما تواجه الحكومة السورية الجديدة واقعًا أكثر تعقيدًا بعد سنوات الحرب.
وبين المصالح الاقتصادية الصينية، والاعتبارات الأمنية، وواقع وجود مجتمع أويغوري استقر في سوريا منذ سنوات، يبقى الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة، وقد يصبح أحد أبرز الملفات التي تحدد مستقبل العلاقات السورية الصينية في المرحلة المقبلة.





اترك تعليقاً