مسجد جديد في يانغ الأسترالية.. نمو متسارع للجالية المسلمة خارج المدن الكبرى

6877260b52c0d359d692ed8ada460f94

في بلدة يانغ (Young) الصغيرة بولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية، حيث تشتهر المنطقة بزراعة الكرز، افتُتح مسجد جديد يُعد من أكبر المساجد في المناطق الإقليمية بأستراليا، في خطوة تعكس النمو المتسارع للجالية المسلمة وانتقال جزء متزايد منها إلى خارج المدن الكبرى.

المسجد الجديد يتسع لنحو 1000 مصلٍ، ويبلغ حجمه قرابة خمسة أضعاف حجم المسجد السابق، الذي لم يعد قادرًا على استيعاب المصلين، خصوصًا خلال صلاة الجمعة، عندما اضطر بعضهم إلى الصلاة خارجه.

المسجد الجديد في يانغ، التابع للجمعية الإسلامية اللبنانية الأسترالية، يخدم المجتمع المسلم السني في المنطقة.

من مسجد صغير إلى مركز يتسع لألف مصلٍ

يقول عبد الغنيم، أحد المصلين الذين عاشوا في يانغ لسنوات، إن المسجد القديم كان ممتلئًا خلال صلاة الجمعة، حتى إن بعض المصلين كانوا يؤدون الصلاة خارجه، الأمر الذي جعل بناء مسجد أكبر ضرورة ملحة.

أما غامل خير، من الجمعية الإسلامية اللبنانية الأسترالية المالكة للمسجد، فيؤكد أن المجتمع المسلم في البلدة ينمو بوتيرة متسارعة، ولم يعد المسجد القديم مناسبًا لحجم الجالية الحالية.

المرفق الجديد، الذي استغرق التخطيط له سنوات، أصبح قادرًا على استيعاب نحو ألف مصلٍ، بما يوفر مساحة أكبر للعبادة والأنشطة الاجتماعية والدينية.

المسلمون يمثلون أكثر من 4% من سكان البلدة

تكشف أرقام التعداد السكاني الأخيرة عن حضور ملحوظ للمسلمين في يانغ.

فمن بين نحو 11 ألف نسمة، شكّل المسلمون 4.4% من سكان البلدة وفق آخر تعداد سكاني، فيما يرى عمدة مجلس هيلتوبس أن النسبة ربما ارتفعت منذ ذلك الحين إلى نحو 10%.

وهذا الحضور لا يقتصر على فئة واحدة؛ فبحسب القائمين على المسجد، ينحدر جزء كبير من مسلمي يانغ من أصول لبنانية، إلى جانب أفراد من جنوب شرق آسيا ومصر.

وبذلك أصبحت البلدة الريفية الصغيرة موطنًا لمجتمع مسلم متعدد الخلفيات، يجتمع حول المسجد والمدرسة الإسلامية ومختلف الأنشطة المجتمعية.

لماذا ينتقل المسلمون من سيدني إلى يانغ؟

لا ترتبط قصة نمو المجتمع المسلم في يانغ بالهجرة الخارجية فقط، بل أيضًا بانتقال عائلات مسلمة من المدن الأسترالية الكبرى إلى المناطق الإقليمية.

عبد الغنيم، الذي انتقل من سيدني إلى يانغ قبل نحو عشر سنوات، يقول إنه لم يكن الوحيد الذي اختار مغادرة حياة المدينة بحثًا عن مجتمع أكثر ترابطًا وهدوءًا.

ويشير إلى أن بعض المهاجرين الذين قدموا إلى أستراليا ينحدرون أصلًا من قرى ومناطق صغيرة، ولذلك يجدون في المدن الإقليمية بيئة أكثر قربًا من نمط الحياة الذي اعتادوا عليه.

كما يرى عمدة مجلس هيلتوبس، برايان إنغرام، أن وجود المسجد والمدرسة الإسلامية أصبح عامل جذب للعائلات المسلمة التي تبحث عن مكان يمكنها فيه ممارسة شعائرها والحفاظ على ثقافتها.

وهذا يعني أن المؤسسات الإسلامية لا تؤدي دورًا دينيًا فحسب، بل أصبحت أيضًا عاملًا في تحديد أماكن استقرار بعض الأسر المسلمة داخل أستراليا.

المسجد.. أكثر من مكان للصلاة

image 97

بالنسبة إلى مسؤولي المجتمع المسلم، لا يمثل المسجد الجديد مجرد مبنى لأداء الصلوات.

فالمسجد أصبح مساحة تجمع لمجتمع متنوع، ومكانًا للتواصل بين المسلمين، إضافة إلى دوره في التعريف بالإسلام أمام السكان المحليين.

ومن بين أنشطة المجتمع المسلم في المنطقة تقديم وجبات مجانية في أنحاء منطقة هيلتوبس، وتنظيم أيام مفتوحة يستطيع خلالها السكان طرح أسئلتهم حول الإسلام والتعرف على المسلمين عن قرب.

ويرى غامل خير أن هذه الأنشطة تساعد على بناء جسور مع المجتمع الأوسع، وتؤكد أن المسلمين في يانغ لا يعيشون في عزلة، بل يسعون إلى أن يكونوا جزءًا من الحياة الاجتماعية للمنطقة.

«لسنا جزيرة معزولة»

يرى القائمون على المسجد أن نمو المجتمع المسلم في يانغ يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الوجود الإسلامي داخل أستراليا.

فبعد أجيال من الاستقرار، لم تعد الجاليات المسلمة محصورة في الأحياء والمدن التي استقرت فيها موجات الهجرة الأولى، وإنما بدأت تتوسع جغرافيًا إلى المناطق الإقليمية.

ويقول غامل خير إن المجتمع المسلم، مع دخوله الجيلين الرابع والخامس في أستراليا، لم يعد يعيش داخل «جزر» أو تجمعات مغلقة، بل أصبح جزءًا من النسيج متعدد الثقافات في البلاد.

وبالنسبة له، فإن يانغ تمثل مثالًا على استمرار التعددية الثقافية الأسترالية ونجاحها.

«أبوابنا مفتوحة للجميع»

يحاول المسجد الجديد أن يقدم وجهًا آخر للمجتمع المسلم في يانغ؛ وجهًا يقوم على التواصل والانفتاح والمشاركة في الحياة المحلية.

ويؤكد غامل خير أن المجتمع لا يخشى الأسئلة المتعلقة بالإسلام، وأن أبواب المسجد مفتوحة أمام الجميع.

وهذه الرسالة تحمل أهمية خاصة في مدينة صغيرة، حيث يكون التعارف المباشر بين السكان أكثر تأثيرًا من الصور النمطية التي قد تتشكل من خلال الأخبار أو وسائل التواصل الاجتماعي.

فبدلًا من أن يكون المسجد مكانًا مغلقًا على المسلمين، يريد القائمون عليه أن يصبح مساحة يمكن لغير المسلمين أيضًا زيارتها والتعرف من خلالها إلى جيرانهم المسلمين.

يانغ.. نموذج لمرحلة جديدة

افتتاح المسجد الجديد في يانغ لا يمثل مجرد توسعة لمبنى إسلامي، بل يعكس تحولًا في خريطة الوجود الإسلامي داخل أستراليا.

مجتمع مسلم كان يعتمد في التسعينيات على مسجد بسيط، أصبح اليوم يمتلك مسجدًا يتسع لألف مصلٍ، ومدرسة إسلامية، وشبكة من الأنشطة المجتمعية، في بلدة لا يتجاوز عدد سكانها 11 ألف نسمة.

وفي الوقت نفسه، فإن نمو المجتمع يطرح تحدياته الخاصة، من الحفاظ على الثقة مع السكان المحليين، إلى مواجهة الصور النمطية، والتعامل مع القضايا التي قد ترتبط بأفراد من المجتمع دون السماح بتحويلها إلى حكم جماعي.

لكن الرسالة التي يريد المسلمون في يانغ إيصالها واضحة: المسجد الجديد ليس فقط مكانًا تتسع فيه صفوف المصلين، وإنما علامة على أن المسلمين باتوا جزءًا أكثر رسوخًا من الحياة الاجتماعية في المناطق الإقليمية الأسترالية.

وربما تختصر كلمات غامل خير المشهد كله: المسلمون في أستراليا لا يعيشون في جزر منعزلة، بل أصبحوا جزءًا من نسيج مجتمع متعدد الثقافات.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *