ما وراء قفزة أسعار الوقود في سوريا؟ أزمة إمدادات حقيقية وأسئلة مفتوحة حول الإدارة والفساد

VHKm1wbnIdaxhEfLsAbOhihepigV4U5jP7CcEu4NsJ9Z7Ctv q5zEF6phqPzI4jWY5bW8TgpGY3HSDxMXg1x0 mY3HAuFWf7Dux1wYRz 7MrXktxij4aYPjF876whfWywcuPY9hxxirGNibxuZUqRvgKLM HRV9AjRX0jq1XHn5sDG4FOSDhwGg6BX5dUNJX

لم تكن الزيادة التي دخلت حيز التنفيذ في سوريا، الأحد 13 سبتمبر/أيلول 2026 (1 ربيع الآخر 1448هـ)، تعديلًا محدودًا في أسعار المحروقات، بل قفزة كبيرة أصابت واحدة من أكثر السلع تأثيرًا في حياة السوريين. ففي غضون تسعة أيام فقط، ارتفع سعر ليتر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة سورية جديدة، وبنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، بينما قفز المازوت من 125 إلى 175 ليرة، أي بنحو 40%. كما ارتفعت أسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة.

هذه الزيادة تكتسب أهمية أكبر عند مقارنتها بما جرى قبل أقل من ثلاثة أشهر. ففي 27 يونيو/حزيران خُفّض بنزين 95 إلى 130 ليرة، وبنزين 90 إلى 125 ليرة، والمازوت إلى 107 ليرات. وبذلك يكون المازوت قد ارتفع منذ ذلك التخفيض بنحو 64%، وبنزين 95 بنحو 50%، وبنزين 90 بنحو 48%، في تحول سريع جعل كثيرًا من السوريين يتساءلون:

ما الذي تغير بهذه السرعة؟ وهل المشكلة كلها في السوق العالمية، أم أن وراءها أيضًا خللًا في طريقة إدارة قطاع النفط السوري؟

الرواية الرسمية: سوريا مضطرة للشراء من سوق عالمية مشتعلة

68b66b3ae4b07e618ca75a85 1756785507933

وزارة الطاقة قدمت تفسيرًا واضحًا للزيادة الأخيرة، وقالت إنها “مؤقتة” ومرتبطة بعاملين أساسيين: الارتفاع الاستثنائي في أسعار المشتقات النفطية عالميًا، وتوقف مصفاة بانياس جزئيًا بسبب دخولها في عمرة شاملة تستمر قرابة شهرين.

وبحسب الوزارة، يقترب سعر طن المازوت المستورد من 1400 دولار، والبنزين من 1350 دولارًا، في وقت تحوم فيه أسعار خام برنت حول 100 دولار للبرميل. والمشكلة، وفق الرواية الحكومية، أن ارتفاع سعر الخام ليس وحده ما يحدد تكلفة الوقود؛ فتكلفة التكرير والنقل والشحن والتأمين ارتفعت أيضًا بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب تضرر قدرات تكرير في روسيا والشرق الأوسط.

وهذا الجزء من التفسير لا يمكن تجاهله؛ فأسواق الطاقة العالمية تعيش فعلًا اضطرابًا حادًا. وكالة الطاقة الدولية حذرت من اتساع فجوة الإمدادات خلال 2026، فيما تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار، واشتدت الضغوط بصورة خاصة على الديزل والمنتجات المكررة بسبب اضطرابات المصافي وخطوط النقل.

إذًا، ارتفاع الأسعار العالمية ليس ذريعة مختلقة بالكامل. لكن وجود سبب خارجي حقيقي لا يعني بالضرورة أن كل ما يجري في السوق السورية يمكن تفسيره به وحده.

سوريا تنتج النفط.. فلماذا تستورد الوقود؟

image 116

هذا هو السؤال الذي يتكرر بقوة في الشارع، ولا سيما في مناطق دير الزور والحسكة والرقة، حيث توجد معظم الثروة النفطية السورية وتمر الصهاريج أمام السكان بصورة يومية.

وفق أحدث أرقام وزارة الطاقة، تنتج سوريا حاليًا نحو 100 ألف برميل من النفط الخام يوميًا، بينما تقدر الوزارة حاجتها من النفط ومشتقاته بما يعادل نحو 300 ألف برميل يوميًا. أي أن الإنتاج المحلي، حتى وفق الأرقام الرسمية، لا يغطي سوى جزء من الحاجة. كما تقول الوزارة إن نحو 60% من المازوت المتاح في السوق يأتي حاليًا من الاستيراد: فالاحتياج اليومي يبلغ نحو 7.72 ملايين ليتر، منها 3.09 ملايين ليتر محلية و4.63 ملايين مستوردة. أما البنزين فيبلغ المعروض اليومي منه نحو 2.32 مليون ليتر، منها 1.54 مليون منتجة محليًا ونحو 775 ألف ليتر مستورد.

وهناك سبب فني آخر: النفط الخام ليس بنزينًا أو مازوتًا جاهزًا. فلابد من تكريره، وبعض أنواع الخام السوري ثقيلة ولا تلائم بصورة كاملة مواصفات وقدرات المصافي الحالية. لذلك تقول الوزارة إن البلاد تضطر أحيانًا إلى تصدير كميات محدودة من خام لا يناسب المصافي، واستيراد مشتقات جاهزة تحتاجها السوق.

لكن الصورة تكشف أيضًا حجم التراجع التاريخي للقطاع. فقبل الحرب، أنتجت سوريا نحو 387 ألف برميل يوميًا في عام 2010، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مقابل نحو 100 ألف برميل تتحدث عنها الحكومة حاليًا. أي أن البلاد، رغم استعادة جزء مهم من إنتاجها، لا تزال بعيدة جدًا عن مستويات ما قبل الحرب.

والأرقام الحكومية نفسها تظهر أن إنتاج النصف الأول من 2026 بلغ 14.8 مليون برميل، أي ما يعادل في المتوسط نحو 82 ألف برميل يوميًا، قبل أن تقول الوزارة إن الإنتاج وصل في الفترة الأخيرة إلى قرابة 100 ألف برميل يوميًا. وهذه زيادة مهمة، لكنها لا تزال غير كافية لتغطية الطلب.

بانياس.. صيانة ضرورية لكن التوقيت مكلف

66WGHYGIZRPRLBZ5JAOHGLRJZ4

أحد أهم أسباب الأزمة الحالية هو مصفاة بانياس. فقد بدأت المصفاة أكبر عملية صيانة شاملة في تاريخها تقريبًا، تشمل إيقاف عدد من الوحدات وفحصها وإصلاحها، بعد سنوات من التشغيل والصيانة الجزئية. وتهدف الخطة إلى رفع قدرتها من نحو 80 ألف برميل يوميًا إلى 130 ألفًا بعد انتهاء الأعمال.

من الناحية الفنية، تبدو الصيانة ضرورية؛ فالشركة السورية للبترول تقول إن المصفاة وصلت إلى حالة لا تسمح بتأجيل الإصلاحات أكثر. لكن من الناحية الاقتصادية يبرز سؤال آخر: لماذا يدخل أحد أهم مرافق التكرير في البلاد في عملية صيانة طويلة في توقيت تشهد فيه المنطقة أصلًا أزمة غير مسبوقة في أسعار الوقود والشحن؟

قد يكون التوقيت مفروضًا فنيًا، لكن الأزمة تكشف هشاشة منظومة الطاقة السورية: خروج مصفاة واحدة من جزء كبير من الخدمة يجعل البلاد مضطرة فورًا إلى شراء كميات أكبر من البنزين والمازوت من الخارج وفي أسوأ توقيت ممكن للأسواق العالمية.

وهنا يصبح النقاش أبعد من “ارتفاع السعر العالمي” إلى سؤال يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي: أين الاحتياطيات الكافية؟ وأين الطاقة التكريرية البديلة؟ ولماذا بقي قطاع حيوي بهذا الحجم عرضة لأن تتحول أعمال الصيانة أو عطل في مضخة إلى أزمة وطنية في التوريد والأسعار؟

تصريحات سابقة تعود إلى الواجهة

الغضب الحالي لا يتعلق بالسعر فقط، بل بالفارق بين الخطاب الحكومي السابق والواقع الجديد.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (جمادى الأولى 1447هـ)، عندما خُفضت أسعار المشتقات، قال وزير الطاقة محمد البشير إن الخطوة ستنعكس إيجابًا على الاقتصاد و”تخفف من الأعباء المعيشية على المواطنين، وخاصة مع اقتراب فصل الشتاء”. وفي يونيو/حزيران الماضي (ذو الحجة 1447هـ)، أكد بعد تخفيض جديد للأسعار أن الوزارة تعمل وفق نهج يقوم على “الشفافية والمراجعة الدورية” وتحقيق التوازن بين استقرار السوق واستدامة التوريد ومصلحة المواطنين.

أما اليوم، فالزيادة الجديدة تأتي مرة أخرى قبيل الشتاء، وبنسب كبيرة للغاية، بينما أصبح المازوت تحديدًا أغلى بنحو 64% مقارنة بسعره بعد تخفيض يونيو.

حتى أزمات الطوابير السابقة كانت الحكومة تؤكد أنها ليست نتيجة نقص حقيقي في المشتقات. ففي نهاية يونيو قالت وزارة الطاقة إن ما تشهده المحطات مجرد “اختناق مؤقت” وإن المخزون الاستراتيجي متوفر، بينما أوضح الوزير لاحقًا أن جزءًا من الأزمة نتج عن استبعاد شحنة بنزين غير مطابقة للمواصفات، إضافة إلى تقليل بعض المحطات مشترياتها انتظارًا لتخفيض الأسعار.

توالي هذه التفسيرات المختلفة خلال فترة قصيرة — شحنة غير مطابقة، اختناقات نقل، تغيرات عالمية، عمرة مصفاة، ثم زيادة كبيرة في الأسعار — ساهم في تآكل ثقة شريحة من المواطنين، حتى وإن كان لكل سبب منها أساس واقعي.

من الغضب إلى قطع طرق النفط

image 117

هذه المرة لم يبق الاعتراض داخل مواقع التواصل الاجتماعي.

شهدت بلدات في الحسكة ودير الزور والرقة، في يوم تطبيق الأسعار الجديدة، احتجاجات وقطعًا للطرق بالإطارات المشتعلة، ووصل الأمر في بعض المواقع إلى منع مرور صهاريج النفط الخام المتجهة نحو الداخل السوري. وسُجلت تحركات في مركدة وحويجة شنان والطيانة والحريجية والكرامة ومناطق قرب الشدادي.

وللاحتجاج في شرق سوريا دلالة خاصة: المواطن يشاهد النفط يُستخرج من أرض منطقته وتنقله الصهاريج أمامه، ثم يُطلب منه دفع أسعار مرتفعة للحصول على مشتقاته. اقتصاديًا قد تكون هناك تفسيرات تتعلق بالتكرير والكلفة والاستيراد، لكن اجتماعيًا يصعب إقناع السكان بهذه المعادلة ما لم تكن تفاصيل القطاع معلنة بشفافية شديدة.

والأثر بدأ ينتقل بالفعل إلى ما هو أبعد من محطة الوقود. مواطنون في الحسكة تحدثوا عن ارتفاع أجور النقل بين بعض المدن من 300 إلى 500 ليرة سورية جديدة، إلى جانب زيادة تكاليف نقل المياه والخدمات، فيما يخشى السكان من أن تصبح التدفئة عبئًا أكبر مع دخول الشتاء.

وهنا تكمن خطورة سعر المازوت تحديدًا: فالمازوت ليس وقود سيارة فحسب، بل يدخل في النقل والزراعة والتدفئة والمولدات ونقل البضائع وتشغيل عدد من الأنشطة الإنتاجية. وكل زيادة فيه تتحول تدريجيًا إلى زيادة في أسعار عشرات السلع والخدمات.

وماذا عن الحديث عن الفساد؟

image 118

لا توجد حتى الآن أدلة منشورة تثبت أن قرار رفع الأسعار في 13 سبتمبر نتج مباشرة عن فساد أو أن هناك جهة تربحت من الزيادة الأخيرة. ومن غير المهني تحويل الشك الشعبي إلى اتهام مثبت بلا دليل.

لكن في المقابل، لا يمكن التعامل مع الحديث عن الفساد في قطاع النفط السوري باعتباره مجرد إشاعة؛ لأن الجهات الرقابية الحكومية نفسها أعلنت قبل أسابيع فقط اكتشاف تجاوزات خطيرة داخل القطاع.

ففي أغسطس/آب، أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، بعد تحقيق استمر ثلاثة أشهر، اكتشاف مخالفات في إنتاج النفط ونقله ومعايرته والصيانة والتعاقدات في حقول دير الزور. وقدّرت الهيئة أضرارًا أولية بالمال العام تجاوزت 8 ملايين دولار نتيجة التعاقدات والصيانة وسوء الإدارة، إضافة إلى أضرار أخرى قُدّرت بنحو 20 مليون دولار مرتبطة بفروق أسعار في عقود نقل النفط الخام. كما تقرر كف يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء، وفسخ عقود مع بعض الشركات والمتعهدين.

وقبل ذلك، أعلنت وزارة الطاقة ضبط 153 مخالفة في محطات الوقود وإغلاق ثماني محطات، وشملت المخالفات البيع بسعر زائد، والتصرف بالمخزون الاحتياطي، والبيع خارج العدادات النظامية.

هذه الوقائع لا تثبت أن “الفساد هو الذي رفع سعر البنزين”، لكنها تثبت أمرًا آخر مهمًا: أن قطاع النفط يعاني بالفعل من مشكلات في الرقابة والتعاقد والنقل والتوزيع، وأن مطالبة المواطنين بكشف الحسابات والتكاليف ليست تشكيكًا بلا أساس.

إذا كان المواطن يدفع التكلفة الحقيقية.. فمن حقه معرفة الحساب الحقيقي

تؤكد الحكومة أن أسعار المشتقات النفطية تُحدد وفق مجموعة من العوامل، من بينها أسعار النفط والمشتقات في الأسواق العالمية، وسعر الصرف، وكلفة الاستيراد والشحن والتأمين والنقل والتشغيل والصيانة. كما انتقلت خلال الأشهر الماضية إلى مراجعة الأسعار بصورة أكثر ارتباطًا بتغيرات السوق.

لكن الانتقال إلى تسعير أقرب إلى «الكلفة الحقيقية» يفرض في المقابل مستوى أعلى من الشفافية. فإذا كان المطلوب من المواطن أن يتحمل ارتفاع الأسعار كلما ارتفعت كلفة الاستيراد، فمن حقه أن يعرف بصورة واضحة وقابلة للتدقيق كيف حُسب السعر الذي يدفعه.

كم تبلغ كلفة استيراد طن المازوت أو البنزين فعليًا؟ وكم يضاف إليها مقابل الشحن والتأمين والنقل والتكرير؟ وما نسبة المنتج محليًا إلى المستورد؟ وكم تبلغ كلفة المنتج المحلي أصلًا؟ وما مقدار الضرائب أو الهوامش أو الرسوم الداخلة في السعر النهائي؟

ولا يتوقف الأمر عند كيفية احتساب السعر، بل يمتد إلى السؤال عن حصيلة هذه السياسة: كم ستجني الدولة من بيع المشتقات بالأسعار الجديدة؟ وأين ستذهب هذه الإيرادات؟ وهل ستخصص لتطوير الحقول والمصافي وزيادة المخزون وتحسين الإمدادات، أم ستدخل في الموازنة العامة دون أن يستطيع المواطن معرفة أثرها المباشر على قطاع الطاقة؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل مخالفات مالية وإدارية سبق أن كشفتها الجهات الرقابية الحكومية نفسها في إنتاج النفط ونقله والتعاقدات المرتبطة به. ومن هنا فإن نشر بيانات دورية عن الإنتاج والاستيراد والكلفة والعقود والإيرادات والإنفاق لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلبًا إضافيًا، بل جزءًا أساسيًا من أي سياسة تسعير تريد أن تحظى بثقة الناس.

فالشفافية لا تعني أن تقول الحكومة للمواطن إن السعر ارتفع لأن السوق العالمية ارتفعت؛ بل أن تتيح له معرفة كيف انتقلت تكلفة البرميل أو الطن من السوق العالمية إلى الرقم الذي يظهر أمامه على مضخة الوقود.

وإذا كان المواطن يُطلب منه اليوم أن يدفع سعرًا أقرب إلى سعر السوق، فمن حقه في المقابل أن يحصل على ما يقترب من معايير السوق أيضًا: حسابات واضحة، وإمدادات مستقرة، وجودة مضمونة، ومنافسة ورقابة، ومحاسبة حقيقية عندما يقع الهدر أو الفساد.

ومن دون ذلك سيظل المواطن أمام رقم نهائي مطلوب منه دفعه، بينما تبقى المعادلة التي أنتجت هذا الرقم مغلقة أمامه؛ وهنا تحديدًا تبدأ أزمة الثقة، ويصبح الحديث عن الفساد وسوء الإدارة أكثر انتشارًا، حتى عندما تكون بعض أسباب ارتفاع الأسعار موضوعية وحقيقية.

من النفط الإيراني إلى الاستيراد المكلف.. تغير المورد وبقي الارتهان

لفهم أزمة الوقود الحالية لا بد من العودة إلى ما قبل سقوط النظام السابق. فقد كان قطاع الطاقة السوري، بعد انهيار جزء كبير من الإنتاج المحلي خلال سنوات الحرب، يعتمد بصورة واسعة على الخام الإيراني الذي كان يصل إلى مصفاتي بانياس وحمص ضمن ترتيبات سياسية ومالية خاصة بين دمشق وطهران.

وتشير بيانات تتبع الناقلات التي نقلتها رويترز إلى أن جميع واردات سوريا من النفط الخام تقريبًا خلال عام 2024، والبالغة نحو 22.2 مليون برميل، جاءت من إيران. وتوقفت هذه الإمدادات عقب سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024، ما وضع الحكومة الجديدة أمام فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي وحاجة السوق.

غير أن انتهاء الاعتماد على إيران لم يعنِ انتهاء الاعتماد على الخارج. فخلال 2026 أصبحت روسيا المورد الخارجي الأكبر للنفط إلى سوريا، وبلغت الواردات منها، وفق تقديرات رويترز، نحو 60 ألف برميل يوميًا. وهكذا تغير المورد، لكن بقي أحد أوجه المشكلة الأساسية قائمًا: سوريا لا تزال تحتاج إلى شراء جزء كبير من احتياجاتها من الخارج، ما يجعل سعر الوقود المحلي شديد الحساسية لسعر النفط العالمي، والشحن والتأمين، والاضطرابات السياسية والعسكرية المحيطة بمسارات التجارة.

وهذا يضع سياسة الطاقة السورية أمام سؤال أعمق من هوية المورد: متى تستطيع البلاد الانتقال من إدارة النقص والاستيراد إلى بناء قدرة إنتاج وتكرير محلية تقلل تعرض المواطن السوري لصدمات الأسواق الخارجية؟

إصلاح اقتصادي.. لكن بأي ترتيب؟

حتى إذا سلمنا بأن إبقاء أسعار المحروقات أدنى من تكلفتها الحقيقية إلى أجل غير محدود أمر لا يمكن تمويله، فإن ذلك لا يحسم الجدل بشأن الطريقة التي نُفذ بها الإصلاح.

فالسياسات الاقتصادية لا تقاس فقط بصحة هدفها النهائي، بل أيضًا بترتيب خطواتها. وكان من الممكن أن يسبق الرفع الكبير للأسعار إعلان واضح لشبكة حماية تستهدف الأسر الأضعف، وتحسين استقرار الإمدادات، وتقديم ضمانات لقطاع النقل والإنتاج، ثم الانتقال بصورة تدريجية إلى أسعار أقرب إلى التكلفة.

أما تحميل المواطن الزيادة أولًا، في وقت ما تزال فيه القوة الشرائية شديدة الضعف والإمدادات عرضة للاضطراب، فيجعل المواطن يشعر بأن «الإصلاح» بدأ من جيبه قبل أن تظهر ثماره في الخدمة أو الدخل.

بين أزمة عالمية وخلل داخلي

القول إن ارتفاع أسعار الوقود في سوريا سببه الفساد وحده تبسيط غير دقيق. البلاد بالفعل تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها، وأسعار المنتجات النفطية عالميًا مرتفعة، ومصفاة بانياس خارج جزء كبير من الخدمة، وقطاع النفط ما زال ينتج أقل بكثير من مستوى ما قبل الحرب.

لكن القول المقابل إن كل ما يجري سببه الخارج وحده ليس مقنعًا أيضًا.

الأزمة الحالية كشفت ضعف قدرة سوريا على تكرير نفطها محليًا، وهشاشة منظومة التخزين والتوريد، وسنوات من تراجع الاستثمار والصيانة، إلى جانب مخالفات وتجاوزات مالية أثبتتها أجهزة الدولة نفسها. وفي نهاية هذه السلسلة يقف المواطن بوصفه الطرف الأسرع الذي يُطلب منه تغطية الفجوة عبر رفع السعر.

المشكلة لذلك ليست مجرد سؤال: “لماذا ارتفع البنزين؟”، وإنما سؤال أكبر: من يتحمل تكلفة ضعف قطاع الطاقة السوري؟

حتى الآن تبدو الإجابة العملية هي المواطن.

وإذا أرادت الحكومة تهدئة الغضب واستعادة الثقة، فلن يكفي أن تصف الزيادة بأنها “مؤقتة”. المطلوب أن تعلن بصورة قابلة للتدقيق تكاليف كل مشتق، وحجم الاستيراد ومصادره، والإنتاج الحقيقي للحقول، وكلفة النقل والتكرير، ونتائج تحقيقات الفساد، ومصير الأموال المهدرة، وأن تحدد بوضوح متى وكيف ستنعكس عودة مصفاة بانياس وارتفاع الإنتاج المحلي على الأسعار.

عندها فقط يمكن للسوري أن يميز بين فاتورة فرضتها حرب الطاقة العالمية، وفاتورة أخرى قد يكون سببها سوء الإدارة والهدر والفساد داخل بلاده.

حفلات الغناء وسؤال الأولويات

ويزداد شعور قطاعات من السوريين بالتناقض حين تتزامن القفزات الحادة في أسعار الوقود وضيق المعيشة مع اتساع مشهد الحفلات والفعاليات الترفيهية الكبرى واستقدام أسماء مطربين من المشاهير، وفي مقدمتها المغنية أصالة نصري لإحياء حفلين في دمشق برعاية وزارة الثقافة ونقابة الفنانين، في مشهد أثار بدوره نقاشًا حول الأولويات في هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن خزينة الدولة تحملت نفقات هذه الحفلات، لكن القضية هنا تتعلق بالصورة العامة وترتيب الأولويات: فحين يُطلب من المواطن تحمل أسعار أعلى للمازوت والبنزين بحجة صعوبة الموارد وارتفاع الكلفة، بينما يرى في الوقت نفسه احتفاءً رسميًا بفعاليات ترفيهية كبيرة ومظاهر إنفاق واحتفال، يصبح من الطبيعي أن يسأل عن الرسالة التي ترسلها الدولة في لحظة اقتصادية شديدة القسوة. فالمشكلة أن مظاهر البذخ والاحتفال، إن لم ترافقها حساسية واضحة تجاه واقع الناس، يمكن أن تعمق الإحساس بأن هناك فجوة بين الخطاب الرسمي عن التقشف والأزمة وبين المشهد الذي يراه المواطن أمامه.

وفي بلد ما زالت فيه أجور شرائح واسعة ضعيفة، وتكاليف النقل والتدفئة والغذاء ترتفع، تصبح مسألة الأولويات العامة والرمزية السياسية للإنفاق والاحتفال جزءًا مشروعًا من النقاش الاقتصادي، لا مجرد اعتراض على النشاط الثقافي.

يصعب فصل سياسة تحرير أسعار المحروقات في سوريا عن التوجه الاقتصادي الأوسع الذي تتبناه الحكومة بالتزامن مع عودة التعامل المكثف مع صندوق النقد الدولي. فالصندوق يدفع منذ سنوات باتجاه تقليص دعم الطاقة واعتماد أسعار أقرب إلى التكلفة، وقد ناقش مع الحكومة السورية خلال 2026 إصلاح المالية العامة و«استرداد تكلفة» الخدمات وتقليص الأعباء المالية غير المباشرة. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن وثيقة معلنة تثبت أن صندوق النقد فرض على دمشق رفع أسعار البنزين الأخير أو حدد نسبته وتوقيته؛ فالقرار يبقى رسميًا قرارًا حكوميًا سوريًا، وإن كان منسجمًا بدرجة كبيرة مع الفلسفة الاقتصادية التي يوصي بها الصندوق.

قد يكون الاقتصاد السوري قد خرج من بعض مظاهر الانهيار الحاد التي طبعت السنوات الأخيرة من عهد الأسد المخلوع، مع عودة النشاط التجاري وتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، لكن التعافي لا يعني أن حياة السوريين أصبحت ميسورة؛ فالفقر ما يزال واسعًا، والتضخم عاد إلى الارتفاع خلال 2026، والفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة لا تزال كبيرة.

وفي الواقع، لم يكن رفع أسعار المحروقات بهذه الصورة هو الخيار الاقتصادي الوحيد أمام الحكومة. كان بالإمكان الانتقال تدريجيًا من الدعم الشامل إلى دعم موجه يحمي الكميات الأساسية للأسر محدودة الدخل، مع تعويض نقدي مسبق، ودعم النقل العام والزراعة والإنتاج، وتشديد الرقابة على الهدر والتهريب، بالتوازي مع إصلاح المصافي وزيادة إنتاج النفط المحلي. فالإصلاح الحقيقي لا يعني نقل عجز قطاع الطاقة مباشرة إلى جيب المواطن، وإنما معالجة أسباب العجز نفسها، ثم توزيع كلفة الإصلاح بصورة عادلة بين الدولة والاقتصاد والمستهلك.

والشتاء على الأبواب

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم: كيف سيقضي السوريون شتاءهم المقبل إذا استمرت أسعار المازوت والغاز والنقل عند هذه المستويات، بينما ما تزال الدخول محدودة وقدرة الأسر على الاحتمال تتراجع؟ فالمشكلة لن تبقى عند حدود تكلفة تعبئة خزان الوقود، بل ستنتقل مباشرة إلى التدفئة، وأسعار الغذاء، وأجور النقل، وكلفة الإنتاج والخدمات، بما يعني أن الأشهر الباردة قد تتحول إلى اختبار اجتماعي واقتصادي بالغ الصعوبة.

لهذا فإن الحكومة لا تملك ترف الانتظار طويلًا. المطلوب استدراك الأزمة بإجراءات عاجلة وملموسة: حماية الأسر الأشد ضعفًا، وتأمين وقود التدفئة بأسعار يمكن تحملها، وضبط الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب، وتحسين الإمدادات، وشرح سياسة التسعير للرأي العام بشفافية كاملة. فالمواطن يستطيع أن يتفهم أزمة حقيقية إذا رأى إدارة جادة وعادلة لها، لكنه لن يتقبل بسهولة أن يتحمل وحده كلفة الاختلالات والهدر وسوء التخطيط.

ومع اقتراب الشتاء، لن يكون نجاح الحكومة مقاسًا بقدرتها على رفع الأسعار أو تبريرها، بل بقدرتها على منع تحوّل أزمة الطاقة إلى أزمة معيشية أوسع. فالسؤال الذي ينتظر جوابًا عمليًا، لا بيانًا رسميًا، هو: هل ستتمكن الأسرة السورية من تدفئة منزلها وتأمين حاجاتها الأساسية هذا الشتاء، أم ستجد نفسها مرة أخرى أمام موسم قاسٍ تدفع فيه ثمن أزمة لم تكن صاحبة القرار فيها؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *