لماذا تجد إيران تعاطفًا صامتًا من دول لا تحبها؟ الخوف من القوة الأمريكية غير المقيدة يعيد رسم الحسابات الدولية

image 1786802324

في مشهد يبدو للوهلة الأولى متناقضًا، يقول الباحث في الشؤون الإيرانية ونائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي، تريتا بارسي، إن مسؤولين من دول مختلفة، بعضها حليف تقليدي للولايات المتحدة ولا يحمل تعاطفًا يُذكر مع إيران، عبّروا له بصورة خاصة عن ارتياحهم لقدرة طهران على الصمود في وجه الحرب الأمريكية الإسرائيلية.

لكن هذا الارتياح، بحسب بارسي، لا يتعلق بإيران نفسها بقدر ما يعكس خوفًا أوسع من عالم تستطيع فيه قوة عظمى استخدام تفوقها العسكري والاقتصادي لتغيير الأنظمة أو فرض إرادتها على الدول من دون أن تواجه كلفة حقيقية.

ومن هنا، يرى الكاتب أن ما يجري يتجاوز الحرب على إيران إلى سؤال أكبر بات يشغل عددًا من العواصم: من يردع القوة الأمريكية إذا أصبحت بلا قيود؟

تعاطف مع إيران أم خوف من الولايات المتحدة؟

يؤكد بارسي أن كثيرًا من المسؤولين الذين تحدث إليهم لا يكنّون تعاطفًا خاصًا مع النظام الإيراني، بل إن بعضهم يمثل دولًا ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن ولديها خلافات عميقة مع طهران.

ومع ذلك، فإن هؤلاء -بحسب روايته- شعروا بالارتياح لأن الحرب لم تحقق نصرًا أمريكيًا إسرائيليًا سريعًا.

والسبب، في رأيه، أن انتصارًا سهلًا وسريعًا كان سيبعث برسالة إلى بقية العالم مفادها أن القوة العسكرية الأمريكية قادرة على إسقاط الحكومات وفرض وقائع سياسية جديدة بتكلفة محدودة.

ويصف بارسي هذا الشعور بأنه نوع من «التشجيع الصامت» لإيران، لكنه يشدد على أن هذا لا يعني تأييد سياساتها أو نظامها، وإنما يعبر عن مصلحة ذاتية لدى دول تخشى أن تصبح هي الأخرى هدفًا في المستقبل.

تجربة فنزويلا حاضرة في الخلفية

يربط بارسي هذه المخاوف بما جرى في فنزويلا، ويقول إن الطريقة التي تعاملت بها واشنطن مع ذلك البلد أثارت قلقًا واسعًا في عواصم عديدة.

وبحسب تحليله، فإن فكرة أن تتمكن قوة كبرى من الإطاحة بقيادة دولة أخرى وفرض ترتيب سياسي جديد عليها مثّلت سابقة خطيرة في نظر كثير من الحكومات، بصرف النظر عن موقفها من الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

ويضيف أن ما عمّق القلق هو محدودية الاعتراض الغربي على شرعية هذه الإجراءات، بينما كانت الدول الغربية في ملفات أخرى، مثل أوكرانيا وغرينلاند، تؤكد باستمرار ضرورة احترام القانون الدولي والسيادة.

ويرى الكاتب أن هذا التناقض أضعف الثقة في الخطاب الغربي حول «النظام الدولي القائم على القواعد»، وجعل دولًا كثيرة تتساءل عما إذا كانت تلك القواعد تُطبّق على الجميع بالفعل، أم بحسب هوية الدولة المستهدفة.

إيران عطلت سيناريو «الحرب السريعة»

بحسب بارسي، ساهم النجاح العسكري الأمريكي السريع في فنزويلا في تعزيز قناعة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن إيران يمكن أن تُهزم خلال فترة قصيرة أيضًا.

وينقل عن مسؤول عربي أن ترامب كان قد طمأن قادة إقليميين متشككين بأن الحرب على إيران لن تستغرق أكثر من مئة ساعة.

لكن بعد ستة أشهر، كما يقول بارسي، تحولت الحرب إلى مواجهة طويلة بلا نهاية واضحة.

وهذه النتيجة، في تقديره، منحت دولًا أخرى شعورًا بالارتياح؛ لأن الولايات المتحدة أصبحت منشغلة في صراع مكلف، بدل أن تنتقل مباشرة إلى أهداف أخرى.

وينقل الكاتب عن مسؤول في دولة حليفة تقليديًا لواشنطن قوله إن صمود الإيرانيين ربما حال دون توجه ترامب إلى ضرب كوبا أو اتخاذ خطوات أكثر عدوانية تجاه غرينلاند.

وهنا مرة أخرى، يلفت بارسي إلى أن المسألة ليست حبًا لإيران، وإنما رغبة في أن يكون هناك ما يكبح اندفاع القوة الأمريكية.

حتى مضيق هرمز يصبح «ألمًا يمكن احتماله»

يذهب التحليل إلى أبعد من ذلك، إذ يقول بارسي إن بعض الدول ترى أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز، على خطورتها، قد تكون أقل تهديدًا على المدى البعيد من نشوء عالم تستطيع فيه الولايات المتحدة تغيير الأنظمة وضم الأراضي أو فرض إرادتها متى شاءت.

ومن هذا المنظور، يصبح الألم الاقتصادي الناتج عن تعطّل إمدادات الطاقة أمرًا يمكن التعامل معه، بينما يصعب على معظم الدول بناء جيوش قادرة على ردع تدخل عسكري أمريكي مباشر.

بل إن بارسي يقول إنه لاحظ لدى بعض المسؤولين قلقًا من أن تعيد إيران فتح المضيق «في وقت مبكر جدًا»، قبل أن تصل واشنطن إلى قناعة بأن سياسة تغيير الأنظمة بالقوة لم تعد مجدية.

وبعبارة أخرى، هناك -وفق تحليله- دول تفضل بقاء الولايات المتحدة عالقة في الخليج فترة أطول، لأن ذلك يمنعها من الانتقال إلى أزمة أخرى.

العالم لا يريد انتصار إيران بقدر ما يريد توازنًا

يخلص بارسي إلى أن المشهد الحالي يعكس رغبة دولية متزايدة في استعادة شيء من التوازن في النظام العالمي.

ومن وجهة نظره، فإن الولايات المتحدة أصبحت بالنسبة إلى دول عديدة، بما فيها بعض حلفائها، القوة التي تحتاج أكثر من غيرها إلى «موازنة» وقيود.

وهذا، كما يؤكد، لا يعني أن تلك الدول ترى روسيا أو الصين أو إيران أو كوريا الشمالية بلا مخاطر، ولا أنه يمثل تأييدًا لأنظمتها أو سياساتها الداخلية والخارجية.

لكنه يعني أن قدرة الولايات المتحدة على استخدام أدواتها العسكرية والاقتصادية في مختلف أنحاء العالم تجعلها، بالنسبة إلى بعض الدول، مصدر التهديد الأكثر مباشرة.

درس أوكرانيا والعقوبات على روسيا

يضرب بارسي مثالًا بالحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022.

ففي ذلك الوقت، تعاطفت غالبية دول الجنوب العالمي مع أوكرانيا، وإن كانت بعضها تحمل حلف شمال الأطلسي جزءًا من المسؤولية عن الوصول إلى الأزمة.

لكن روسيا، بحسب تحليله، لم تكن تُعتبر تهديدًا مباشرًا لدول في أفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، لأنها لم تكن تملك القدرة على تكرار ما فعلته في أوكرانيا في أنحاء العالم.

أما ما أثار القلق الحقيقي لدى هذه الدول فكان سرعة قدرة واشنطن وحلفائها على عزل روسيا عن أجزاء كبيرة من النظام المالي الدولي خلال أيام.

فقد كشفت العقوبات عن مقدار اعتماد اقتصادات العالم على الدولار والمؤسسات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.

ويقول بارسي إن الرسالة التي تلقتها كثير من العواصم لم تكن فقط أن روسيا يمكن أن تُعاقب، بل أن واشنطن تملك القدرة على إلحاق أضرار اقتصادية هائلة بأي دولة تقريبًا إذا قررت استخدام هذه الأدوات ضدها.

حين يصبح الحلف مع واشنطن غير كافٍ للطمأنينة

واللافت في تحليل بارسي أن الخوف لا يقتصر، بحسب قوله، على خصوم الولايات المتحدة.

فهو ينقل عن دبلوماسية غربية في دولة حليفة لواشنطن أنها حاولت إقناع قيادتها بعدم السعي لتنظيم زيارة رسمية إلى العاصمة الأمريكية، لأن «لا شيء جيدًا يمكن أن يأتي منها»، وأن الأفضل ألا تقع بلادها أصلًا تحت أنظار ترامب.

ويستخدم بارسي تشبيهًا قاسيًا لوصف هذا النوع من التفكير: ففي الغابة، قد تكون إحدى وسائل الحماية ألا يلاحظك «المفترس الأكبر».

وإذا صح هذا المزاج داخل دوائر رسمية غربية، فإنه يعني أن علاقة بعض الحلفاء بواشنطن لم تعد قائمة فقط على سؤال: كيف نحصل على الحماية الأمريكية؟ بل باتت تتضمن أيضًا سؤالًا آخر: كيف نتجنب أن نصبح هدفًا لضغوطها؟

نتيجة عكسية للسياسة الأمريكية

ويرى بارسي أن هذه النتيجة تمثل فشلًا استراتيجيًا للولايات المتحدة نفسها.

فكل الدول تسعى إلى زيادة قوتها، لكن الدبلوماسية الناجحة، بحسب منطقه، تتمثل في استخدام هذه القوة بطريقة لا تدفع الآخرين إلى الشعور بأن وجودها يشكل تهديدًا دائمًا لهم.

أما إذا أصبحت القوة الأمريكية تُرى بوصفها خطرًا يجب التحوط منه، فمن الطبيعي أن تبحث الدول عن أدوات لموازنتها، سواء عبر بناء قدراتها الذاتية أو التقارب مع قوى منافسة أو -كما يحدث اليوم وفق تحليل بارسي- عبر الترحيب سرًا بصمود دولة أخرى أمامها.

وهكذا قد تجد إيران نفسها، على نحو مفارق، تؤدي دورًا لم تسعَ إليه وحدها: أن تصبح أداة غير مباشرة في عملية أوسع لإعادة التوازن إلى النظام الدولي.

ليس حبًا في إيران.. بل خوفًا من عالم بلا قيود

الخلاصة التي يقدمها بارسي ليست أن العالم يريد أن تنتصر إيران أو أن يرى الولايات المتحدة مهزومة. فهو يميز بوضوح بين الأمرين.

ما يريده عدد متزايد من الدول، بحسب قراءته، هو ألا تكون هناك قوة تستطيع أن تفعل ما تريد بلا ثمن أو رادع.

ولهذا قد يتمنى مسؤول في دولة تختلف جذريًا مع إيران أن تنجح طهران في منع واشنطن من تحقيق انتصار سريع، لا حبًا في الجمهورية الإسلامية، وإنما خوفًا مما قد يأتي بعدها.

وفي هذا تكمن المفارقة الكبرى: كلما حاولت الولايات المتحدة إثبات تفوقها عبر استخدام القوة من دون قيود، دفعت دولًا أكثر -حتى من بين حلفائها- إلى البحث عمن يوازنها.

وقد يكون «التشجيع الصامت» لإيران، كما يصفه بارسي، أحد أوضح مظاهر هذا التحول.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *