بعد نحو 47 عامًا.. واشنطن تستعد لشطب سوريا من قائمة «الدول الراعية للإرهاب».. ماذا يعني القرار؟

Iran vessels hormuz august 2026 afp.jpg

تقترب سوريا من إغلاق واحد من أطول فصول العزلة التي فرضتها عليها الولايات المتحدة، بعد انتهاء المهلة القانونية التي يملك خلالها الكونغرس فرصة الاعتراض على قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب رفع اسم البلاد من قائمة «الدول الراعية للإرهاب».

وانتهت، في 22 أغسطس/آب، فترة المراجعة الإلزامية البالغة 45 يومًا من دون الإبلاغ عن تحرك في الكونغرس لوقف القرار، لتتبقى خطوة إجرائية أخيرة تتمثل في نشر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قرار الشطب رسميًا في السجل الفيدرالي. وإذا اكتملت، ستخرج سوريا من القائمة بعد وجود استمر منذ ديسمبر/كانون الأول 1979، أي قرابة 47 عامًا.

لكن أهمية الخطوة تتجاوز إزالة اسم من قائمة أمريكية؛ فهي تعكس حجم التحول الذي طرأ على علاقة واشنطن بدمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وانتقال الولايات المتحدة خلال أقل من عامين من سياسة تقوم على عزل الدولة السورية ومعاقبتها إلى محاولة بناء علاقة جديدة مع حكومة الرئيس أحمد الشرع.

منذ 1979.. واحدة من أقدم الدول على القائمة

أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 29 ديسمبر/كانون الأول 1979، في عهد حافظ الأسد، بسبب ما اعتبرته واشنطن دعمًا لجماعات مصنفة لديها على قوائم الإرهاب.

واستمر التصنيف طوال حكم حافظ الأسد ثم ابنه بشار الأسد، وأضيفت إليه بمرور العقود طبقات أخرى من العقوبات والقيود الأمريكية.

وبحسب وثائق أمريكية، ارتبط التصنيف لاحقًا بملفات من بينها علاقة النظام السابق بحزب الله وحماس، ووجوده السابق في لبنان، وبرامج الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل، ثم اتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية خلال الحرب السورية.

ولذلك لم يكن إدراج سوريا مجرد توصيف سياسي، وإنما جزءًا من بنية قانونية واسعة قيّدت تعاملها مع الولايات المتحدة والنظام المالي والاقتصادي الدولي لعقود.

سقوط الأسد غيّر المقاربة الأمريكية

جاء التحول الحقيقي بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وتشكيل سلطة جديدة في دمشق.

وبدأت واشنطن تدريجيًا في إعادة النظر في العقوبات التي صُممت أساسًا للتعامل مع النظام السابق. وفي مايو/أيار 2025، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا عامًا سمح باستئناف نطاق واسع من المعاملات الاقتصادية، ثم وقع ترامب في 30 يونيو/حزيران من العام نفسه أمرًا تنفيذيًا أنهى برنامج العقوبات الشامل على سوريا، مع إبقاء العقوبات على بشار الأسد ومساعديه والمتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان والاتجار بالمخدرات والإرهاب والأنشطة المرتبطة بالأسلحة الكيميائية وإيران.

وفي ذلك القرار، أمر ترامب أيضًا بمراجعة تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، إلى جانب مراجعة التصنيفات المرتبطة بهيئة تحرير الشام والرئيس أحمد الشرع. وقال البيت الأبيض حينها إن الظروف التي أدت إلى العقوبات على سوريا تغيرت بفعل سقوط النظام السابق وما وصفه بـ«الإجراءات الإيجابية» التي اتخذتها الحكومة الجديدة.

ثم أخطر ترامب الكونغرس في 8 يوليو/تموز 2026 بعزمه إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، مستندًا إلى أن الحكومة السورية لم تقدم دعمًا للإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، وأنها قدمت تعهدات بعدم القيام بذلك مستقبلًا، وفق التقرير المنشور عن مسار القرار.

دمشق وواشنطن.. من العزلة إلى التعاون الأمني

لا يمكن فصل القرار عن التحول الذي شهدته العلاقة الأمنية بين الطرفين.

فحكومة الرئيس أحمد الشرع وسّعت تعاونها مع واشنطن في ملف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وانضمت دمشق في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، وهي خطوة حملت دلالة سياسية كبيرة بالنظر إلى تاريخ العلاقة بين السلطة الجديدة والولايات المتحدة.
وتكشف السياسة الأمريكية الجديدة عن محاولة للفصل بين الدولة السورية في مرحلتها الحالية وإرث النظام السابق؛ أي الإبقاء على العقوبات والملاحقات بحق الأسد وشخصيات وكيانات مرتبطة به، في مقابل تخفيف القيود المفروضة على الحكومة والدولة والاقتصاد السوريين. وتؤكد وزارة الخزانة أن إنهاء برنامج العقوبات لم يشمل تنظيم «داعش» أو المسؤولين عن انتهاكات حقوقية أو تجارة المخدرات أو أنشطة الانتشار وأسلحة الدمار الشامل.

ماذا يعني شطب سوريا فعليًا؟

يحمل وصف «دولة راعية للإرهاب» مجموعة من النتائج القانونية الأمريكية تتجاوز العقوبات المالية التقليدية.

فالتصنيف يرتبط بقيود على تصدير السلع والتقنيات الخاضعة للرقابة، وحظر معظم أشكال المساعدات الحكومية الأمريكية، ومنع مبيعات ونقل الأسلحة، إضافة إلى آثار قانونية تتعلق بالحصانة السيادية أمام المحاكم الأمريكية في بعض القضايا المرتبطة بالإرهاب.

وعليه، فإن الشطب يزيل طبقة إضافية من القيود القانونية التي بقيت قائمة رغم قرارات تخفيف العقوبات السابقة.

لكن من المهم التمييز هنا: رفع سوريا من قائمة الإرهاب لا يعني أن كل القيود الأمريكية المفروضة على شخصيات وكيانات سورية ستختفي تلقائيًا.

فالولايات المتحدة كانت قد أنهت بالفعل برنامج العقوبات الشامل على سوريا في يونيو/حزيران 2025، وأزالت في حينها مئات الأفراد والكيانات من قوائم العقوبات، مع الاحتفاظ بعقوبات منفصلة على رموز النظام السابق وغيرهم ممن ترى واشنطن أنهم يشكلون تهديدًا أمنيًا أو متورطون في انتهاكات.

ولهذا فإن القيمة المباشرة للشطب اليوم سياسية وقانونية بقدر ما هي اقتصادية.

أثر اقتصادي يتجاوز النصوص القانونية

رغم أن معظم العقوبات الاقتصادية الشاملة رُفعت قبل هذه الخطوة، فإن بقاء دولة على قائمة «رعاة الإرهاب» يمكن أن يترك أثرًا يتجاوز الحظر الرسمي نفسه.

فالبنوك والمؤسسات الدولية والمستثمرون عادة ما يتعاملون بحذر شديد مع البلدان المرتبطة بتصنيفات الإرهاب، حتى في وجود تراخيص أو إعفاءات قانونية، بسبب مخاطر الامتثال والعقوبات المحتملة.

وكان مسؤولون وخبراء أمريكيون قد حذروا سابقًا من أن استمرار تصنيف سوريا، إلى جانب العقوبات الأخرى، قد يحد من شهية المستثمرين والمؤسسات المالية للمشاركة في إعادة إعمار البلاد.

ومن ثم، فإن الشطب قد يساعد تدريجيًا في تقليل «وصمة المخاطر» المرتبطة بالتعامل مع سوريا، ويوجه رسالة إلى البنوك والشركات والحكومات بأن واشنطن لم تعد تتعامل مع الدولة السورية الجديدة وفق الإطار الذي حكم سياستها تجاه نظام الأسد.

وقد كانت وزارة الخزانة الأمريكية نفسها قد قالت عند رفع العقوبات الشاملة في 2025 إن هدف الخطوات هو إتاحة الفرصة أمام الاقتصاد السوري لإعادة الاتصال بالتجارة العالمية والمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية.

تحول سياسي أكبر من مجرد رفع عقوبة

ربما تكون الدلالة السياسية هي الأبرز.

فالولايات المتحدة لا تكتفي بتخفيف عقوبات فرضت على النظام السابق، بل تنتقل إلى إعادة تعريف موقع سوريا في سياستها الخارجية.

الدولة التي بقيت على قائمة الإرهاب منذ نشأتها تقريبًا عام 1979 باتت واشنطن تتعامل مع حكومتها الجديدة بوصفها طرفًا يمكن التعاون معه في مكافحة ما تسميه «الإرهاب» والاستقرار الإقليمي وإعادة بناء الدولة.

ومع ذلك، لا تعني هذه العلاقة أن الخلافات اختفت. فالولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بتحذير سفر من أعلى مستوى إلى سوريا بسبب ما يسمى مخاطر الإرهاب والاضطرابات والخطف والنزاع المسلح، كما أن ملفات الأمن الإقليمي والعلاقة مع «إسرائيل» والجماعات المسلحة والأقليات ستظل عناصر أساسية في تقييم واشنطن للحكومة السورية.

سوريا أول دولة تُشطب منذ السودان

عند اكتمال الإجراءات الرسمية، ستكون سوريا أول دولة تُرفع من قائمة «الدول الراعية للإرهاب» منذ شطب السودان عام 2020.

وستبقى عندها ثلاث دول فقط على القائمة الأمريكية: إيران وكوريا الشمالية وكوبا.

لكن الفارق في الحالة السورية أن التصنيف لم يكن إجراءً حديثًا أو مرتبطًا بمرحلة قصيرة، بل لازم الدولة قرابة نصف قرن وشهد خلاله سقوط نظام وبقاء آخر، وحربًا استمرت أكثر من عقد، وعقوبات متراكمة أصبحت جزءًا من علاقة سوريا بالعالم الخارجي.

ولهذا فإن شطبه يمثل أكثر من تغيير تقني في السياسة الأمريكية؛ إنه إغلاق رسمي لجزء من علاقة واشنطن بسوريا القديمة، وبداية تثبيت تعامل مختلف مع سوريا ما بعد الأسد.

ويبقى الاختبار الأهم بعد ذلك في الميدان: إلى أي مدى ستتمكن دمشق من تحويل التحول السياسي الأمريكي إلى عودة فعلية للاستثمارات والتحويلات والمؤسسات المالية، وإلى أي مدى ستستمر واشنطن في هذا الانفتاح إذا تغيرت حساباتها الأمنية أو السياسية؟

فرفع اسم سوريا من قائمة بقيت عليها نحو 47 عامًا يزيل عائقًا كبيرًا، لكنه لا يختصر وحده الطريق الطويل من العزلة إلى الاندماج الدولي.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *