شهد تاريخ الإمارات سلسلة من المواجهات السياسية والعسكرية مع الاحتلال البريطاني، بدأت من فرض المعاهدات القسرية وتوجت بإنهاء الوجود الأجنبي وقيام الاتحاد وبناء مؤسساتها.
أولاً: تسمية المنطقة والمقاومة المبكرة ضد الاحتلال البريطاني
سُمِّيَتِ الإماراتُ قديماً بساحل عُمان أو الساحل المهادن، ونشأت هذه التسمية نظراً لارتباطِ هذهِ المناطق بمعاهداتِ سلامٍ مع بريطانيا بدأت منذ عام ١٢٢١ هـ الموافق ١٨٠٦. وقد سكنت المنطقة عدّةُ قبائلَ تاريخية كان أشهرُها بنو ياس وآلبوفلاسة والقواسم.
وقد تميزت تلك المرحلة بالمقاومة ضد محاولات الهيمنة الأجنبية:
– مقاومة القواسم: قادَ القواسمُ لواء المقاومةَ في الخليج العربي ضدَّ التغلغل البريطاني، وشكلوا تهديداً مباشراً لطريقَ التجارةِ البريطانيّةِ المتوجهة إلى الهند.
– الحملات البحرية البريطانية: ردّاً على هذه المقاومة، جهَّزت بريطانيا عدّةَ حملاتٍ بحريّةٍ للقضاءِ على القواسم، وكان آخرُ تلك الحملات في عام ١٢٣٥ هـ الموافق ١٨١٩، وجاءت بعد قضاء الطاغية محمد علي على الدولة السعودية الأولى التي كانت حليفة للقواسم.
– تدمير رأس الخيمة: تمكنت القوات البريطانية خلال حملتها الأخيرة من تدميرَ عاصمتِهم مدينة رأسَ الخيمةِ، وفرضتِ معاهدة السلام العامّة عام ١٢٣٥ هـ الموافق ١٨٢٠ التي وقَّعَ عليها جميعُ شيوخ الساحل المهادن لبسط النفوذ البريطاني.
ثانياً: تجديد المعاهدات وتكريس التبعية الحصرية
لم تكتفِ بريطانيا بمعاهدات السلم العامة، بل لجأت في نهاية القرن التاسع عشر إلى تجديد معاهدات عام ١٢٣٥ هـ الموافق ١٨٢٠ لإحكام طوق العزلة السياسية على المنطقة:
– المعاهدة الحصرية: وقعت بريطانيا مع أمراء الساحل المهادن معاهدة عام ١٣١٦ هـ الموافق ١٨٩٩، وحظر الاحتلال بموجبها على الحكام التصرفُ بأرضهم أو بيعها أو التنازل عنها، كما حُرِّمت عليهم منحُ أيِّ امتيازاتٍ اقتصادية أو سياسية للدول الأوروبية الأخرى دون موافقة بريطانيا المسبقة.
ثالثاً: مسار الإمارات من التفكك إلى قيام الاتحاد
أحكمت بريطانيا سيطرتَها السياسية والأمنية على الساحل المهادن، وعمدت إلى ربط المنطقة بشبكاتٍ من الخطوطِ الهاتفيّةِ والقواعدِ العسكريّةِ لتأمين مصالحها الاستراتيجية، حتى بدأت موازين القوى تتغير صعوداً نحو الاستقلال:
– التبعية لوزارة الخارجية: على أثر استقلالِ الهند عن بريطانيا عام ١٣٦٦ هـ الموافق ١٩٤٧، أصبحَ الساحلُ المهادنُ يتبعُ لوزارةِ الخارجيّةِ البريطانيّةِ بشكلٍ مباشرٍ.
– اجتماع السميح التاريخي: أدى اجتماع السميح في أبو ظبي بين دبي وأبو ظبي عام ١٣٨٧ هـ الموافق ١٩٦٨ إلى إقامة اتحاد ثنائي بينهما، وهو اللقاء الذي مهد الطريق فيما بعد لضم بقية المناطق إضافة إلى البحرين وقطر. وجرى لاحقاً اجتماع في دبي أعلن عن قيام الاتحاد التساعي، لكن ما لبثت أن أعلنت كل من قطر والبحرين استقلالهما المنفرد، فأعلن عام ١٣٩١ هـ الموافق ١٩٧١ عن تشكيل اتحاد الإمارات.
– إعلان الاتحاد: في الثاني من كانون الأول عام ١٣٩١ هـ الموافق ١٩٧١ أُعلِنَ رسمياً عن إنشاءِ الإماراتِ بمبادرةٍ من زايد بن سلطان آل نهيان الذي انتُخِبَ رئيساً لها، فانسحبت بريطانيا في العامِ نفسِه.
رابعاً: السياسة الخارجية والواقع الاقتصادي
بينما صُورت التوجهات المبكرة للإمارات عقب التحرر من الاستعمار البريطاني في إطار ظاهري محدد، إلا أن القراءة العميقة تكشف عن مسارات باطنة خالفت الواجب الشرعي وسارت في اتجاه التبعية وتقديم المصالح النفعية على حساب ثوابت الأمة:
– حقيقة السياسة الخارجية: رُوج لسياسة الإمارات في عهد الشيخ زايد تحت شعارات الحياد وتوثيق العلاقات، إلا أن هذا المسار شكل في حقيقته انسحاباً مبكراً من نصرة القضايا الإسلامية المصيرية، والتغاضي عن المشاريع الاستعمارية التي كانت تُحاك للمنطقة تحت سِتار الموازنات السياسية الباردة.
– العجز في قضية الجزر: ظهر التراخي السياسي واضحاً في عجز الإمارات عن حماية حدودها واسترداد جزر أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى التي احتلتها إيران في عهد الشاه عام ١٣٩١ هـ الموافق ١٩٧١، حيث اكتفت الإمارات بالمسارات الدبلوماسية العقيمة ورفع القضية إلى محكمة العدل الدولية، دون اتخاذ مواقف حازمة ترتكز على القوة والجهاد لحماية الثغور الإسلامية المستباحة.
– الواقع الاقتصادي وربط المصالح بالغرب: بفضل تدفقات النفط الكثيفة، ركزت الإمارات على بناء نموذج اقتصادي رأسمالي محض، يسعى لجذب الرساميل والشركات والعمالة الأجنبية من مختلف الميادين، مما تسبب في رهن القرار الاقتصادي للإمارات بالمصالح الغربية والأجنبية.
ومهد هذا التوجه الأرضية الخصبة لاحقاً لولوج مستنقع التحالف والتعاون مع الصهاينة ومحاربة التوجهات الإسلامية بدعوى حماية الاستثمارات. ولم يقتصر الانحراف على الجوانب المادية والسياسية الفاسدة، بل تعداه إلى المساس المباشر بالثوابت العقدية للأمة عبر السعي الحثيث إلى دمج الأديان وجعلها كياناً واحداً مشوهاً تحت مسمى البيت الإبراهيمي الذي أُنشئ عام ١٤٤٤ هـ الموافق ٢٠٢٣، وهو ما يمثل سقطة عقدية كبرى وتنازلاً خطيراً عن أصول الدين الحنيف واسترضاءً للمشاريع الاستعمارية، كل ذلك من أجل تحصيل بعض المصالح الدنيوية الزائلة والمكاسب المادية العابرة.
ميزان المواقف وعتب الأخوة في منظور الأمة
إن القراءة التاريخية الفاحصة لمسيرة الإمارات تستوجب الوقوف عند المسؤولية الشرعية التي فرضها الله سبحانه وتعالى على ديار الإسلام لحماية بيضة الدين ونصرة قضايا الأمة. فالواجب المفترض وفق وازع العقيدة وأواصر الأخوة الإسلامية أن تكون ثروات ومواقف بلاد المسلمين سداً منيعاً لحفظ مصالح المسلمين والدفاع عن حياضهم ومقدساتهم.
وهنا يبرز عتب شرعي وتاريخي كبير؛ إذ يُنتقد المسار الحديث للإمارات لتوجهه نحو التعاون والتحالف مع الصهاينة، وهو ما يمثل طعنة في جسد الأمة الإسلامية ومقدسات المسلمين. كما يُسجل التاريخ العتب والملامة على السياسات التي انخرطت فيها الإمارات وأفضت إلى التدخل في شؤون بعض بلاد المسلمين، مما تسبب في إشعال الفتن وتكريس الخراب في تلك الأوطان، والتضييق على قضايا المسلمين بدلاً من لم الشمل ونصرة المستضعفين. إن الدين ثم دماء المسلمين ومصالحهم العليا هي الأمانة التي سيسأل الله عنها العباد، والعودة إلى ثوابت الشريعة ونصرة قضايا الأمة هي السبيل الوحيد لرفع هذا العتب التاريخي.





اترك تعليقاً