تجار الدين بين الحكم بالشريعة ودولة القانون

IMG 20260715 193934 044

الحمد لله القائل: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ» الأنبياء 18

وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من علمنا الفقه في الدين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

تتبعت في هذا المقال تناقضات وتقلبات أحد أبرز الشخصيات المتلونة وهو “عبد الله المحيسني” بغية التحذير والتنبيه وتعريف الناس بحقيقة هؤلاء التجار، وهذا على سبيل المثال لا الحصر فأقول مستعينا بالله.

التناقضات والتقلبات

للمحيسني جمهرة من التقلبات والتغيرات وسنذكر في هذا الموطن أبرزها وأخطرها.

موقف المحيسني من الديمقراطية

تبنى المحيسني طيلة مشواره مع “الثورة السورية” منذ عام 2013م موقفا مصادما للديمقراطية ومجالس الشعب والبرلمان ويحذر منها بوصفها نظاما كفريا بل”طاغوتا” من طواغيت العصر.

  • قال المحيسني في كتابه المسمى “الحلية الشرعية” صفحة 169 الطبعة الثانية عام 2013: الديمقراطية على اختلاف تشعباتها وتفسيراتها تقوم على مبادئ وأسس، أهمها يظهر في النقاط التالية (۳):أولا: تقوم الديمقراطية على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، بما في ذلك السلطة التشريعية، ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين، وبعبارة أخرى فإن المشرع المطاع في الديمقراطية هو الإنسان وليس الله، وهذا يعني أن المألوه المعبود المطاع من جهة التشريع والتحليل والتحريم هو الشعب والإنسان والمخلوق وليس الله تعالى، قال الله تعالى : ( إن الحكم إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) ، وقال تعالى: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمُ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ) المائدة: ٤٩، وقال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله ) التوبة : ٣١. وجاء في الحديث الصحيح عن عدي بن حاتم لما قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ ) قال: فقلت له إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يُحْرِمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتَحَرِّمُونَهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟»، قال: فقلت: بلى، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتهم ..
  • وقال ايضا في الصفحة 170 : ثالثا: تقوم الديمقراطية على اعتبار الشعب حكم أوحد ترد إليه النزاعات والخصومات، فإذا حصل أي اختلاف أو نزاع بين الحاكم والمحكوم، نجد أن كلاً من الطرفين يهدد الآخر بالرجوع إلى إرادة الشعب، وإلى اختيار الشعب، ليفصل الشعب ما تم بينهما من نزاع، وهذا مخالف ومناقض لأصول التوحيد التي تقرر أن الحكم الذي يجب أن ترد إليه جميع النزاعات هو الله تعالى وحده وليس أحداً سواه، يقول الله تعالى : ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ) الشورى: ١٠، بينما الديمقراطية تقول: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الشعب وليس إلى أحد غير الشعب وقال تعالى: ﴿ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ( النساء: ٥٩، والرد إلى الله والرسول يكون بالرد إلى الكتاب والسنة، قال ابن القيم : جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء الآخر” (٢).

ولكن بعد أن انتصار “الثورة” وتم تعيين “مجلس الشعب” لم تعد الديمقراطية ذلك النظام الكفري ولم يعد مجلس الشعب ذلك “المألوه المعبود المطاع” من دون الله بل هنأهم المحيسني بهذه “الأمانة” بمقالة تحت عنوان:

“الأمانة التي بين أيديكم”

“أخي عضو مجلس الشعب :

لن أكتب إليكم كلمات التهنئة، فقد سمعتم منها الكثير، ولن تزيدكم كلماتي فرحًا بما أنتم فيه. ولكن ما هو أهم من التهنئة أن أذكركم بحقيقة المنصب الذي تحملتموه، وبالأمانة التي وضعها الله في أعناقكم.

لقد شاء الله أن يكتب أسماءكم في أول مجلس شعب بعد أربع عشرة سنة من الثورة، والدماء، والتهجير، والاعتقال، والفقد. وما نلتموه اليوم ليس وجاهةً ولا لقبًا، وإنما حملٌ ثقيل، وأمانة عظيمة، ومسؤولية ستقفون بها بين يدي الله قبل أن تقفوا بها أمام الناس.

لقد عرف السوريون مجلسًا كان عنوانه التصفيق، وتزيين الأخطاء، وتمرير ما يُراد، حتى فقد الناس ثقتهم به. أما اليوم فإنهم ينتظرون منكم مجلسًا يعيد للأمة احترامها، وللدولة هيبتها، وللشعب ثقته.

تذكروا أن الكرسي يزول، ويبقى القرار. ويبقى الصوت الذي رفعتموه أو خذلتم به حقًا، ويبقى الموقف الذي نصرتم به مظلومًا أو سكتّم فيه عن باطل. فلا تجعلوا المجاملة تغلب الضمير، ولا الأشخاص يعلون على المبادئ، ولا المصالح الخاصة تتقدم على مصلحة الوطن.

واذكروا قول النبي ﷺ: «المستشار مؤتمن»، وفي الحديث الآخر: «من استُشير فأشار على أخيه بغير رشدٍ فقد خانه». فإذا استُشير أحدكم في قرار، أو طُلب منه رأي، أو رُفعت إليه قضية، فليعلم أن النصيحة أمانة، وأن الغش في المشورة خيانة، وأن الله سائله عن كل كلمة قالها، أو كتمها، أو زيّن بها باطلًا.

أنتم لا تمثلون أنفسكم، بل تمثلون شعبًا أنهكته الحرب، وأمهاتٍ ينتظرن العدل، وشبابًا يحلمون بمستقبل كريم، وأطفالًا يستحقون أن ينشؤوا في وطن أقوى مما ورثناه.

ولا تنسوا أن أخطر ما خلفته الحرب ليس الدمار في الأبنية، وإنما ما تركته في النفوس والعقول. فجيل الحرب يحتاج إلى من يعيد بناء الإنسان قبل العمران، ويصنع الأمل قبل المشاريع، ويثبت القيم قبل المصالح.

اجعلوا مجلسكم مجلسًا تُسمع فيه الكلمة الصادقة، ويُناقش فيه القرار بعقلٍ ومسؤولية، ويُراجع فيه الخطأ بشجاعة، ويُقدَّم فيه الوطن على كل اعتبار. فالدول لا يحفظها المصفقون، وإنما يحفظها الصادقون.

واعلموا أن الناس قد تنسى أسماءكم، لكنها لن تنسى آثار قراراتكم، وأن التاريخ قد يختصر سنوات عضويتكم في موقف واحد، وأن الله لا يغيب عنه صوت، ولا قرار، ولا نية.

نسأل الله أن يعينكم على أداء الأمانة، وأن يجعل أعمالكم خالصة لوجهه، وأن يرزقكم البصيرة في القرار، والشجاعة في الحق، وأن يجعل هذا المجلس بداية عهدٍ يليق بتضحيات السوريين وآمالهم.

وكتبه محبُّ الشام وأهلهاد. عبدالله المحيسني تاريخ : 2/7/2026″

ولنا وقفات مع هذه المقالة.

قال المحيسني: “لقد شاء الله أن يكتب أسماءكم في أول مجلس شعب بعد أربع عشرة سنة من الثورة، والدماء، والتهجير، والاعتقال، والفقد. وما نلتموه اليوم ليس وجاهةً ولا لقبًا، وإنما حملٌ ثقيل، وأمانة عظيمة، ومسؤولية ستقفون بها بين يدي الله قبل أن تقفوا بها أمام الناس.”

قلت: هل كان ثمن 14 سنة من الدماء والحرب والتشريد هو تحكيم “طاغوت العصر” كما سميته في بداية الثورة يا محيسني؟ أم أن تلك المسميات ما كانت إلا شماعة لإستغلال دماء الآف الشباب لتحقيق مصالحكم الشخصية؟.

وقال في الفقرة التالية:

“لقد عرف السوريون مجلسًا كان عنوانه التصفيق، وتزيين الأخطاء، وتمرير ما يُراد، حتى فقد الناس ثقتهم به. أما اليوم فإنهم ينتظرون منكم مجلسًا يعيد للأمة احترامها، وللدولة هيبتها، وللشعب ثقته.”

وهنا يظهر أن الفرق بين مجلس النظام السوري الأول ونظام اليوم هو “التصفيق، وتزيين الأخطاء” بحسب نظر المحيسني وعليه فانتم لا تملكون مشروعا إسلاميا بل انتم تريدون إقامة دولة مدنية وليس مشروعا لتحكيم شرع الله ونبذ الديمقراطية كما كنت تصفها.

ومن ثم أكمل المحيسني مقالته بالطلب من أعضاء المجلس “حسن تمثيل الشعب” وتقديم مصلحة الوطن على كل مصلحة وبعض النصائح لهذا المجلس بإخلاص عمله “للشعب”؛ فنعوذ بالله من الفتن.

قال المحيسني في كتابه الحلية صفحة 174:

“ثم أيها المجاهد ليكن منهجك وعقيدتك أن كل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فنحن معه، ونقاتل معه، وكل من خالف ذلك فإنا نتركه وننبذه وتخالفه، فلو أن قائداً في الشام اليوم أعلن نظام الديمقراطية تحت أي سبب أو عذر فإننا ننشق منه جميعاً، وتخالفه جميعاً، وننابذه العداء جميعاً، بذلك نكون قد قاتلنا لتكون كلمة الله هي العليا.” فأين ذهبت هذه الوصية يا محيسني؟

الدخول بالتحالف

كانت فتاوى المحيسني في بداية الثورة تصدع بتكفير كل من ناصر الكفار على المسلمين ومن هذه المناصرة المشاركة بـ”التحالف الدولي” قال المحيسني في كتابه الحلية صفحة 197:

“فإن من نواقض الإسلام الخطيرة، ومبطلاته الكبيرة موالاة الكفار من دون المؤمنين ومناصرتهم ومعاونتهم على أهل الإسلام، وهذا كفر صريح، سواء كان أولئك الكفار يهودا أو نصارى أو مجوسا أو مشركين أو نصيريين أو مرتدين.

ولقد حذر الله في كتابه العظيم من موالاة الكافرين عموما فقال: ﴿ يأيها الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَأَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنَا مُّبِينًا ﴾ النساء : ٠١٤٤ وقال سبحانه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتح أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ ) المائدة: ٠٥٢٠٥١

إن موالاة الكفار خيانة الله ولرسوله وللمؤمنين، وهي من صفات المنافقين كما قال الله عنهم في كتابه: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِي وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ ) المائدة: ۸۱۰۸۰، وقال تعالى: بَشِّرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) النساء : ۱۳۸-۰۱٣۹

وإن من موالاة الكافرين: التجسس لهم على المسلمين، وهذا من أعظم أنواع المناصرة للكفار، لأنهم بذلك يصلون إلى ما لا تستطيع أن تصل إليه جيوشهم أو تقني اتهم، ورب خبر واحد ينقله جاسوس لهم تحدث به من النكاية في المسلمين ما لا تحدثه الآلاف المؤلفة من جنودهم المجندة.”

وقال بعد حادثة الباغوز التي قتل بها ما يزيد على 3000 امراة ورجل وطفل تحت قصف التحالف:

فاجعة الباغوز والمعادلة الصعبة:

“والحقيقة : أنه لاتعارض بين البراءة من الخوارج لإفسادهم للجهاد وقتلهم للمسلمين ، والبراءة من التحالف ألف مرة لكفرهم وحربهم لله ولرسوله وللمسلمين وقتلهم الأطفال والنساء بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ..”

قلت: تأمل كيف كان خطاب المحيسني صارما في قضية البراءة من التحالف ألف مرة “لكفرهم وحربهم لله ولرسوله” بنص كلامه، حتى مع البراءة من ما وصفهم “بالخوارج” بحسب كلامه. وبقي على موقفه حتى دخل النظام السوري الحالي بالتحالف الدولي فقال:

“‏( هام )

كثر الحديث حول انضمام الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش وهنا توضيح وقراءة شرعية وسياسية .. بادئ ذي بدء يقول الحق جل في علاه:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾

أكرمني الله أن أمضيتُ في ساحة الشام ثلاث عشرة سنة، عشتُ فيها حلوها ومرّها، سلمها وحربها، ورأيت فيها من عجائب القدر ما يصدق معه قول النبي ﷺ:«إن الإيمان إذا وقعت الفتن في الشام».

فما إن تطل فتنة حتى يطفئها الله، وما إن تشتعل نازلة حتى يُقدّر الله لها مخرجًا، ولعل من ذلك ما أُثير مؤخرًا حول مسألة انضمام الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. وهي من النوازل الكبار التي لا يُفتى فيها بالعاطفة أو الانفعال، بل تحتاج إلى تصوّر دقيق وموازنة علمية، لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره، ومن لم يُحِط بتفاصيل الأمر خفي عليه وجه الصواب.

وجوهر الاتفاق أنه تفاهم سياسيّ لا تحالف عسكريّ، وليس مشاركة في العمليات كما في “تحالف العزم الصلب”، بل هو اتفاق يهدف إلى تثبيت وحدة الدولة السورية ومنع تقسيمها، وسحب الشرعية من ميليشيا قسد، وتنظيم أي عمل أجنبي داخل الأراضي السورية عبر التنسيق مع الدولة الشرعية، وهو في حقيقته خطوة نحو استعادة السيادة والتمهيد لانسحاب أجنبي منظم.

إن التهديد الأخطر اليوم هو مشروع الانفصال الذي تتكئ فيه قسد على الحماية الدولية، وتستمد شرعيتها من ذريعة مكافحة داعش. وسحب هذه الورقة من يدها ضرورة لحفظ وحدة البلاد، ولن يتحقق ذلك إلا إذا أصبحت الدولة هي الطرف المعترف به دوليًا في هذا الملف.ثم إن التحالف الدولي قائم منذ عام 2014، يعم

ل داخل سوريا والعراق دون إذن من الدولة، مما جعل التنسيق معه أمرًا واقعًا بحكم الضرورة لا اختيارًا. ومن ثمّ، فإن تنظيم العلاقة قانونيًا وسياسيًا يخفف كثيرًا من الأضرار، ويمنع الانتهاكات العشوائية التي كانت تقع بلا علم الدولة، حيث يُعتقل أشخاص داخل أراضيها دون معرفة مصيرهم أو محاكمتهم.

أما من الناحية الشرعية، فإن الشرع لا ينظر إلى الصور المجردة بل إلى المآلات والنتائج. وكم من أمر بدا في ظاهره منعًا فإذا بتركه يؤدي إلى مفاسد أكبر، ولهذا قال العلماء: ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، بل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين. فلو كان الدخول في هذا التفاهم مباحًا وامتنع القائد تورّعًا، ثم ترتب على امتناعه انهيار الدولة أو تقوية الميليشيات أو تفكك الصف، لكان الامتناع تفريطًا لا ورعًا، لأن ترك المباح المؤدي إلى المفسدة الكبرى حرام في ميزان المآلات.

وقد أحسنت القيادة — وفّقها الله — إذ ردّت الأمر إلى أهل العلم والاختصاص، فاستفتت المجلس الأعلى الشرعي واستشارت نخبة من العلماء الذين نثق بدينهم وعلمهم، ولم يمنع أحد منهم الاتفاق بعد الاطلاع على تفاصيله، بل رأى بعضهم أن الدخول فيه واجب شرعًا إن كان الامتناع سيقوّي العدو ويضعف الدولة.

وخلاصة القول:

النظر لهذه المسألة لابد أن يستصحب النتائج المتوقعة من مثل هذا الدخول والعواقب حال عدم الدخول، ويمكن تلخيصها:

• إن عدم الدخول سيُمكّن قسد من رفع لواء قتال الدواعش!

• ولن يوقف عمليات التحالف داخل سوريا.

• وسيؤدي لإزهاق الأرواح نتيجة نقص المعلومات أو توسع التحالف منفردًا.

أما الدخول فيحقق مصالح كبرى:

• كف شر الدواعش عن المعصومين.

• بسط نفوذ الدولة وتثبيت مركزها.

• حفظ الدماء وتقليل الأذى.

وبناء عليه، فالقضية من باب تخفيف الضرر وتقليل المفاسد وتكثير المصالح، فالسياسة الشرعية في جوهرها رعاية شؤون الأمة بما يحقق مصالحها ويدرأ عنها المفاسد. فإذا كان الاتفاق يضمن وحدة البلاد، ويضعف الميليشيات، ويحد من التدخل الأجنبي، فهذه مصالح راجحة معتبرة شرعًا.

وأوصي في الختام إخواني المجاهدين وأبناء الثورة أن يلتفوا حول قيادتهم، ويحسنوا الظن بمن ولاه الله أمرهم، فقد خبرناهم في السلم والحرب، فما وجدنا إلا حرصًا على مصلحة البلاد والعباد. وكم من قرارٍ بدا شرًّا في ظاهره فإذا به يحمل في طيّاته خيرًا عظيمًا، وكم من موقفٍ شابه الغموض أول الأمر ثم بان أنه من تمام الحكمة وبعد النظر.”

ولنا وقفات مع هذا الكلام!

قال المحيسني:

“‏( هام )

كثر الحديث حول انضمام الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش وهنا توضيح وقراءة شرعية وسياسية .. بادئ ذي بدء يقول الحق جل في علاه:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾

أكرمني الله أن أمضيتُ في ساحة الشام ثلاث عشرة سنة، عشتُ فيها حلوها ومرّها، سلمها وحربها، ورأيت فيها من عجائب القدر ما يصدق معه قول النبي ﷺ:«إن الإيمان إذا وقعت الفتن في الشام».”

قلت: قد بدأ المحيسني –وكعادته– كلامه بمقدمة عاطفية يتحدث بها عن السنين التي أمضاها بالشام وقدم كلامه أولا بقوله تعالى:

«وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ» النساء 83

قلت: الآية التي قبلها تقول: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا»النساء 82

قال القرطبي رحمه الله: “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندٍ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كثيراً” أي تفاوتا وتناقضا عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. تفسير القرطبي.

قلت: هل العلماء الذين يستنبطون الأحكام ويوضحون دين الله للناس يخرجونه بهذا التفاوت والتناقض –حاشاه عن كل نقص–؟

أم أن الفتاوى المتناقضة التي أتيت بها في مسيرتك ليست من دين الله؟!

ثم أكمل بحديث: «إن الإيمان اذا وقعت الفتن بالشام».

والأصل بهذا الحديث أنه ضعيف وهو مرسل ولا يعرفه إلا أهل الشام وهناك من أهل العلم من ضعفه! ولو افترضنا صحته فهو ليس على إطلاقه فهناك من العلماء من جعله خاصة بآخر الزمان قال القرطبي رحمه الله في التذكرة: قال أبو محمد عبد الحق: هذا حديث صحيح، ولعل هذه الفتن هي التي تكون عند خروج الدجال، والله ورسوله أعلم. اهـ.

وايضا قبل بضع سنوات كان مسمى “جند الشام” يطلق على عساكر النصيرية –نظام بشار الأسد– فمن الذي يضمنه لثوار اليوم؟!!

وأكمل في الفقرة التالية:

“فما إن تطل فتنة حتى يطفئها الله، وما إن تشتعل نازلة حتى يُقدّر الله لها مخرجًا، ولعل من ذلك ما أُثير مؤخرًا حول مسألة انضمام الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. وهي من النوازل الكبار التي لا يُفتى فيها بالعاطفة أو الانفعال، بل تحتاج إلى تصوّر دقيق وموازنة علمية، لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره، ومن لم يُحِط بتفاصيل الأمر خفي عليه وجه الصواب.

وجوهر الاتفاق أنه تفاهم سياسيّ لا تحالف عسكريّ، وليس مشاركة في العمليات كما في “تحالف العزم الصلب”، بل هو اتفاق يهدف إلى تثبيت وحدة الدولة السورية ومنع تقسيمها، وسحب الشرعية من ميليشيا قسد، وتنظيم أي عمل أجنبي داخل الأراضي السورية عبر التنسيق مع الدولة الشرعية، وهو في حقيقته خطوة نحو استعادة السيادة والتمهيد لانسحاب أجنبي منظم.

قلت: سمه تحالفا استراتيجيا أو سياسيا فلن تغير الواقع فالتحالف هو التحالف.

ثم لماذا لم تعذر الدول العربية الأخرى المشاركة في التحالف ولكن عندما دخل النظام السوري به أصبح تفاهما سياسيا؟

ثم لماذا الضبابية في طرح المسألة؟ هل الحكومة السورية لم تدخل أصلا في التحالف المحارب لله ولرسوله حسب وصفك السابق، وإنما هي تفاهمات سياسية؟ أم أنها دخلت ولكن هذا جائز “للمصلحة”؟ هل هذا هو التصور الدقيق والموازنة العلمية؛ كلا بل هو الترقيع والتزوير!

يقول العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله: أما التعاون مع الإنجليز, بأي نوع من أنواع التعاون, قلّ أو كثر, فهو الردّة الجامحة, والكفر الصّراح, لا يقبل فيه اعتذار, ولا ينفع معه تأول, ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء, ولا سياسة خرقاء, ولا مجاملة هي النفاق, سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء. كلهم في الكفر والردة سواء, إلا من جهل وأخطأ, ثم استدرك أمره فتاب واخذ سبيل المؤمنين, فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم, إن أخلصوا من قلوبهم لله لا للسياسة ولا للناس.

قال: “إن التهديد الأخطر اليوم هو مشروع الانفصال الذي تتكئ فيه قسد على الحماية الدولية، وتستمد شرعيتها من ذريعة مكافحة داعش. وسحب هذه الورقة من يدها ضرورة لحفظ وحدة البلاد، ولن يتحقق ذلك إلا إذا أصبحت الدولة هي الطرف المعترف به دوليًا في هذا الملف.”

قلت: هل كان الهدف من “الثورة” إقامة جمهورية مدنية وأخذ الإعتراف الدولي؟

هل اصبح أخذ الشرعية الدولية مقدم على المحافظة على الإيمان؟ قال تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” وهل المحافظة على وحدة “الجمهورية السورية” أهم من المحافظة على الدين والإيمان؟. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

قال: “ثم إن التحالف الدولي قائم منذ عام 2014، يعمل داخل سوريا والعراق دون إذن من الدولة، مما جعل التنسيق معه أمرًا واقعًا بحكم الضرورة لا اختيارًا. ومن ثمّ، فإن تنظيم العلاقة قانونيًا وسياسيًا يخفف كثيرًا من الأضرار، ويمنع الانتهاكات العشوائية التي كانت تقع بلا علم الدولة، حيث يُعتقل أشخاص داخل أراضيها دون معرفة مصيرهم أو محاكمتهم.

قلت: لماذا لم يكن التنسيق مع التحالف أمرا واقعا في 2014 و 2015؟

هل لأن الشباب الذين غررتم بهم سيتركونكم فور وقوعكم بهذه “الردة” كما وصفتها يا محيسني؟

أم أن التنسيق معهم قائم منذ البداية، ولكن عن طريق “تكفير التحالف”ظاهرا والتعاون معهم باطنا للحفاظ على صف المقاتلين والظهور بصورة الخيار الجهادي المعتدل؟

وأما أن الدخول في التحالف يقلل من ضرره وينظم عمله فالقاعدة الشرعية تقول:

“إن الوسائل لها حكم المقاصد” فلا يصح فعل الحرام بحجة أن الغاية نبيلة! وهل تنظيم فعل الحرام يجعل منه مباحا؟

مثال: المعروف في الدول المدنية أن بيع الخمر ممنوع لمن هم دون سن الـ18 فهل سوف تأمر المسلمين بالعمل في هذه الخمارات لتقليل ضررها وتنظيمها وعدم بيعها “للأطفال” وإباحته للكبار!

قال: “أما من الناحية الشرعية، فإن الشرع لا ينظر إلى الصور المجردة بل إلى المآلات والنتائج. وكم من أمر بدا في ظاهره منعًا فإذا بتركه يؤدي إلى مفاسد أكبر، ولهذا قال العلماء: ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، بل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين. فلو كان الدخول في هذا التفاهم مباحًا وامتنع القائد تورّعًا، ثم ترتب على امتناعه انهيار الدولة أو تقوية الميليشيات أو تفكك الصف، لكان الامتناع تفريطًا لا ورعًا، لأن ترك المباح المؤدي إلى المفسدة الكبرى حرام في ميزان المآلات.”

قلت: لا شر أعظم من ضياع الدين. وهل الدخول في هذا “التفاهم” مباح عجيب!.

ثم لم نعلم بعد هل هو “تفاهم” أم موالاة للكافرين ولكنها جائزة بتأصيلها عند أهل العلم أين الاستنباط والتأصيل العلمي لا أراه!

قال: “وقد أحسنت القيادة — وفّقها الله — إذ ردّت الأمر إلى أهل العلم والاختصاص، فاستفتت المجلس الأعلى الشرعي واستشارت نخبة من العلماء الذين نثق بدينهم وعلمهم، ولم يمنع أحد منهم الاتفاق بعد الاطلاع على تفاصيله، بل رأى بعضهم أن الدخول فيه واجب شرعًا إن كان الامتناع سيقوّي العدو ويضعف الدولة.”

قلت: من هو “المجلس الأعلى الشرعي” ومن هم هؤلاء “العلماء” الذين استفتهم “الجمهورية السورية”؟

ونريد الإطلاع على الأدلة –من القرآن والسنة–التي جعلتهم يقولون أن الدخول “واجب شرعا”!

والحقيقة: أن الشرعيين القدامى لم يعد لهم قيمة بل مهتمهم الآن تقتصر على الترقيع–اختياري– فالجمهورية لم تعد بحاجة لكم الآن ولكن بعضكم لا زال متعلق ببعض الحبال بغية أن يصل لمكان. فالله المستعان

قال: “وخلاصة القول:

النظر لهذه المسألة لابد أن يستصحب النتائج المتوقعة من مثل هذا الدخول والعواقب حال عدم الدخول، ويمكن تلخيصها:

• إن عدم الدخول سيُمكّن قسد من رفع لواء قتال الدواعش!

•ولن يوقف عمليات التحالف داخل سوريا.

• وسيؤدي لإزهاق الأرواح نتيجة نقص المعلومات أو توسع التحالف منفردًا.”

قلت: مسألة قسد فـ”الجمهورية السورية” لن تفعل شيء سوى أن تأخذ مكان قسد في تنفيد الأوامر الأمريكية فمن مفسدة إلى مفسدة.

وأما قولك أن عدم الدخول لن يؤدي لتوقف عمليات التحالف يجاب عليه بأن الدخول أيضا لن يوقف عمليات التحالف، وحتى لو فرضت “الجمهورية” سيطرتها على كامل سوريا لن تتوقف عمليات التحالف لأن الجمهورية هي المنفذة لعمليات التحالف!!

وأما نقص الأرواح فهل الدخول بالتحالف يحفظ الأرواح. لا حول ولا قوة إلا بالله.

قال: “أما الدخول فيحقق مصالح كبرى:

• كف شر الدواعش عن المعصومين.

• بسط نفوذ الدولة وتثبيت مركزها.

• حفظ الدماء وتقليل الأذى.

وبناء عليه، فالقضية من باب تخفيف الضرر وتقليل المفاسد وتكثير المصالح، فالسياسة الشرعية في جوهرها رعاية شؤون الأمة بما يحقق مصالحها ويدرأ عنها المفاسد. فإذا كان الاتفاق يضمن وحدة البلاد، ويضعف الميليشيات، ويحد من التدخل الأجنبي، فهذه مصالح راجحة معتبرة شرعًا.”

قلت: هذه مصطلحات فضفاضة! فأين التصور الدقيق، والتأصيل العميق؟

يمكن لأي شخص أن يأتي ويقول:

إن عدم الدخول يحقق مصالح كبرى:

• بسط نفوذ الجمهورية على أراضي سوريا وإثبات قدرتها على إصلاح مشاكلها بنفسها.

• كف شر التحالف عن المعصومين من المسلمين

• حماية صف الجمهورية من الاختراق من الجهات الأجنبية.

هذه المصطلحات العامة يستطيع أي شخص أن يأتي بها.

ثم ما ضابط الدماء المعصومة عندكم؟ هل هي دماء التحالف الذي وصفتهم بـ”حرب الله ورسوله” سابقا؟ أم أنهم جنود النظام السوري الذين أنظموا لهذا الحلف المحارب “لله ورسوله” كما وصفه المحيسني القديم؟

وأما بسط نفوذ الجمهورية على الأراضي السورية فهذه مفسدة!! فإنها تكبح فرصة تقدمها إلى فلسطين وفتح بيت المقدس عن طريق تقييد الجمهورية بالحدود المصطنعة!، لحظة نسيت أنتم لا تملكون مشروعا إسلاميا! فهذه نعم في قاموس أهل الوطنية مصلحة.

قال: “وأوصي في الختام إخواني المجاهدين وأبناء الثورة أن يلتفوا حول قيادتهم، ويحسنوا الظن بمن ولاه الله أمرهم، فقد خبرناهم في السلم والحرب، فما وجدنا إلا حرصًا على مصلحة البلاد والعباد. وكم من قرارٍ بدا شرًّا في ظاهره فإذا به يحمل في طيّاته خيرًا عظيمًا، وكم من موقفٍ شابه الغموض أول الأمر ثم بان أنه من تمام الحكمة وبعد النظر”.

وكتبه عبدالله بن محمد المحيسني

قال المحيسني في كتاب الحلية صفحة 174 عام 2013:

“ثم أيها المجاهد ليكن منهجك وعقيدتك أن كل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فنحن معه، ونقاتل معه، وكل من خالف ذلك فإنا نتركه وننبذه وتخالفه، فلو أن قائداً في الشام اليوم أعلن نظام الديمقراطية تحت أي سبب أو عذر فإننا ننشق منه جميعاً، وتخالفه جميعاً، وننابذه العداء جميعاً، بذلك نكون قد قاتلنا لتكون كلمة الله هي العليا.”

موقف المحيسني من زيارة ماكرون

من رأى وتأمل تحولات المحيسني الكبرى لن يستغرب اختلاف موقفه اتجاه ماكرون بل حتى اتجاه من يجالس ماكرون!

قال المحيسني معلقا على زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لدول الخليج عام 2021:

“يالعار أمتنا ..‏هذا هو واقع أمتنا بلامكياج ولا تطبيل ..‏‌ ماكرون ⁩ حامل لواء الحرب على سيد البشرية ﷺ في أضعف حالاته وقبيل الانتخابات يزور حكام المسلمين ويبادلهم القبلات ويلتقط الصور ..اللهم نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا ..”

وقال معلقا على زيارة ماكرون لأكبر جامع في الجزائر:

“هذا هو ماكرون عدو الله والإسلام الذي تطاول على سيد الخلق النبي الأكرم ﷺ وسام المسلمين العذاب وأجبرهم على الردة عن دينهموكان يلمز الفرنسيين المسلمين من أصول جزائرية يتجول في الجامع الأكبر في الجزائر{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114]‏‌”

ولكن سرعان ما تغيرت موقفه بعد زيارة ماكرون الأخيرة لدمشق!
فقال في تغريدة عام 2026:

“أخي ورفيقي، ومن أحببته في الله، المجاهد فخامة الرئيس.
بلحيته، وثباته، وعزته، ووفائه، يجلس على سدة حكم بلاد الشام، فتتجه إليه أنظار الملوك والرؤساء من العرب والعجم، فلا يرون غلوًا ينفّر، ولا تمييعًا يفرغ الدين من روحه، وإنما يرون إسلامًا ثابتًا في أصوله، رحيمًا في أخلاقه.
فما أبصرت عيني منظرًا أبهى من رجلٍ يحمل دينه بعزة، ويدير دولته بحكمة.
يكسر الصورة النمطية التي ترسخت في أذهان كثيرين، بأن كل جهادٍ إرهاب، وأن طريق الجهاد لا يحمل مشروعًا لبناء الأوطان، وإنما لا ينتج إلا العواطف ومحارق الأجيال.
إنها رسالة تقول: إن الجهاد عبادة كسائر العبادات، له ضوابطه وأحكامه، فلا ينبغي أن تُخوَّف الأجيال منه لذاته، ولا أن يُحمَّل ما ليس منه.
فإذا طُبِّق بشروطه وضوابطه، بعيدًا عن الغلو والتفريط، أثمر عزةً وكرامةً للأمة. وإذا حُرِّف بالغلو، أو التكفير، أو التشويه، أضر ولم ينفع ..
فتأمل كيف كان لقاء ماكرون والترحيب به عار وخزية، وبعد أن فعله “فخامة الرئيس” أصبح دليلا على صحة المنهج وفقها وحكمة”

ولنا وقفة مع قوله:
“فخامة الرئيس. بلحيته، وثباته، وعزته، ووفائه، يجلس على سدة حكم بلاد الشام، فتتجه إليه أنظار الملوك والرؤساء من العرب والعجم، فلا يرون غلوًا ينفّر، ولا تمييعًا يفرغ الدين من روحه، وإنما يرون إسلامًا ثابتًا في أصوله، رحيمًا في أخلاقه.”

فيا للعجب!! هل اصبح رضى الكفار مقياسا لصحة أصول الإسلام وأخلاقه!!.

كذبت فقد قال تعالى:”وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ”
فهل أصبحت شروط المجتمع الدولي ضابطا للجهاد بين الغلو والتمييع؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

تبرير المحيسني لكلامه عن لقاء ماكرون

وجهت للمحيسني انتقادات عديدة بعد تغريدته الأخيرة عن زيارة ماكرون لسوريا فرد بتغريدة:

“هل نحب ماكرون؟

الجواب: لا، والله لا نحبه.

فهو رئيسٌ دافع عن حق الإساءة إلى نبينا محمد ﷺ باسم حرية التعبير، وتبنّى سياسات ضيّقت على المسلمين في بلاده، ومنعت النقاب في الأماكن العامة، ولا مجاملة في ذلك، ولا تغيرها زيارة، ولا صورة، ولا مصافحة.

ولكن…

نحب دمشق، ونحب أهلها، ونحب أن يرفع الله عنهم آثار الحرب، كيف وقد عشنا في كنفهم أكثر من عقد من الزمن ، نحب أن تُبنى ديارهم، ويعود مهجروهم، ويعمهم الأمن والإيمان، وأن تعود دمشق منارةً للحضارة والعلم والثقافة.

وطريق هذه المصالح قد يمر أحيانًا بالتعامل مع من لا نحبه، إذا كان في ذلك خيرٌ للمسلمين، ودفعٌ لمفسدة، من غير تنازل عن دين ولا مداهنة في الحق

فلم يقبّل عبد الله بن حذافة رضي الله عنه رأس ملك الروم لأنه يحبه، وإنما ليفك أسرى المسلمين.

ولم يكتب النبي ﷺ إلى هرقل يخاطبه بـ «عظيم الروم» لأنه يحبه، وإنما دعوةً إلى الإسلام وإقامةً للحجة.

ولم يكاتب صلاح الدين الأيوبي ريتشارد، وهو قائد جيشٍ يحارب المسلمين، ويرسل إليه طبيبه والفاكهة، لأنه يحبه، وإنما رعايةً لمصلحةٍ رآها للمسلمين.

فالشرع يفرّق بين المحبة ، وبين المعاملة والسياسة ، التي تحقق مصلحة راجحة للأمة. وليس كل لقاءٍ محبة، ولا كل مصافحةٍ موالاة، ولا كل علاقةٍ سياسيةٍ تنازلًا عن المبادئ.وليس حكم الرخاء كحكم الشدة ..”

قلت: أنتقلت رتبة ماكرون من “عدو الله والإسلام” و”حامل لواء الحرب على سيد البشرية” ﷺ إلى مجرد “رئيس دافع عن حق الإساءة إلى نبينا محمد ﷺ باسم حرية التعبير، وتبنّى سياسات ضيّقت على المسلمين”

وكأن ماكرون كان مجرد “حاضنة” لهذه الجرائم وليس مشاركا فيها فتأمل التدليس!

وأما مسألة المصلحة و”التعامل مع من لا نحبه” فإنها ليس بالطريقة التي عرضت! وأي تنازل عن الدين وثوابته أكبر من جعل معيار صحة الجهاد رضى ماكرون ؟؟

وأما بالنسبة للأدلة التي استدل بها:

أولا: قصة عبدالله بن حذافة رضي الله عنه مع ملك الروم حينما قبل رأسه.

قلت: لا أدري ما الرابط بين قصة عبدالله بن حذافة رضي الله عنه وزيارة ماكرون لسوريا!

فهل يقاس عبدالله بن حذافة رضي الله عنه الذي أظهر لملك الروم والشدة والبغض والتمسك بثوابت الدين والعزة باستقبال شاتم الرسول الكريم ﷺ بالتعظيم والإجلال والخضوع له؟.
وهل تقاس حالة فرد أسير مكره لا سلطان له ولا قوة على منهج تقام عليه دولة؟! فيا للعجب!.

ثانيا: مخاطبة النبي ﷺ لهرقل بـ”عظيم الروم”

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، فإذا فيه: “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت عليك إثم الأريسيين، {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}(آل عمران64)).

قلت: هذا الإستدلال باطل من عدة وجوه نذكر أهمها:

أولا: وصف النبي ﷺ نفسه في بداية الرسالة بأنه عبدالله ورسوله وهذا يجعل كل الألقاب ذليلة أمام قدر النبوة.

ثانيا: مخاطبة هرقل بـ”عظيم الروم” ليس رفعا له ولا استرضاء على حساب الدين بل هو وصف لمكانة هرقل بين الروم.

ثالثا: قياس هرقل على ماكرون قياس مع الفارق، فعندما أرسل النبي ﷺ رسالته إلى هرقل لم يكن هرقل وقتها حاملا للواء الحرب على الإسلام، بل كانت تلك أول رسالة تصله من الرسول الكريم ﷺ، على عكس ماكرون الذي شتم النبي ﷺ بأبي وأمي هو وحارب الإسلام بكل الطرق.
مالكم كيف تحكمون!

وأما قضية صلاح الدين الأيوبي وريتشارد فلا داعي لبسط النقاش بها، ففعل صلاح الدين ليس مصدرا للتشريع!
وصلاح الدين لم يعط ريتشارد الفاكهة تملقا له أو خضوعا فالحرب كانت قائمة بينهم وأراد تأليف قلبهم على الدين.

ختاما:

إن هذه التقلبات ليست وليدة اللحظة وإنما هي نتاج سنين من أمراض القلوب والتلبيس والتدليس على حساب دماء المسلمين، حتى فضح الله أمرهم.
الهدف من هذا المقال هو التحذير من فتنة التقلب والتبديل واسأل الله عز وجل أن يكون خالصا لوجهه الكريم مقربا إليه في جنات النعيم، وأن يكفينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يحفظ هذا الدين من تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين واللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *