«سنهاجم المسلمين».. شرطة بريطانية تلقت تحذيرًا قبل تحرك لليمين المتطرف في دوفر ولم تقيّمه بالكامل

Screenshot 2026 09 09 114931

كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن شرطة مقاطعة كِنت تلقت معلومات، في الليلة السابقة لتحرك منظم نفذه مئات من نشطاء اليمين المتطرف في مدينة دوفر، بشأن تجمع غير معتاد وتهديدات تتحدث عن الذهاب إلى المدينة لـ«مهاجمة المسلمين»، إلا أن الشرطة أقرت لاحقًا بأن تلك المعلومات لم تُقيّم بالكامل قبل وقوع التحرك.

ويثير الكشف الجديد تساؤلات بشأن تعامل السلطات البريطانية مع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بتحركات اليمين المتطرف، خصوصًا أن الشرطة وصفت ما جرى في البداية بأنه احتجاج «عفوي»، بينما تشير شهادات السكان وطبيعة التحرك إلى وجود استعداد مسبق وتنظيم بين المشاركين.

مئات الرجال يصلون إلى قرية صغيرة

بدأت القصة مساء الجمعة 4 سبتمبر/أيلول، أي قبل ساعات من إغلاق الطرق المؤدية إلى ميناء دوفر صباح اليوم التالي.

وبحسب تحقيق «الغارديان»، فوجئ سكان قرية بريستون-نكست-وينغهام، الواقعة في مقاطعة كِنت، بوصول أعداد كبيرة من الرجال إلى المنطقة.

وأثارت التحركات شكوك السكان، خصوصًا مع ما سمعوه من أحاديث بشأن خطط للذهاب إلى دوفر في اليوم التالي.

وقال سكان إنهم حاولوا تنبيه السلطات، بما في ذلك الشرطة، بعدما سمعوا تهديدات تتحدث عن التوجه إلى دوفر لـ«مهاجمة المسلمين».

وتؤكد «الغارديان» أن معلومات بشأن النشاط المشبوه وصلت بالفعل إلى شرطة كِنت باعتبارها معلومات غير طارئة.

وأقرت الشرطة لاحقًا بأن المعلومات التي تلقتها لم تخضع لتقييم كامل قبل أحداث صباح السبت.

الطرق إلى ميناء دوفر تُغلق

في صباح السبت 5 سبتمبر/أيلول، ظهر مئات الرجال، كثير منهم يرتدون ملابس سوداء وأقنعة تغطي وجوههم، في دوفر.

وتحرك المشاركون لإغلاق الطريق A20 المؤدي إلى الميناء، وربط بعضهم أذرعهم لتشكيل حاجز عبر الطريق، ما أدى إلى توقف حركة المرور وإغلاق الطرق في الاتجاهين.

ووفق هيئة الطرق الوطنية، وصلت التأخيرات إلى نحو 30 دقيقة، وامتدت طوابير المركبات لمسافة أربعة أميال.

وردد المشاركون شعارات مناهضة للهجرة، من بينها «أوقفوا القوارب»، فيما ظهرت على الأرض خارج منشأة تستخدم لمعالجة الوافدين إلى بريطانيا عبارة تتهم السلطات بأن «الدماء على أيديكم».

وأعلنت مجموعة «Patriot Platform» المناهضة للهجرة مسؤوليتها عن التحرك.

ويقود المجموعة دانيال توماس، المعروف باسم «داني تومو»، وهو ناشط من اليمين المتطرف تربطه صلة وثيقة بتومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون، أحد أبرز وجوه اليمين المتطرف والخطاب المناهض للإسلام في بريطانيا.

وكان توماس قد نشر قبل التحرك بأيام مقطعًا يخبر فيه متابعيه بأن مجموعته تستعد لإرسال «رسالة» إلى الحكومة، وتحدث عن تحركات أخرى يمكن أن تليها.

هل كان الاحتجاج «عفويًا»؟

رغم هذه المؤشرات، وصفت شرطة كِنت التحرك في البداية بأنه «احتجاج عفوي»، ولم تعتقل أحدًا خلاله. لكن هذه الرواية أثارت اعتراضات محلية.

فقد أظهرت المقاطع المنشورة رجالًا ملثمين يتحركون في مجموعات، بينما أفاد شهود باستخدام أجهزة اتصال لاسلكية للتنسيق بين المشاركين.

وقالت إحدى الشاهدات لـ«الغارديان» إنها رأت شخصًا يتابع نشاط الشرطة وينقل المعلومات إلى الآخرين، ووصفت ما شاهدته بأنه أقرب إلى عملية منظمة هدفها إظهار القوة والترهيب منه إلى احتجاج تقليدي.

كما اعترض النائب عن دوفر وديل، مايك تاب، على وصف التحرك بأنه عفوي، وقال إن ما حدث بدا منظمًا بوضوح، وطالب بمعرفة ما إذا كانت الشرطة قد أخفقت في التقاط معلومات استخباراتية كان ينبغي التعامل معها مسبقًا.

التحذير كان موجودًا

وهنا تكمن أهمية التحقيق الجديد الذي نشرته «الغارديان» في 8 سبتمبر/أيلول.

فالمسألة لم تعد مجرد سؤال عما إذا كان من الممكن للشرطة اكتشاف التحرك عبر مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، بل ظهرت معلومات تفيد بأن سكانًا حاولوا بالفعل تنبيه السلطات في الليلة السابقة.

وبحسب التحقيق، نُقلت معلومات عن تجمع مئات الرجال في القرية وعن أحاديث وتهديدات مرتبطة بالتوجه إلى دوفر و«مهاجمة المسلمين».

وأكدت شرطة كِنت أنها تلقت معلومات غير طارئة، لكنها أقرت بأنها لم تُقيّم بالكامل.

وهذا الاعتراف فتح باب التساؤلات حول ما إذا كان من الممكن الاستعداد بصورة أفضل للتحرك أو التدخل قبل أن يتمكن المشاركون من إغلاق طرق أحد أهم الموانئ البريطانية.

دوفر لم تكن النهاية

ازدادت خطورة القضية عندما شهدت مدينة بورتسموث، بعد يوم واحد، تحركًا آخر شارك فيه مئات الرجال، بعضهم يرتدي الأقنعة والملابس السوداء.

وحاول المشاركون منع نقل طالبي لجوء كانوا قد وصلوا إلى المدينة بعد إنقاذهم في البحر.

ووصفت الحكومة البريطانية سلوك المشاركين بأنه «بلطجي وترهيبي»، فيما استخدمت الشرطة الهراوات ورذاذ الفلفل خلال الاضطرابات التي أعقبت التجمع.

وكان دانيال توماس حاضرًا أيضًا في بورتسموث، وقال أمام الحشد إن ما جرى في دوفر كان بمثابة «تجربة أولية»، وهو ما عزز المخاوف من أن تكون التحركات جزءًا من نمط جديد تسعى مجموعات اليمين المتطرف إلى تكراره في مدن وموانئ أخرى.

الشرطة البريطانية تحت الضغط

بعد أحداث دوفر وبورتسموث، اتسع النقاش من أداء شرطة كِنت وحدها إلى قدرة أجهزة الشرطة البريطانية عمومًا على جمع المعلومات عن شبكات اليمين المتطرف الجديدة.

وبحسب «الغارديان»، طُلب من أجهزة الشرطة تحسين جمع المعلومات الاستخباراتية، بعدما أقرت قوات في كِنت وهامبشاير بوجود قصور في تقييم المعلومات المتعلقة بالتحركات الأخيرة.

وتستخدم هذه المجموعات شبكات التواصل الاجتماعي والمجموعات الخاصة وأجهزة الاتصال للتنسيق، كما يرتدي كثير من المشاركين الأقنعة، الأمر الذي يجعل مراقبة التحركات والاستعداد لها أكثر تعقيدًا.

وعزز المركز الوطني لتنسيق الشرطة مراقبته للتطورات وسط مخاوف من تكرار الاضطرابات.

المسلمون أمام موجة جديدة من خطاب اليمين المتطرف

ورغم أن التحرك في دوفر رُفع أساسًا تحت شعارات مناهضة للهجرة والقوارب التي تعبر بحر المانش، فإن الكشف عن التهديد المتعلق بـ«مهاجمة المسلمين» يضيف بعدًا مختلفًا للقضية.

فالخط الفاصل بين الخطاب المناهض للهجرة والخطاب المعادي للمسلمين أصبح أكثر حساسية في بريطانيا، خصوصًا مع وجود شخصيات وجماعات تنشط في المساحتين معًا.

وتأتي الأحداث في وقت تواجه فيه بريطانيا تحديًا متزايدًا مع قدرة مجموعات صغيرة نسبيًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لحشد أعداد كبيرة بسرعة، ثم نقل النشاط من مدينة إلى أخرى.

ولا تثبت المعلومات المتاحة حتى الآن أن المشاركين في دوفر كانوا جميعًا يخططون للاعتداء على المسلمين، كما لم يصدر حكم قضائي يثبت وجود مؤامرة بهذا المعنى.

لكن ما بات مؤكدًا هو أن الشرطة تلقت في الليلة السابقة معلومات بشأن تجمع غير معتاد، وأن السكان أبلغوا عن سماع تهديدات تتعلق بالمسلمين، ثم ظهر في صباح اليوم التالي مئات النشطاء الملثمين وأغلقوا الطرق المؤدية إلى ميناء دوفر.

ولهذا، فإن القضية لم تعد تتعلق فقط بتحرك لليمين المتطرف انتهى بعد ساعات، وإنما بسؤال أكثر أهمية: كيف وصل تحذير مسبق يحمل مضمونًا معاديًا للمسلمين إلى الشرطة، ثم لم يُقيّم بالكامل إلا بعدما وقع التحرك الذي كان السكان يحذرون منه؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *