ساكَو.. لماذا تتكرر الغارات على منشأة المياه؟ السؤال الغائب في القصف الأمريكي على جنوب الصومال

photo 2026 09 14 20 21 12 1

لم تكن الغارة الأخيرة على مدينة ساكَو في إقليم جوبا الوسطى في الصومال، مجرد خبر عابر عن ضربة جوية جديدة في حرب الولايات المتحدة ضد حركة الشباب المجاهدين؛ فاللافت هذه المرة أن روايات محلية تحدثت عن إصابة منشأة لتنقية المياه تابعة لشركة «دارور»، في منطقة تعتمد فيها شرائح من السكان على مرافق محدودة لتوفير مياه الشرب.

وبحسب إفادات محلية نقلتها وسائل إعلام من المنطقة، وقعت الغارة قرابة الثالثة فجرًا، وأصابت المنشأة بما يصل إلى ثلاثة صواريخ، من دون تسجيل خسائر بشرية وفق المعلومات المتاحة. وتقول المصادر نفسها إن المنشأة كانت قد تعرضت لأضرار في ضربات سابقة، وإن الغارة الأخيرة جاءت بعد استهدافات متكررة للموقع.

لكن هنا تبدأ القصة الأكثر تعقيدًا. فالقيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» أكدت في 14 سبتمبر/أيلول 2026 تنفيذ غارة جوية في محيط ساكَو استهدفت منشأة تابعة لحركة الشباب، بالتنسيق مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، لكنها لم تكشف طبيعة المنشأة المستهدفة ولم تقدم تفاصيل عن الخسائر أو الأضرار المدنية.

وفي المقابل، الصور التي وثقت خسائر القصف محليا وحجم الدمار المرافق، تؤكد أن الصواريخ الأمريكية أصابت منشأة لتنقية المياه تخدم السكان. ولم تقدم واشنطن، حتى الآن، تفسيرًا علنيًا يوضح لماذا تستهدف محطة المياه التي تخدم السكان في المنطقة؟

لماذا ساكَو تحديدًا؟

ساكَو ليست منطقة عادية في الحسابات العسكرية الأمريكية. فهي تقع في إقليم جوبا الوسطى الذي ظل، وفق تقييمات أمنية حديثة، من أهم مناطق نفوذ حركة الشباب المجاهدين.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت الحكومة الصومالية أن عملية مشتركة مع شركاء دوليين، بينهم الولايات المتحدة، استهدفت في ساكَو منشأة قالت إنها مصنع كبير لصناعة وتجهيز المتفجرات.

لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: إذا كانت هناك منشأة عسكرية فعلًا، فما الذي كان موجودًا في المكان الذي أصابته الصواريخ؟ فالصور توضح دمارا لحق بمنشأة للمياه.

photo 2026 09 14 20 22 31 1

إذا كانت المنشأة مدنية، فلماذا تُضرب؟

توثق الصور المتناقلة من مكان القصف آثار تدمير مصنع لتعبئة المياه. فكيف أصبحت المياه متفجرات؟

فهل تعمدت الولايات المتحدة قصف مصنع المياه للمرة الثالثة، بسبب خلل في المعلومات الاستخباراتية التي تجمعها أو لأنها بالفعل تريد أن تحرم السكان من خدمات المياه؟

وتزداد أهمية المسألة لأن المياه ليست منشأة مدنية عادية في القانون الدولي الإنساني الذي تحتكم له الدول التابعة لمنظومة الأمم المتحدة. فالقواعد التي يلخصها الصليب الأحمر الدولي تمنح منشآت مياه الشرب حماية خاصة باعتبارها من الأشياء الضرورية لبقاء السكان المدنيين، وتحظر استهدافها أو تدميرها أو جعلها غير صالحة للاستخدام بقصد حرمان المدنيين من احتياجاتهم الأساسية. كما أن الهجمات التي تستهدف أهدافًا عسكرية يجب أن تراعي التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية.

لماذا لا تعترف الولايات المتحدة بقصف محطة المياه؟

تشن الولايات المتحدة ضربات على أهداف معلنة على أنها انتصارات وإنجازات عسكرية، لكن التحقيقات الميدانية كثيرا ما أكدت أن الأهداف كانت مدنية بحتة. ومع ذلك فإن القيادة الأمريكية لا تعترف بأخطائها ولا تزال تنكر استهداف المدنيين. وتكتفي بصياغة بيانات تتحدث عن أهداف إرهابية.

وهذا يصنع فجوة كبيرة بين ما حدث على الأرض وما يُعترف به رسميًا.

فالجهة التي تنفذ الغارة تمتلك معلومات الاستهداف والاستخبارات وبيانات الطائرة والصور قبل الضربة وبعدها، بينما لا يمتلك السكان أو الصحفيون المحليون في كثير من الأحيان سوى آثار القصف وموقع الإصابة وشهادات الموجودين في المكان.

ومن هنا تأتي أهمية تتبع آثار القصوفات الأمريكية، لتبيّن مصداقية بياناتها التي أضحت محل نقد وشك كبيرين.

والأكثر إثارة للقلق: تكرار الاستهداف

photo 2026 09 14 20 22 18 1

تكررت رواية السكان بأن منشأة «دارور» للمياه قد تعرضت للقصف ثلاث مرات، ما يجعل القضية تتجاوز سؤال الغارة الأخيرة.

فإذا كانت المنشأة مدنية فعلًا، وتعرضت للمرة الثانية أو الثالثة للتدمير نتيجة غارات جوية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف أمكن تكرار إصابة الموقع نفسه من دون أن يؤدي ذلك إلى مراجعة واضحة لبيانات الاستهداف؟

أما إذا كانت المنشأة تُستخدم عسكريًا بالفعل، فمن حق الرأي العام أن يعرف لماذا لا يوجد أدلة توثق هذا الاستخدام العسكري في ثلاث مرات متتالية، وهل يعقل أن تكرر حركة تقاتل وفق تكتيك حرب العصابات استخدام موقع واحد لثلاث مرات متتالية بعد قصفه؟

هذه ليست أسئلة هامشية، لأن الضرر الذي يلحق بمحطة مياه لا ينتهي بانتهاء الغارة. فتعطل المضخات أو معدات التنقية قد يحرم السكان من المياه لفترة أطول بكثير من لحظة القصف، وقد يضطر السكان إلى الاعتماد على مصادر أقل أمانًا أو على نقل المياه لمسافات بعيدة.

هل الهدف هو الضغط على السكان؟

الرواية الأمريكية المعلنة عن الغارات هي مكافحة حركة الشباب وإضعاف قدراتها العسكرية. وفي سبتمبر/أيلول 2026 كثفت واشنطن عملياتها الجوية في الصومال؛ إذ أعلنت «أفريكوم» عدة ضربات خلال أيام متقاربة، بينما قدّرت تقارير صحفية عدد الضربات الأمريكية المعلنة في البلاد هذا العام بعشرات الضربات.

لكن استهداف منشآت مدنية لا يفسر الأهداف الأمريكية بالنسبة للسكان المحليين.

ولهذا فإن السؤال يطرح نفسه: «هل كانت واشنطن تريد الإضرار بالسكان؟».

فأكثر المتضررين في هذه القصوفات هم المدنيين في آخر المطاف.

الصمت الرسمي يزيد الشكوك

في الحروب، قد يكون الصمت مفهومًا في الساعات الأولى لأسباب عملياتية، لكن عندما يتعلق الأمر بمنشأة مدنية حيوية تعرضت، بحسب روايات محلية، لضربات متكررة، فإن استمرار غياب التفسير يصنع مساحة واسعة للتكهنات.

وكان بإمكان القيادة الأمريكية، على الأقل، أن توضح: هل محطة المياه كانت هي الهدف؟ وإذا لم تكن هي الهدف، لماذا تستهدف منشأة مدنية ثلاث مرات متكررة؟ فإعادة تشييد المنشأة بعد كل قصف يدل على حاجة السكان لها. فضلا عن كونه سيكون غبيًا جدا لجماعة مقاتلة أن تقيم نشاطا عسكريا في المكان المستهدف نفسه لثلاث مرات لو ناقشنا الرواية الأمريكية!

هذه المعلومات لا تكشف بالضرورة أسرارًا عسكرية، لكنها ضرورية لمنع أن تتحول الحرب على ما يسمى الإرهاب إلى حرب بلا شفافية أمام السكان الذين يعيشون في مناطق العمليات.

أن يعرف السكان أن منشأة المياه التي يعتمدون عليها قد دمرها القصف الأمريكي، بينما لا يعرفون لماذا استهدفت ودمرت ولا يجدون مقابل ذلك إلا بيانا بلغة إنشائية تتحدث عن قصف هدف للشباب، فهذه هي بالضبط الفجوة التي تجعل الحديث عن حماية المدنيين أقل من مجرد شعار وهي التي تغذي السخط الشعبي وحتى التجنيد ضد الولايات المتحدة ووكلائها.

وما لم تحترم القيادة الأمريكية حقوق المدنيين، فستستمر سياساتها اللامبالية في تغذية الصراع إلى أجل غير مسمى.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *