دخلت منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في مينداناو المسلمة، جنوبي الفلبين، مرحلة سياسية جديدة بعد إجراء أول انتخابات برلمانية منتظمة في تاريخ المنطقة، في خطوة تنقل مشروع الحكم الذاتي من الإدارة الانتقالية التي قادها قادة سابقون في جبهة تحرير مورو الإسلامية إلى برلمان منتخب يتولى اختيار رئيس حكومة المنطقة.
وأظهرت النتائج الأولية للانتخابات التي جرت في 14 سبتمبر/أيلول 2026، الموافق 3 ربيع الآخر 1448هـ، عدم حصول أي من القوى المتنافسة على أغلبية منفردة في البرلمان المكون من 80 مقعدًا، ما يفتح الباب أمام مفاوضات لتشكيل ائتلاف قادر على اختيار أول رئيس حكومة منتخب لبانغسامورو.
وبحسب النتائج التي أوردتها رويترز، حصل المعسكر المرتبط بعبد الرؤوف ماكواكوا، الرئيس الحالي للحكومة الانتقالية والقائد العسكري السابق في جبهة تحرير مورو الإسلامية، على نحو 35.2% من الأصوات، مقابل 32.4% للمعسكر المرتبط برئيس الجبهة الحاج مراد إبراهيم. وحصل «ائتلاف بانغسامورو الكبير» على نحو 20.5%، ما يجعله طرفًا مهمًا في مفاوضات تشكيل الأغلبية.
وتشير حصيلة أحدث أوردتها وكالة أسوشيتد برس إلى حصول حزب بانغسامورو الفيدرالي، الذي يقوده ماكواكوا، على 31 مقعدًا من أصل 80، مقابل 30 مقعدًا لحزب العدالة المتحد لبانغسامورو الذي يتزعمه الحاج مراد. ومن المقرر أن يتولى أعضاء البرلمان المنتخبون مهامهم في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ثم يختار البرلمان رئيس الحكومة من بين أعضائه.
من الكفاح المسلح إلى صندوق الاقتراع
وتحمل الانتخابات أهمية تتجاوز المنافسة بين الأحزاب، إذ تمثل محطة رئيسية في مسار سلام استمر أكثر من عقد بين الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الإسلامية، التي خاضت تمردًا مسلحًا طويلًا للمطالبة بحقوق مسلمي مورو وتقرير مصيرهم.
وفي عام 2014، توصلت الحكومة الفلبينية والجبهة إلى اتفاق سلام شامل تخلت بموجبه الجبهة عن مطلب إقامة دولة مستقلة، مقابل إنشاء منطقة تتمتع بحكم ذاتي وصلاحيات سياسية واقتصادية أوسع. وتُوج المسار بإقرار قانون بانغسامورو الأساسي عام 2018، ثم موافقة السكان في استفتاء عام 2019 على إنشاء منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في مينداناو المسلمة.
ومنذ ذلك الحين، تولت سلطة انتقالية إدارة المنطقة، وكان من المفترض أن تقود المرحلة في النهاية إلى انتخابات برلمانية مباشرة. ولذلك تمثل انتخابات سبتمبر/أيلول 2026 انتقالًا فعليًا من المؤسسات الانتقالية إلى حكومة إقليمية تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع.
وبانغسامورو هي المنطقة الوحيدة في الفلبين التي تعمل بنظام برلماني، ويبلغ عدد سكانها نحو 4.5 ملايين نسمة، معظمهم من المسلمين، بينما بلغ عدد المسجلين للمشاركة في الانتخابات نحو 2.4 مليون ناخب.
مشاركة واسعة رغم أعمال العنف

وشهدت الانتخابات إقبالًا كبيرًا؛ إذ أظهرت البيانات اللاحقة مشاركة نحو 84% من قرابة 2.4 مليون ناخب مسجل.
لكن الاقتراع لم يخلُ من أعمال عنف ومخالفات. وأفادت وكالة أسوشيتد برس بمقتل خمسة أشخاص في أعمال عنف مرتبطة بالانتخابات في العاصمة الإقليمية ومناطق أخرى، فيما دفعت مشكلات في بعض مراكز الاقتراع السلطات إلى تمديد التصويت.
وفي بلدة مالوسو بجزيرة باسيلان، اكتشفت السلطات بطاقات اقتراع جرى ملؤها مسبقًا، ما دفع لجنة الانتخابات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية وتمديد ساعات الاقتراع، فيما نشرت السلطات أكثر من 20 ألف عنصر من الشرطة والجيش لتأمين الانتخابات في أنحاء المنطقة.
ورغم الحوادث المتفرقة، وصفت السلطات العملية الانتخابية في مجملها بأنها جرت بصورة سلمية، ولم تعلن فشل الانتخابات في أي منطقة.
مقاتلون سابقون يصوتون للمرة الأولى
وحملت الانتخابات مشاهد رمزية تعكس التحول الذي شهدته بانغسامورو خلال السنوات الماضية.
ففي تقرير نشره المكتب الإعلامي الرسمي لحكومة بانغسامورو، الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026، الموافق 4 ربيع الآخر 1448هـ، روى المقاتل السابق مصطفى كريم أنه أدلى بصوته للمرة الأولى في حياته، بعدما أمضى سنوات ضمن الكفاح المسلح من أجل تقرير المصير، قبل أن يكون من بين عناصر القوات المسلحة الإسلامية لبانغسامورو الذين خضعوا لعملية نزع السلاح والتسريح ضمن اتفاق السلام.
وقال كريم إن مشاركته في الانتخابات تمثل بالنسبة إليه ثمرة لما ناضل من أجله سابقًا، معربًا عن أمله في أن تسهم الحكومة الجديدة في تحسين التعليم والصحة والاقتصاد وتحقيق السلام الذي انتظرته أجيال من سكان المنطقة.
وفي ماماسابانو، شارك المدرس الإسلامي سنداتوك سامود، البالغ 62 عامًا، في الانتخابات، وقال إن التصويت بالنسبة إليه يتجاوز مجرد أداء واجب مدني، بعد سنوات من الصراع من أجل السلام والحكم الذاتي. وأعرب عن أمله في أن تعطي الحكومة المنتخبة الأولوية للتعليم ومساعدة الفقراء وتحسين الرعاية الصحية وسبل العيش.
وهكذا تضع الانتخابات بانغسامورو أمام اختبار جديد: الانتقال من مرحلة اتفاقات السلام والإدارة الانتقالية إلى ممارسة الحكم الذاتي من خلال مؤسسات منتخبة، فيما ستحدد مفاوضات تشكيل الأغلبية خلال الأسابيع المقبلة شكل أول حكومة برلمانية منتخبة في المنطقة.
فهل سينجح التنازل عن الخيار العسكري .. واللجوء لصناديق الاقتراع في انتزاع سيادة المسلمين في الفلبين؟





اترك تعليقاً