يرسم تقرير تحليلي للصحفي البريطاني آندي وورثينغتون صورة قاتمة لمستقبل قطاع غزة، معتبرًا أن الخيارات المطروحة أمام الفلسطينيين لا تتجاوز مسارين كلاهما يكرس السيطرة الإسرائيلية؛ الأول يتمثل في استمرار الحرب والتجويع والانهيار الإنساني، والثاني يقوم على إنشاء مناطق مغلقة خاضعة للمراقبة الأمنية تحت مسمى “الملاجئ الإنسانية”، وهو ما يصفه التقرير بأنه نموذج لمعسكرات احتجاز حديثة.
أزمة إنسانية تتفاقم
يشير التقرير إلى أن سكان غزة ما زالوا يعيشون أزمة إنسانية حادة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي نص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا، وهو ما يقول الكاتب إن “إسرائيل” لم تلتزم به، الأمر الذي أدى إلى استمرار نقص الغذاء والمياه والوقود والأدوية.
ويستعرض التقرير بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تدير 116 مركز إيواء تؤوي نحو 76 ألف نازح، فيما تمكنت خلال النصف الثاني من يونيو من توزيع نحو 79 مليون لتر من المياه يوميًا لأكثر من 860 ألف شخص، إضافة إلى إزالة آلاف الأطنان من النفايات وتنفيذ أكثر من 1250 حملة تنظيف استفاد منها أكثر من 1.4 مليون نازح.
كما يؤكد التقرير أن الأونروا، التي يعمل فيها نحو 11 ألف موظف فلسطيني، تواجه قيودًا إسرائيلية تمنعها منذ مارس 2025 من إدخال المساعدات والكوادر الإنسانية مباشرة إلى القطاع، رغم احتفاظها بمخزونات غذائية وإغاثية خارج غزة تكفي مئات الآلاف من السكان.
انتشار الأمراض وانهيار الخدمات الصحية
وينقل التقرير عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن الاكتظاظ ونقص المياه والخدمات الطبية أدى إلى تفشي الأمراض المعدية، حيث سُجلت أكثر من 243 ألف مراجعة طبية خلال أسبوع واحد، وارتبط أكثر من خُمسها بأمراض معدية، في حين استمرت أمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية والأمراض المنقولة بالمياه في الارتفاع، إلى جانب تسجيل أكثر من 18 ألف إصابة بجدري الماء وأمراض جلدية أخرى.
كما يعاني نحو 350 ألف مريض بالأمراض المزمنة من اضطراب شديد في الخدمات الصحية بسبب نقص الأدوية والمعدات والوقود، الأمر الذي أثر على علاج مرضى السكري والسرطان وأمراض القلب والكلى.
أزمة الوقود تهدد المستشفيات
ويتناول التقرير تداعيات القيود المفروضة على الوقود، مشيرًا إلى أن تدمير نحو 90% من خطوط الكهرباء أجبر المستشفيات على الاعتماد على المولدات الكهربائية، إلا أن نقص الوقود والزيوت تسبب في تعطلها بشكل متكرر، ما انعكس على عمل أجهزة التنفس الصناعي وحاضنات الأطفال وغرف العمليات والعناية المركزة.
وينقل التقرير عن أطباء في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح أن الطواقم الطبية أصبحت تكافح لتقديم الخدمات الأساسية بسبب الانقطاعات المستمرة للكهرباء، محذرين من أن أي توقف في هذه الأقسام قد يهدد حياة المرضى، وخاصة الأطفال حديثي الولادة.
إسرائيل تسيطر على نحو 70% من غزة
ويؤكد التقرير أن “إسرائيل” واصلت توسيع سيطرتها الميدانية داخل القطاع، موضحًا أنه بعد اتفاق وقف إطلاق النار كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو نصف مساحة غزة، إلا أنها وسعت تلك السيطرة تدريجيًا حتى بلغت قرابة 70% من مساحة القطاع، من خلال إنشاء مناطق عسكرية جديدة.
وبحسب التقرير، فإن هذا التوسع أدى إلى وقف عمل منظمات الإغاثة في بعض المناطق، وإجبار سيارات الإسعاف على الحصول على موافقات إسرائيلية مسبقة للدخول، فيما يتحدث السكان عن قصف متكرر يدفعهم إلى البقاء داخل منازلهم خوفًا من الاستهداف.
خطة لإنشاء “مدينة إنسانية” في رفح
أحد أبرز محاور التقرير يتمثل في ما يصفه بخطة إسرائيلية لإنشاء مناطق مغلقة في رفح تحت اسم “مدينة إنسانية”، استنادًا إلى تقارير إعلامية إسرائيلية.
ووفقًا للتقرير، تقضي الخطة بنقل مئات آلاف الفلسطينيين إلى مجمعات سكنية مسبقة الصنع محاطة بالأسلاك الشائكة وتخضع لحراسة أمنية وقوات دولية، مع إخضاع الداخلين إليها لعمليات تدقيق أمني، ومنعهم من مغادرتها لاحقًا. ويشير الكاتب إلى أن الهدف الأولي يتمثل في نقل نحو 600 ألف فلسطيني، على أن يشمل المشروع لاحقًا جميع سكان القطاع.
ويرى التقرير أن هذه المناطق لن تكون مخصصة لإعادة إعمار غزة، إذ ستستقبل المساعدات والكرفانات فقط دون إدخال مواد البناء اللازمة لإعادة تشييد المدن المدمرة، بما يحولها إلى مجتمعات خاضعة للمراقبة الأمنية الدائمة.

خيار “معسكر الاعتقال” لمستقبل غزة: صورة نشرها الصحفي الفلسطيني تامر ناهد على موقع X في الأول من يوليو.
انتقادات قانونية
وينقل التقرير عن المحامي الإسرائيلي المختص بحقوق الإنسان مايكل سفارد وصفه لهذه الخطة بأنها قد ترقى إلى “جريمة ضد الإنسانية”، معتبرًا أنها تقوم عمليًا على نقل السكان قسرًا تمهيدًا لإخراجهم من قطاع غزة، حتى وإن جرى وصف ذلك رسميًا بأنه “هجرة طوعية”.
كما يشير إلى أن هيئة تعرف باسم “مجلس السلام” شنت حملة ضد وكالة الأونروا، معتبرة أنه “لا مكان لها في غزة الجديدة”، وهو ما قوبل بانتقادات من منظمة هيومن رايتس ووتش التي شددت على أن محكمة العدل الدولية أكدت التزام إسرائيل بالسماح للأونروا بمواصلة عملها الإنساني داخل القطاع.
حل حماس لجنتها الحكومية
ويتناول التقرير أيضًا إعلان المكتب الإعلامي الحكومي التابع لحركة حماس، في السادس من يوليو، حل لجنة الطوارئ الحكومية التي كانت تدير القطاع، تمهيدًا لنقل الصلاحيات إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة (NCAG)، وهي لجنة مدنية نصت عليها الترتيبات الخاصة بخطة السلام.
وأكد البيان أن جميع الترتيبات الفنية والإدارية الخاصة بعملية التسليم قد أُنجزت، داعيًا إلى السماح للجنة بدخول غزة لمباشرة مهامها، فيما رحب “مجلس السلام” بالإعلان بحذر، مؤكدًا أن تقييمه سيبقى مرتبطًا بالتنفيذ العملي، مع تمسكه بمبدأ “سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد”.
خلاصة التقرير
يخلص الكاتب إلى أن مستقبل غزة، وفق المعطيات الحالية، يدور بين استمرار الحرب والتجويع والتوسع العسكري الإسرائيلي، أو نقل السكان إلى مناطق مغلقة خاضعة لرقابة أمنية مشددة، معتبراً أن كلا الخيارين يتجاهل الحقوق السياسية والوطنية للفلسطينيين، ويهدد بإعادة تشكيل القطاع على أسس أمنية تفرضها ما يسمى “إسرائيل”، في ظل استمرار الخلاف حول نزع سلاح المقاومة ومستقبل الإدارة الفلسطينية للقطاع.






اترك تعليقاً