أظهرت النتائج الأولية لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي جرت في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، تحولًا واسعًا في اتجاهات الناخبين، إذ انتقلت ولايات اعتادت التصويت للجمهوريين إلى صف الديمقراطيين، بعد عامين من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وتشير الأرقام الواردة إلى أن الديمقراطيين حققوا مكاسب كبيرة في مجلسي الكونغرس وحكام الولايات، في نتيجة تعكس استياءً من ارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية، إلى جانب قضايا سياسية واجتماعية أخرى.
مكاسب ديمقراطية واسعة في الكونغرس والولايات
في مجلس النواب، حسم الديمقراطيون 228 مقعدًا وفق النتائج الأولية، وتقدموا في 34 مقعدًا إضافيًا، بما قد يرفع مجموعهم إلى أكثر من 260 مقعدًا. أما في مجلس الشيوخ، فبعد أن كان الجمهوريون يملكون 53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين، حصد الديمقراطيون 54 مقعدًا وتقدموا في مقعد آخر.
وامتدت المكاسب إلى انتخابات حكام الولايات. فبعد أن كان الجمهوريون يشغلون 26 منصبًا مقابل 24 للديمقراطيين، أظهرت النتائج تقدم الديمقراطيين بـ28 حاكمًا مقابل 20 جمهوريًا، مع بقاء ولايتين قيد الفرز وقت تسجيل النتائج. وإذا آلت الولايتان إلى الديمقراطيين، فقد ترتفع حصتهم إلى 30 حاكمًا.
وشملت التحولات ولايات ذات تاريخ جمهوري طويل. ففي كانساس، التي لم تنتخب ديمقراطيًا منذ عام 1932، فاز آدم هاملتون على الجمهوري روجر مارشال. وفي تكساس، التي ظلت خارج متناول الديمقراطيين منذ عام 1994، فاز جيمس تالاريكو بفارق واسع على المدعي العام المحافظ كين باكستون. وفي كارولاينا الجنوبية، التي فاز بها ترامب قبل عامين بفارق 18 نقطة، تغلبت آني أندروز على دارلينغ راهام، شقيقة السيناتور ليندسي غراهام، لتصبح أول ديمقراطية تفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 1998.
تكاليف المعيشة والاقتصاد في صدارة أسباب التحول
تُعزى النتائج، وفق المادة، إلى استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار. وأظهرت استطلاعات الرأي أن 76 في المئة من الأمريكيين يرون أن أداء ترامب الاقتصادي سيئ، فيما قال 57 في المئة من الجمهوريين إن الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من دخولهم.
ويُعزى ضغط الأسعار إلى عاملين رئيسيين. أولهما الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في أبريل/نيسان 2025 على واردات من معظم دول العالم، في خطوة وُصفت بأنها أكبر زيادة ضريبية في زمن السلم، وأدت إلى ارتفاع أسعار السلع على المستهلكين الأمريكيين. أما العامل الثاني فهو الحرب الأمريكية المشتركة مع إسرائيل على إيران، التي بلغت كلفتها على وزارة الدفاع الأمريكية 47 مليار دولار، وأسهمت في اضطراب إمدادات النفط العالمية.
وارتفع سعر البنزين في الولايات المتحدة من 82 سنتًا إلى 1.13 دولار للتر، فيما سجل الديزل مستويات قياسية. ودعا مرشحون جمهوريون مؤيدون لترامب إلى وقف الحرب، وحمّلوا وزير الدفاع بيت هيغسيث مسؤولية ما وصفوه بالكارثة. كما أثار قرار الحرب انتقادات بعد أن قُدّمت للرئيس، بحسب المادة، على أنها ستكون قصيرة وسهلة، قبل أن تتسع تداعياتها.
وكانت شعبية ترامب قد تراجعت إلى 31 في المئة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهو أدنى مستوى له في فترته الرئاسية الثانية. وقبيل الانتخابات، أعلنت الإدارة حزمة دعم للمزارعين بقيمة 15 مليار دولار. كما أبرمت صفقة لشراء الديزل من روسيا، وأعلنت تعليق العقوبات على الديزل الروسي حتى أبريل/نيسان 2027 في محاولة لخفض الأسعار.
جدل حول إجراءات الانتخابات ومشاركة الشباب
رافقت الحملة الانتخابية اتهامات للإدارة بمحاولات تضييق على العملية الانتخابية. فقد فُككت فرق لتأمين الانتخابات في وكالة الأمن السيبراني ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وأُقيل أعضاء لجنة المساعدة الانتخابية المستقلة. كما أثار ترامب جدلًا في يناير/كانون الثاني عندما تساءل عن جدوى إجراء انتخابات التجديد النصفي.
وفي أبريل/نيسان 2026، رفعت وزارة العدل قضايا على 30 ولاية للحصول على بيانات الناخبين. وفي سبتمبر/أيلول، طرق عملاء مسلحون من وزارة الأمن الداخلي أبوابًا للاستفسار عن مواقف السكان من التصويت. كذلك طالبت إدارة ترامب باستبعاد 20 ألف بطاقة اقتراع بريدية في كاليفورنيا، لكن المحكمة العليا رفضت الطلب في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني. ولم تنجح هذه التحركات في تغيير مسار الانتخابات.
وكان الشباب من بين الشرائح التي أسهمت في التحول. فقد أظهر استطلاع لجامعة هارفرد أن 9 في المئة فقط من الشباب الأمريكيين يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 91 في المئة يرون أنها تسير في الاتجاه الخاطئ.
تراجع نفوذ جماعات الضغط وقضايا الذكاء الاصطناعي
برزت كذلك مؤشرات على تراجع نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، التي جمعت 233 مليون دولار وضخت أكثر من 54 مليونًا في الانتخابات، بحسب الأرقام الواردة. لكن قضايا حرب غزة والحرب على إيران جعلت الارتباط بإيباك موضع حرج لعدد من المرشحين، بعدما كان دعمها يُعد ميزة انتخابية.
ومن القضايا التي جمعت ناخبين من اتجاهات سياسية مختلفة الاعتراض على التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وأفاد استطلاع بأن 56 في المئة من الناخبين اعتبروا ملف الذكاء الاصطناعي عاملًا مهمًا في تصويتهم، فيما عارض 70 في المئة بناء مراكز بيانات في مناطقهم. ويرتبط الاعتراض باستهلاك هذه المراكز كميات كبيرة من المياه والكهرباء، وما تسببه من تلوث، فضلًا عن عدم توفيرها فرص العمل التي وُعد بها السكان.
وزاد الاستياء في ولايات قدمت تسهيلات لمراكز البيانات على حساب المستهلكين، إذ يخشى السكان أن تؤدي الإعفاءات أو تخفيضات أسعار الكهرباء الممنوحة للمشروعات إلى تحميلهم كلفة إضافية.
خلاف ترامب مع البابا وأثره في الناخبين الكاثوليك
وشكل الخلاف بين ترامب والبابا ليو الرابع عشر عاملًا آخر في المشهد الانتخابي، ولا سيما بين الناخبين المتدينين. ففي السابع من أبريل/نيسان 2026، نشر ترامب تهديدًا لإيران قال فيه إن حضارة كاملة قد تموت تلك الليلة، وإن ذلك سيكون من أهم اللحظات في تاريخ العالم. ودعا البابا لاحقًا إلى السلام ووقف الحروب.
وفي 12 أبريل/نيسان، هاجم ترامب البابا، ووصفه بالضعف في مواجهة الجريمة والفشل في السياسة الخارجية، ودعاه إلى التركيز على دوره الديني بدلًا من السياسة. وبعد ساعات، نشر ترامب صورة لنفسه بهيئة المسيح، ما زاد حدة الانتقادات. وتقول المادة إن الخلاف أسهم في تحول أصوات كاثوليكية إلى الديمقراطيين، وإن البابا صوّت ضد ترامب، في سابقة تاريخية بحسب الرواية الواردة.
رد ترامب على النتائج وتداعيات السيطرة الديمقراطية
بعد ظهور النتائج، قال ترامب في مداخلة هاتفية على قناة فوكس نيوز إنه لم يكن على ورقة الاقتراع، وإن الجمهوريين كانوا سيحققون فوزًا ساحقًا لو كان مرشحًا بنفسه، رغم أنه كان قد دعا الناخبين سابقًا إلى التعامل مع الانتخابات كما لو كان اسمه مدرجًا فيها. وعندما سُئل عن الحرب على إيران، قال إن الناخبين يؤيدون ما فعلته إدارته، لكنهم لم يريدوا ارتفاع الأسعار عند محطات الوقود. ومع اتساع الهزيمة، أقر بالنتائج ولم يكرر مزاعمه المعتادة عن تزوير الانتخابات.
وتمنح سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس الحزب أدوات رقابية وتشريعية مهمة. فإلى جانب سن القوانين، يستطيع الكونغرس عقد جلسات رقابة واستدعاء مسؤولين ووثائق. ومع انتقال رئاسة اللجان، ومنها لجنة الرقابة، إلى الديمقراطيين، قد تتسع التحقيقات المتعلقة بترامب وعائلته ومصالحهما المالية.
وتشير الأرقام الواردة إلى أن ثروة ترامب ارتفعت بنحو 2.7 مليار دولار خلال العامين الماضيين، وأن حساباته الاستثمارية نفذت 28,700 صفقة في البورصة منذ عودته إلى البيت الأبيض، بينها صفقات في شركات تحصل على عقود حكومية. وبالمقارنة، نفذ جو بايدن عشر صفقات خلال وجوده في الحكم، وفق المادة. ويثير ذلك أسئلة عن تضارب المصالح، رغم أن القانون الفيدرالي الذي يمنع المسؤولين من التربح الشخصي لا ينطبق صراحة على الرئيس.
ومن الملفات التي قد تعود إلى الواجهة وثائق جيفري إبستين. فقد أفرجت وزارة العدل عن أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة، لكن أجزاء كبيرة منها كانت محجوبة. وبعد أن أمر قاضٍ بالكشف عن الأجزاء المحجوبة، طعنت الجهات المعنية في الحكم ولم يُستكمل الكشف، بحسب المادة. كما نُشر قبل الانتخابات تقرير يتضمن شهادات 11 امرأة، اتهمت خمس منهن ترامب مباشرة بالاعتداء عليهن في وجود إبستين.
مجلس الشيوخ والميزانية وسقف الدين
تؤثر خسارة الجمهوريين لمجلس الشيوخ أيضًا في قدرة ترامب على تثبيت التعيينات. فالمجلس يصادق على الوزراء والسفراء والقضاة الفيدراليين وقضاة المحكمة العليا. ومن المرجح أن يواجه مرشحو الرئيس اعتراضًا ديمقراطيًا، ما يحد من قدرته على ملء الشواغر. وإذا تقاعد أحد القضاة الجمهوريين في المحكمة العليا، فقد لا يتمكن ترامب من تعيين بديل من الاتجاه نفسه.
وفي ملف الإنفاق، أقر ترامب خلال العامين السابقين قانونًا ضريبيًا وإنفاقيًا كبيرًا لعام 2025 بأصوات الجمهوريين. أما مع انقسام السيطرة على الكونغرس، فلن تستطيع الحكومة الفيدرالية إنفاق الأموال من دون موافقة مجلسي النواب والشيوخ. وإذا رفض الديمقراطيون بنود الميزانية التي تقترحها الإدارة، فقد تدخل البلاد في إغلاق حكومي.
وتلوح كذلك أزمة سقف الدين في صيف 2027. ويقترب الدين العام الأمريكي، بحسب المادة، من 40 تريليون دولار، فيما يُتوقع أن تبلغ الحكومة الحد الأقصى المسموح به للاقتراض في ذلك الصيف. وقد يستخدم الديمقراطيون مفاوضات رفع السقف للضغط على ترامب، بما يضيف مواجهة مالية إلى الخلافات التشريعية والرقابية.
خيارات السياسة الخارجية في الفترة المتبقية
مع بقاء نحو 800 يوم على انتهاء ولايته، وعدم السماح له دستوريًا بالترشح لولاية ثالثة، قد يتجه ترامب إلى السياسة الخارجية لإظهار القدرة على التحرك، وفق تقديرات نقلتها المادة. وتشمل الاحتمالات المطروحة تصعيدًا تجاه كوبا عبر حصار بحري أو قطع إمدادات الوقود أو تنفيذ غارات بهدف تغيير النظام، على غرار العملية التي أفضت إلى الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ويتمثل الاحتمال الثاني في توسيع العمليات داخل المكسيك. وتربط المادة ذلك بتصنيف ست عصابات مكسيكية منظمات إرهابية في فبراير/شباط 2025، وبشن 35 ضربة جوية على قوارب تابعة لها في البحر، مع احتمال نقل الضربات إلى الأراضي المكسيكية.
أما الاحتمال الثالث، والأكثر خطورة، فهو تصعيد الحرب مع إيران عبر تدخل بري واحتلال جزيرة خرج، التي يمر عبرها معظم النفط الإيراني، ومحاولة فرض سيطرة عسكرية على مضيق هرمز. ويحذر الطرح من أن مثل هذه الخطوة قد توسع كلفة الحرب وتفاقم الأزمات التي تواجه الولايات المتحدة.
وتضع النتائج ترامب أمام مرحلة سياسية معقدة، تتداخل فيها الرقابة البرلمانية والتحقيقات المحتملة مع ملفات الميزانية والتعيينات وسقف الدين، فيما تعكس خسائر الجمهوريين استياءً اقتصاديًا وتحولات لدى الشباب والناخبين الكاثوليك، فضلًا عن قضايا الذكاء الاصطناعي ونفوذ جماعات الضغط. ويبقى اتجاه الإدارة في التعامل مع الكونغرس الجديد والسياسة الخارجية محددًا رئيسيًا لمسار الفترة المتبقية من ولايته.







