أصدرت شبكة مراقبي المواطنين الشباب في السودان (YCON)، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، دراسة إحصائية جديدة ترصد حوادث العنف والهجمات التي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال شهر سبتمبر الماضي، في محاولة لرسم صورة أوضح للتوزيع الجغرافي للعنف وتحديد الجهات المنسوب إليها ارتكاب الحوادث، وحجم الخسائر البشرية المرتبطة بها.

وتحمل الدراسة عنوان «حوادث العنف والسقوط الجماعي للضحايا في السودان خلال سبتمبر» (Violence and Mass Casualty Events in Sudan, September)، وتقدم بيانات إحصائية مجمّعة تصنّف الحوادث وفق طبيعتها، والجهات المتورطة فيها، ومواقع وقوعها، إلى جانب تسجيل أعداد القتلى والمصابين.

وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وما رافقها من اتساع رقعة العمليات العسكرية وتزايد المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، ولا سيما في المناطق التي تشهد مواجهات برية وهجمات بالطائرات المسيّرة.

كردفان ودارفور.. بؤر التصعيد العسكري

تأتي الدراسة في سياق شهر شهد تطورات عسكرية وأمنية متلاحقة، وفق التقرير الدوري المنفصل الذي أصدرته الشبكة عن سبتمبر 2026.

وأشار التقرير الدوري إلى استمرار المواجهات وتحرك خطوط القتال، خصوصًا في ولاية شمال كردفان، بالتزامن مع توسع استخدام الطائرات المسيّرة في عدد من الولايات السودانية.

ويبرز إقليم كردفان في هذه المتابعة بوصفه إحدى ساحات التصعيد العسكري، بينما ظل إقليم دارفور من المناطق المتأثرة بتداعيات الحرب والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.

غير أن تحديد الولايات التي شهدت أكبر عدد من حوادث القتل الجماعي، أو التي سجلت أعلى حصيلة للضحايا خلال سبتمبر، يتطلب الرجوع إلى الجداول التفصيلية للدراسة الإحصائية، ولا يمكن استخلاص هذا الترتيب من الملخص المنشور وحده.

تصنيف الحوادث والجهات المسؤولة

من الجوانب الأساسية في دراسة شبكة YCON أنها لا تقتصر على تسجيل أعداد القتلى والمصابين، بل تربط كل حادثة بمجموعة من المتغيرات، تشمل نوع العنف، ومكان وقوعه، والجهة المرتبطة به.

ويتيح هذا التصنيف، عند تحليل البيانات التفصيلية، التمييز بين المناطق التي تشهد حوادث متكررة والمناطق التي تتعرض لهجمات أقل عددًا ولكنها أشد فتكًا.

كما يساعد في دراسة أنماط العنف المنسوبة إلى أطراف النزاع المختلفة، بدلًا من الاكتفاء بحصيلة إجمالية للضحايا على مستوى السودان.

ومع ذلك، فإن نسبة أي حادثة إلى طرف محدد تظل بحاجة إلى تقييم الأدلة التي استند إليها الباحثون، والتمييز بين المسؤولية المثبتة والاتهامات التي لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.

اتساع استخدام المسيّرات ومخاطرها على المدنيين

يشير التقرير الدوري للشبكة عن سبتمبر إلى اتساع استخدام الطائرات المسيّرة في عدة ولايات سودانية، بالتوازي مع استمرار الاشتباكات البرية.

ويمثل هذا التطور أحد الجوانب المهمة لفهم تحول أنماط القتال، إذ يمكن للهجمات الجوية أن تطال مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، بما يزيد احتمالات تعرض السكان والمنشآت المدنية للخطر.

لكن تحديد الحصة التي تمثلها ضربات المسيّرات من إجمالي حوادث القتل الجماعي خلال سبتمبر، أو مقارنتها بحوادث القصف المدفعي والاشتباكات البرية، يحتاج إلى مراجعة التصنيف العددي الوارد في الدراسة الجديدة.

ماذا تكشف الإحصاءات عن واقع المدنيين؟

تساعد الدراسات التي تجمع بيانات الحوادث والضحايا في تجاوز القراءة العامة للحرب، من خلال إظهار الفوارق بين المناطق وأنماط الاستهداف ودرجات الخطورة.

فارتفاع عدد الحوادث في منطقة معينة لا يعني بالضرورة أنها سجلت العدد الأكبر من القتلى؛ فقد تتسبب حادثة واحدة في منطقة أخرى بسقوط ضحايا أكثر من حوادث متعددة.

ولهذا تبرز أهمية قراءة ثلاثة مؤشرات معًا: عدد الحوادث، وإجمالي القتلى والمصابين، ومتوسط الضحايا في الحادثة الواحدة.

كما أن الأرقام الموثقة لا تمثل بالضرورة الحصيلة الكاملة للخسائر البشرية، في ظل صعوبات الوصول إلى مناطق القتال، وتعطل وسائل الاتصال، وتراجع قدرة المؤسسات المحلية على تسجيل الضحايا والتحقق من مصير المفقودين.

وتظل هذه المحددات ضرورية عند استخدام البيانات في المقارنات الجغرافية أو تقييم حجم العنف الذي يتعرض له المدنيون.

توثيق الانتهاكات ومساءلة أطراف الحرب

تأتي دراسة شبكة مراقبي المواطنين الشباب ضمن جهود المجتمع المدني السوداني لرصد تداعيات الحرب وتوثيق أنماط العنف.

وتوفر البيانات المصنفة بحسب المكان والزمان والجهة المنسوب إليها الفعل مادة يمكن أن تساعد الباحثين والمنظمات الحقوقية على تحديد الحوادث التي تستحق مزيدًا من التحقيق، ومقارنة تطور العنف بين الفترات الزمنية المختلفة.

غير أن التوثيق الإحصائي وحده لا يكفي لإثبات المسؤولية الجنائية عن حادثة محددة، إذ يتطلب ذلك تحقيقًا مستقلًا في ملابسات الهجوم، وطبيعة الأهداف، وهوية الضحايا، والأدلة التي تربط المنفذين بالواقعة.

وتبقى حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإتاحة التحقيقات المستقلة، من القضايا الملحّة في ظل استمرار الصراع.

وتفتح الدراسة الجديدة الباب أمام أسئلة أساسية بشأن خريطة العنف في السودان: أين تتكرر الهجمات الأكثر دموية؟ وأي أنماط القتال تُوقع أكبر عدد من الضحايا؟ وما المناطق التي تتطلب تدخلًا عاجلًا لحماية السكان؟

وتزداد أهمية الإجابة عن هذه الأسئلة مع استمرار الحرب وتعدد جبهاتها، في وقت تظل فيه البيانات الدقيقة عن الضحايا إحدى الأدوات الضرورية لفهم حجم المأساة، وتوثيق الانتهاكات، ومنع اختزال الضحايا في أرقام مجهولة المصير.

المصدر : شبكة مراقبي المواطنين الشباب (YCON) – دراسة سبتمبر 2026، المنشورة في 30 أكتوبر