«حواضر الإسلام عبر التاريخ 7»: بغداد: عاصمة الخلافة العباسية وقلب العلم والحضارة

L32Loi HI BpKn SFqfKqplejKfvIY5LjndH3htLSaw1z0M2t1mv56XGc vIvkSGWy9EYlmYxRhuE2TGTKTQp2hXzXxHgFu W4ENiLGMrqXIUZOPCdjpXLCA9PeWfhMMukmtVJMtXCFDxiwEruVHbQ1p0y Nfkg5kJWJQ6XmZg ns32L bl

بعد مكة والمدينة والقدس ودمشق، ثم الكوفة والبصرة، تصل رحلة «حواضر الإسلام عبر التاريخ» إلى مدينة يصعب أن تكتمل صورة الحضارة الإسلامية من دونها.. بغداد.

لم تكن بغداد مجرد عاصمة للخلافة العباسية، بل أصبحت في أوجها واحدة من أعظم مدن العالم في العصور الوسطى، ومركزًا التقت فيه السياسة بالعلم، والتجارة بالترجمة، والفقه بالفلسفة، والطب بالرياضيات والفلك والأدب، وفيها ازدهرت صناعة الكتاب، وكثرت المكتبات ومجالس العلماء، وتحولت إلى نقطة جذب للعلماء والفقهاء والأطباء والمترجمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

ويشير متحف المتروبوليتان إلى أن بغداد وسامراء أصبحتا خلال القرون الثلاثة الأولى من العصر العباسي عاصمتين ثقافيتين وتجاريتين للعالم الإسلامي.

بغداد.. مدينة لم تكن موجودة حين بدأت الحكاية

على خلاف مكة والمدينة ودمشق والكوفة والبصرة، لم تكن بغداد مدينة قديمة سبقت الإسلام بقرون، وإنما كانت مدينة عباسية المنشأ.

اختار الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور موقعها على نهر دجلة، وبدأ بناء المدينة سنة 145هـ/762م، واتخذ لها اسم مدينة السلام، بينما عُرفت في المصادر باسم بغداد.

وكان اختيار الموقع بالغ الأهمية، فقد أراد المنصور مركزًا جديدًا للخلافة يكون قريبًا من طرق التجارة والأنهار، وقادرًا على إدارة دولة واسعة تمتد من المشرق إلى المغرب.

وبنيت المدينة الأولى بتخطيط دائري مميز، وأقيم في مركزها القصر العباسي والمسجد الجامع، وأصبحت المدينة خلال فترة قصيرة مركز الحكم العباسي.

nEZUFsFJqRymOmD9WgdJvGExxDfd02r5A3 FU8KH97 vBUX bxdsMOndR 9v9VC 2ZErNanmWGlwYg49BJ Bm5voGMhpg I1Uy0ct27Dzm XsjJPsOA9dY640mf3fJhq67uKXRCHiQXyOxLmCl6hplnwRfgyD TN Xqrby0FDyp0DvKoVBjG2ie dEF0
بغداد العباسية .. صورة تعبيرية للحاضرة في عصر ازدهارها

المنصور.. الخليفة الذي أسس عاصمة الإمبراطورية

لم يكن بناء بغداد مشروعًا عمرانيًا فقط، بل كان قرارًا سياسيًا يعكس انتقال مركز القوة الإسلامية من دمشق إلى العراق.

فبعد سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية في 132هـ/750م، احتاج العباسيون إلى مركز جديد يعبّر عن دولتهم ويكون أقرب إلى العراق وفارس وخراسان، وهي المناطق التي شكلت قاعدة مهمة لقوتهم.

اختار المنصور بغداد، وبدأت المدينة تكبر بسرعة، حتى تحولت من مشروع عاصمة إلى واحدة من أكبر مدن العالم.

وأصبح القصر والمسجد في قلب المدينة، بينما امتدت الأسواق والأحياء والمؤسسات حولهما، وتوسعت بغداد تدريجيًا خارج المدينة المدورة الأصلية.

عاصمة الخلافة.. وملتقى العالم الإسلامي

مع استقرار العباسيين في بغداد، بدأت المدينة تستقبل موجات من السكان والتجار والعلماء والموظفين والحرفيين.

وكان موقعها على دجلة عنصرًا أساسيًا في قوتها الاقتصادية، فالنهر ربطها بشبكة واسعة من المدن والمناطق الزراعية والتجارية في العراق، بينما جعلها موقعها بين طرق المشرق والمغرب محطة مهمة لحركة السلع والأشخاص.

وسرعان ما أصبحت بغداد مدينة عالمية بمعايير عصرها.. فيها العرب والفرس وغيرهم من سكان الدولة العباسية، وتلتقي فيها ثقافات متعددة.

ولذلك لم تكن عظمة بغداد ناتجة عن كونها مقر الخليفة فقط، بل عن كونها مدينة تجمع أطراف العالم الإسلامي في مكان واحد.

هارون الرشيد.. بغداد في ذروة المجد

بلغت بغداد مرحلة بارزة من الازدهار في عهد هارون الرشيد، الذي حكم بين 170هـ/786م و193هـ/809م.

وفي عهده أصبحت بغداد رمزًا للقوة العباسية، وازدهرت التجارة والصناعات والعلوم والآداب، وكانت بغداد في تلك المرحلة أيضًا مركزًا إداريًا واقتصاديًا وعلميًا بالغ التعقيد، تدير منه الخلافة دولة شاسعة.

ثم جاء المأمون، الذي ارتبط عهده بصورة أكثر وضوحًا بازدهار الترجمة والعلوم والفلك والفلسفة.

بيت الحكمة.. حين أصبحت الترجمة مشروعًا حضاريًا

ارتبط اسم بغداد ارتباطًا وثيقًا بما عُرف بـبيت الحكمة، الذي أصبح رمزًا لحركة الترجمة والبحث العلمي في العصر العباسي.

وفي بغداد تُرجمت أعمال من اليونانية والسريانية والفارسية وغيرها إلى العربية، وانتقلت علوم الرياضيات والفلك والطب والفلسفة إلى بيئة إسلامية أعادت قراءتها وتطويرها.

ومن المهم ألا نفهم هذه الحركة باعتبارها مجرد نقل للكتب، فقد كان العلماء المسلمون يتعاملون مع المعرفة المترجمة بالنقد والشرح والتصحيح والإضافة.

وفي بغداد ازدهرت علوم مثل الرياضيات والفلك والطب والكيمياء والفلسفة واللغة، وأصبحت المدينة أحد أهم مراكز البحث العلمي في العالم آنذاك.

ويشير متحف المتروبوليتان إلى أن بغداد كانت بين القرنين الثامن والعاشر مركزًا رئيسيًا لدراسة الفلك، خصوصًا في عهد المنصور والمأمون.

الخوارزمي.. عالم خرج من بغداد إلى العالم

ارتبطت بغداد بأحد أكثر علماء الحضارة الإسلامية تأثيرًا في تاريخ الرياضيات: محمد بن موسى الخوارزمي.

عاش الخوارزمي في العصر العباسي، وارتبط ببغداد وبالبيئة العلمية التي ازدهرت فيها، وأسهم في تطوير الرياضيات والفلك والجغرافيا.

ومن اسمه جاءت كلمة Algorithm في اللغات الأوروبية، بينما ارتبط كتابه في الحساب بمصطلح الجبر الذي أصبح اسمًا عالميًا لعلم الرياضيات.

وهنا يظهر أثر بغداد الحقيقي، فالمدينة لم تكن تحتفظ بالمعرفة لنفسها، وإنما خرجت منها علوم وأفكار انتقلت لاحقًا إلى العالم الإسلامي ثم إلى أوروبا.

بغداد والفقه السني

لم تكن بغداد مدينة علوم عقلية وترجمة فقط.. بل كانت أيضًا مركزًا بالغ الأهمية للعلوم الشرعية.

وعندما ضعفت السلطة السياسية للخلافة العباسية في القرون اللاحقة، بقي الخليفة العباسي في بغداد رمزًا مهمًا للسلطة الدينية والسياسية السنية.

وفي 1067م/459هـ تقريبًا تأسست المدرسة النظامية في بغداد على يد الوزير السلجوقي نظام الملك، وأصبحت واحدة من أشهر المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي.

ثم جاءت المدرسة المستنصرية التي أنشأها الخليفة المستنصر بالله، واكتمل بناؤها في 631هـ/1233م، وكانت مؤسسة تعليمية كبرى تدرّس المذاهب الفقهية السنية الأربعة. ويذكر متحف المتروبوليتان أنها كانت أول مؤسسة جامعية تجمع المذاهب السنية الأربعة في مؤسسة واحدة.

وهكذا حافظت بغداد على موقعها بوصفها إحدى أهم عواصم العلم السني.

H5DroFSjop L WlwGFWu8lxUlRo0uXMa1nZlUSHbiE3BSqd1rsnB9HUAHHaHL7 bgXIuXXebxACHDGBcvD13 XsejTAY837
المدرسة المستنصرية .. شاهدة على استمرار بغداد كمركز للعلوم الشرعية والتعليم حتى أواخر العصر العباسي.

بغداد.. مدينة الكتب والمكتبات

من أبرز مظاهر الحضارة البغدادية ازدهار الكتاب، حيث ساعد انتشار الورق في العصر العباسي على توسع عملية نسخ الكتب وتداولها، وأصبحت بغداد مركزًا لصناعة الكتاب والوراقة.

وكان العلماء يجتمعون في حلقات العلم، وتنتشر المكتبات الخاصة والعامة، وتتحول الكتب إلى جزء من الحياة الثقافية للمدينة.

وفي القرن السادس والسابع الهجريين ازدهرت بغداد في مجال إنتاج المخطوطات والفنون المرتبطة بالكتاب، حتى أصبحت مركزًا معروفًا للفنون الكتابية والتصوير والزخرفة.

بغداد.. حين جاء الخطر من الشرق

استمرت بغداد قرونًا طويلة، لكنها لم تكن محصنة من صراعات السلطة.

دخلت المدينة مراحل من الضعف السياسي، خصوصًا عندما أصبحت الخلافة العباسية تحت نفوذ قوى أخرى، مثل البويهيين ثم السلاجقة.

وفي 334هـ/945م دخل البويهيون بغداد، وكانوا من أتباع التوجه الشيعي، فأصبح نفوذهم السياسي قويًا، بينما بقي الخليفة العباسي السني قائمًا بوصفه رأسًا دينيًا ورمزيًا للخلافة.

ثم جاء السلاجقة في 447هـ/1055م وأنهوا السيطرة البويهية، وأعادوا حماية الخلافة العباسية السنية، بحسب التسلسل التاريخي الذي يوثقه متحف المتروبوليتان.

وهذه المرحلة تكشف أن بغداد لم تكن دائمًا عاصمة سياسية مطلقة، لكنها ظلت رمزًا للخلافة العباسية ومركزًا للعلم السني.

المغول.. اليوم الذي انطفأت فيه بغداد

جاءت الضربة الأكبر في 656هـ/1258م، فقد وصل جيش المغول بقيادة هولاكو إلى بغداد، وحاصر المدينة، ثم دخلها، وقُتل الخليفة العباسي المستعصم بالله، وانتهت بذلك الخلافة العباسية في بغداد بعد أكثر من خمسة قرون من تأسيسها.

وكان سقوط بغداد كارثة كبرى في تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فقد تعرضت المدينة للنهب والدمار، وضاعت أو تفرقت كميات هائلة من الكتب والمخطوطات.

ويعد متحف المتروبوليتان سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م نقطة أنهت الخلافة العباسية وفتحت فصلًا جديدًا في تاريخ العراق والعالم الإسلامي.

لكن سقوط المدينة لم يعنِ نهاية العلم الإسلامي؛ فقد انتقلت مراكز الثقل إلى مدن أخرى، وظلت بغداد تستعيد شيئًا من مكانتها في عصور لاحقة.

بغداد بعد العباسيين.. مدينة تنهض من الرماد

تعرضت بغداد بعد سقوطها لضربات متتالية، ودخلت تحت حكم المغول الإيلخانيين، ثم الجلائريين، ثم قوى أخرى.

وفي 803هـ/1401م دخلها تيمورلنك وأصابها دمار جديد، بعد أن كانت قد استعادت جانبًا من دورها الثقافي. وتشير المصادر إلى أن بغداد ظلت تتراجع سياسيًا، لكنها عادت في بعض المراحل لتكون مركزًا للفن والثقافة.

ومع ذلك بقي اسم بغداد حيًا، فالمدينة التي كانت في يوم من الأيام عاصمة الخلافة العباسية أصبحت رمزًا عالميًا للعلم والترجمة والكتاب والحضارة.

ومن البصرة والكوفة إلى بغداد، نرى انتقال العراق من مدن الفتوحات الأولى إلى عاصمة عالمية احتضنت أعظم حركة علمية وثقافية في العصر العباسي.

ولهذا فإن بغداد لا تستحق مكانها في خريطة «حواضر الإسلام عبر التاريخ» لأنها كانت عاصمة للخلافة فحسب، وإنما لأنها كانت المدينة التي جعلت العلم والترجمة والكتاب جزءًا من مشروع الدولة والحضارة.

ومن بغداد ستتجه الرحلة في الحلقات القادمة إلى حواضر أخرى، حيث ستتغير الجغرافيا، لكن سيبقى السؤال نفسه: كيف صنعت المدن الحضارة الإسلامية؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *