«حواضر الإسلام عبر التاريخ 23»: سرقسطة.. ثغر شمال الأندلس في مواجهة الصليبيين

eA w y7bRapnWZRGJiOVbTAKkxuy89lSJ5 VK0jg52W RMfsfLlw97fEgqj UtHrZR9GRXoazIq8pLYjlI JUSFsGeg0ks5O1aO6hjnan8ZlGdPD kzg5iZcoTT8AHSn WcVSTf

على ضفاف نهر إبرة، في قلب واديه الخصيب، قامت سرقسطة الإسلامية، أو «سرقسطة» كما عرفها المؤرخون والجغرافيون المسلمون، لتصبح واحدة من أهم حواضر الأندلس في شمالها الشرقي. ولم تكن المدينة مجرد محطة حدودية في مواجهة الممالك النصرانية، بل تحولت على امتداد أكثر من أربعة قرون إلى مركز سياسي وعسكري وتجاري وعلمي، ثم بلغت ذروة ازدهارها في عصر ملوك الطوائف، حين أصبحت دولة بني هود وقصر الجعفرية شاهدين على مرحلة لافتة من تاريخ الحضارة الإسلامية في الأندلس.

من المدينة الرومانية إلى سرقسطة الإسلامية

دخل المسلمون سرقسطة في أوائل القرن الثاني الهجري، وتحديدًا نحو 95هـ/714م، بعد انتقال الحكم الإسلامي إلى شمال شرقي شبه الجزيرة الإيبيرية. وتشير المصادر المحلية والتاريخية إلى أن المدينة لم تشهد مقاومة طويلة عند دخول المسلمين إليها، وأن المسلمين استفادوا من بنيتها الحضرية السابقة، ثم أعادوا تشكيلها وفق احتياجات المدينة الإسلامية من مسجد وأسواق وقلعة وأحياء سكنية.

وسرعان ما اكتسبت المدينة أهمية استثنائية بسبب موقعها على نهر إبرة، وقربها من طرق الاتصال بين وسط الأندلس وشمالها الشرقي. وأصبحت عاصمة لما عرف في التقسيم الإداري والعسكري الإسلامي بالثغر الأعلى، وهو المجال الحدودي الذي كانت تتقاطع فيه المصالح العسكرية والتجارية بين الدولة الإسلامية والممالك المسيحية في الشمال.

وكان موقعها يمنحها وظيفة مزدوجة: حماية الحدود الشمالية للأندلس، وفي الوقت نفسه إدارة شبكة واسعة من المدن والقلاع والقرى الواقعة في حوض إبرة.

سرقسطة في العصر الأموي

خلال العصر الأموي في الأندلس، ظلت سرقسطة مدينة ذات وزن سياسي وعسكري كبير، ولم يكن استقرار السلطة فيها دائمًا.. فقد شهد الثغر الأعلى صراعات محلية وتمردات، وكان موقعه الحدودي يجعل السيطرة عليه قضية استراتيجية بالنسبة للحكام الأمويين.

ومع تطور الإدارة الإسلامية، أصبحت سرقسطة مركزًا لإقليم واسع عُرف بكورة سرقسطة، وتصف المصادر الجغرافية الإسلامية نطاقًا واسعًا تابعًا لها، يضم مدنًا وحصونًا وقرى متعددة. وقد حفظت لنا مؤلفات الجغرافيين المسلمين معلومات مهمة عن أنهار المنطقة وطرقها وأسواقها وتقسيماتها الإدارية.

وهنا تظهر قيمة المصادر الجغرافية الأندلسية، وعلى رأسها أعمال العذري، الذي عاش في القرن الخامس الهجري واهتم بصورة خاصة بجغرافية الأندلس وأقاليمها، ومن بينها منطقة سرقسطة والثغر الأعلى. وقد أصبحت هذه الكتابات من المصادر المهمة لفهم البنية الإدارية والاقتصادية والعمرانية للأندلس الإسلامية.

من انهيار الخلافة إلى دولة بني هود

كان التحول الأكبر في تاريخ سرقسطة مرتبطًا بسقوط الخلافة الأموية في قرطبة في أوائل القرن الخامس الهجري، حين دخلت الأندلس عصر ملوك الطوائف.

وفي سرقسطة استقر حكم بني تجيب في المرحلة الأولى من دولة الطوائف، قبل أن تنتقل السلطة إلى بني هود سنة 431هـ/1039م تقريبًا، ومع صعود بني هود دخلت المدينة مرحلة جديدة من القوة السياسية والازدهار الثقافي.

وكان أبرز حكامها أحمد بن سليمان المقتدر بالله، الذي حكم سرقسطة من 438هـ/1046م إلى 474هـ/1081م تقريبًا، واستطاع توسيع نفوذ دولته وتعزيز مكانة المدينة في ميزان القوى الأندلسي.

وفي عهده شُيد قصر الجعفرية، الذي حمل اسم المقتدر، وأصبح أحد أبرز الشواهد الباقية على فن العمارة الإسلامية في عصر الطوائف. وتشير المصادر المتخصصة في تاريخ العمارة الإسلامية إلى أن القصر يعود إلى الفترة 437–473هـ/1046–1081م، وأنه يمثل واحدًا من أهم النماذج الباقية من عمارة قصور الطوائف.

eA w y7bRapnWZRGJiOVbTAKkxuy89lSJ5 VK0jg52W RMfsfLlw97fEgqj UtHrZR9GRXoazIq8pLYjlI JUSFsGeg0ks5O1aO6hjnan8ZlGdPD kzg5iZcoTT8AHSn WcVSTf
قصر الجعفرية .. أبرز شاهد باقٍ على ازدهار سرقسطة في عصر بني هود.

الجعفرية.. قصر العلم والسياسة

لم يكن قصر الجعفرية مجرد مقر للحكم، بل كان تعبيرًا عن المكانة التي أراد بنو هود أن يمنحوها لعاصمتهم.

وفي داخله اجتمعت العمارة والفن والسياسة والعلم. ويظهر ذلك بوضوح في الفناء المركزي، والأروقة المزخرفة، والأقواس المتداخلة، والزخارف الجصية، والمصلى الخاص بالحاكم، وقاعات الاستقبال.

وتكشف العمارة عن استمرار تأثير المدرسة الأموية في الأندلس، مع تطوير واضح لأساليب الزخرفة في عصر الطوائف. وتوضح الدراسات المعمارية أن الجعفرية استفادت من بعض عناصر العمارة الأموية في قرطبة والزهراء، ثم أعادت صياغتها في صورة جديدة تناسب الذوق السياسي والفني لعصر الطوائف.

ومن اللافت أن القصر الإسلامي لم يختفِ بعد سقوط سرقسطة، بل تعاقبت عليه مراحل تاريخية لاحقة، وبقي الجزء الإسلامي منه شاهدًا على المستوى الذي وصلت إليه العمارة في سرقسطة خلال القرن الخامس الهجري.

mjElg9Cg0RK13cvSe2WUQHmjSsAH2igXo hYwSTg4lXhT7SuQ4msuX05egVRcw8DBatiL8RdwzkVgmSOTBeglNi ySE7PLNerIDcRthqMI7A0kD8lzKGVuss9nQc2sGSN3cVQ9OColvB20nk 68MJH
فناء الجعفرية

سرقسطة.. حين جلس عالم رياضيات على العرش

من أكثر الشخصيات إثارة في تاريخ المدينة يوسف المؤتمن بن هود، الذي حكم سرقسطة بين 474هـ/1081م و478هـ/1085م.

كان المؤتمن حاكمًا وعالمًا في الوقت نفسه، وارتبط اسمه بكتاب «الاستكمال»، وهو مؤلف رياضي مهم يتناول مسائل في الهندسة والرياضيات، وتكشف الدراسات الحديثة عن قيمته في تاريخ الرياضيات العربية الإسلامية.

وقد وصفته دراسات تاريخية بأنه كان من أبرز رياضيي إسبانيا الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي، وأن كتابه يقدم دليلًا مهمًا على مكانة سرقسطة كمركز للبحث العلمي في عصره.

وهكذا لم تكن سرقسطة مدينة حدودية فحسب، فقد استطاعت في القرن الخامس الهجري أن تجمع بين القوة السياسية والحياة العلمية، وأن تجعل بلاطها مساحة التقاء بين الحكام والعلماء وأهل الأدب والفكر.

العذري.. ذاكرة الثغر الأعلى

ومن الأسماء العلمية المرتبطة بتاريخ سرقسطة أيضًا الجغرافي والمؤرخ أحمد بن عمر العذري، المتوفى سنة 478هـ/1085م.

وقد عاش العذري في مرحلة ازدهار الطوائف، وقدم في كتاباته مادة غنية عن جغرافية الأندلس وأقاليمها، بما يشمل النظم الإدارية والاقتصاد والطرق والمدن والحصون. وتكتسب كتاباته أهمية خاصة لأنها تساعد المؤرخ على إعادة رسم صورة الأندلس الإسلامية بعيدًا عن الاقتصار على أخبار العواصم الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية.

Odkh9qqbM2WoVX iaZEDilPv8kIbN5fNpJr6NwySxp9nE o7 v3EWDUVyWnHldRvXz5BVwMnU1pjSCyuZP3FfaaDyDFiyK2kMSLqu6rAQLmLByhgTKr8UZHlVxiKzyLWAZ0hpXA9v5LDiBllAEyfoKh4WeER 2 Vene1FOpEx4iOjG9Wqkrh7
الأقواس المتداخلة .. نموذج من العمارة الفنية لعصر الطوائف.

بين الممالك الصليبية والمرابطين

كان ازدهار سرقسطة السياسي محكومًا في الوقت نفسه بضغوط عسكرية متزايدة من الشمال.

وبعد سقوط طليطلة سنة 478هـ/1085م، تغير ميزان القوى في الأندلس بصورة واضحة، وأصبحت سرقسطة إحدى الجبهات المهمة في الصراع مع مملكة أراغون وغيرها من القوى الصليبية.

وفي مطلع القرن السادس الهجري دخلت الدولة المرابطية مرحلة جديدة من السيطرة على الطوائف، وانتهى حكم بني هود في سرقسطة بعد استيلاء المرابطين عليها سنة 503هـ/1110م تقريبًا. وظلت المدينة تحت الحكم الإسلامي إلى أن تمكن ألفونسو الأول ملك أراغون من الاستيلاء عليها في 512هـ/1118م. وتؤكد المصادر التاريخية الإسبانية أن الانتقال إلى الحكم الصليبي وقع سنة 1118م، بعد أكثر من أربعة قرون من الوجود الإسلامي المتصل في المدينة.

وكان سقوط سرقسطة حدثًا مهمًا في تاريخ الثغر الأعلى، لأنه أنهى مرحلة طويلة كانت المدينة خلالها إحدى ركائز الوجود الإسلامي في شمال شرقي الأندلس.

ما الذي بقي من سرقسطة الإسلامية؟

لم تنتهِ آثار سرقسطة الإسلامية بسقوطها، فلا تزال الجعفرية أبرز شاهد على عصر بني هود، بما تحمله من أفنية وأقواس وزخارف ومصلى وقاعات تعكس مستوى العمارة في القرن الخامس الهجري. كما بقيت أجزاء من التحصينات والآثار العمرانية التي تكشف عن تداخل المدينة الإسلامية مع البنية الحضرية الأقدم.

وتؤكد الدراسات الأثرية والمعمارية الحديثة أن سرقسطة شهدت تطورًا عمرانيًا وتقنيًا مهمًا خلال الفترة الإسلامية، وأن آثار البناء بالطوب والجص والزخارف الهندسية في المدينة ترتبط بصورة وثيقة بازدهارها خلال القرن الخامس الهجري.

i gJTI0PkyVPm4lqybofRzzW3I3HFtZnoQJQ1OhjbGf8hvPEvp 8L8DNqLu4CyeHJV6HLeWP9pWo7I3HlVbZjz7Ji1jRnImhYrdhUjSW3R7UXT4ADSfPSsXaSTnXmxehvEZm7O3boGWj6C75rUDjkdJ3qZIhUzBC0 OHGVTEQfPrfLgZLNxPQI
القاعة الذهبية .. من أهم الفراغات الاحتفالية في القصر الإسلامي.

واليوم تقف سرقسطة الحديثة فوق طبقات متراكمة من تاريخ طويل، لكن اسم «سرقسطة» الإسلامية يبقى مرتبطًا بمرحلة صنعت فيها المدينة موقعًا خاصًا داخل الحضارة الأندلسية: عاصمة للثغر الأعلى، ومركزًا للتجارة، وموطنًا للعلماء، ومسرحًا لصراع سياسي وعسكري طويل، وأحد أبرز المراكز التي أظهرت قدرة الحضارة الإسلامية في الأندلس على إنتاج العلم والفن والعمارة حتى في المدن الواقعة على خطوط التماس.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *