«حواضر الإسلام عبر التاريخ 15»: مراكش.. المدينة التي حكمت المغرب والأندلس من سفح الأطلس

Marrakech Koutoubia 1919

في جنوب المغرب، عند سفوح جبال الأطلس، ظهرت في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي مدينة لم تكن موجودة قبل ذلك بوقت طويل، لكنها خلال أجيال قليلة أصبحت عاصمة إمبراطورية امتدت عبر المغرب والأندلس.

إنها مراكش.. المدينة التي أسسها المرابطون، ثم جعلها الموحدون قلب دولتهم، ومنها حكموا مجالًا واسعًا امتد من الصحراء إلى البحر المتوسط، ومن المغرب إلى الأندلس.

ولهذا فإن قصة مراكش مختلفة عن فاس.

ففاس نشأت في بيئة حضرية وعلمية ارتبطت بالأدارسة والقرويين، أما مراكش فخرجت من بيئة الصحراء والقبائل والحركة المرابطية، ثم تحولت خلال عقود إلى عاصمة إمبراطورية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن مراكش تأسست بين 462هـ و464هـ/1070–1072م على يد المرابطين، ثم أصبحت مركزًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا رئيسيًا للعالم الإسلامي الغربي، امتد تأثيره من شمال إفريقيا إلى الأندلس.

images
مراكش

مدينة ولدت من حركة المرابطين

تختلف المصادر في تحديد السنة الدقيقة لبداية تأسيس مراكش؛ فالمصادر التاريخية تجعل البدايات في 454هـ/1062م، بينما تربط مصادر أخرى اكتمال النواة الأولى للمدينة بالسنوات 459هـ/1067م إلى 462هـ/1070م.

ويرتبط تأسيسها أولًا بالأمير أبي بكر بن عمر اللمتوني، ثم تولى يوسف بن تاشفين استكمال بناء المدينة وتطويرها، حتى أصبحت مقر الحكم المرابطي.

وتؤكد الموسوعة الإسلامية التركية أن أبا بكر بدأ إنشاء المدينة سنة 454هـ/1062م، ثم أكمل يوسف بن تاشفين جانبًا كبيرًا من المشروع بعد توليه إدارة المغرب.

ولم يكن اختيار الموقع صدفة، فمراكش تقع في سهل الحوز، بالقرب من طرق تربط الجنوب الصحراوي بالمغرب الشمالي، وعلى مسافة تسمح لها بالاتصال بطرق الأطلس والمغرب والأندلس. ولذلك أصبحت المدينة حلقة بين عالمين: عالم الصحراء الذي جاءت منه قوة المرابطين، وعالم المدن الشمالية الذي أرادوا السيطرة عليه.

وهنا بدأت خصوصية مراكش.

من معسكر إلى عاصمة

كانت مراكش في بدايتها أقرب إلى قاعدة للمرابطين منها إلى مدينة مكتملة العناصر، لكن الدولة كانت تتوسع، ومع اتساعها تغيرت وظيفة المدينة.

فالمرابطون لم يسيطروا على المغرب الأقصى فقط، بل دخلوا الأندلس، وأصبح يوسف بن تاشفين أحد أبرز حكام الغرب الإسلامي في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي.

وفي 479هـ/1086م عبر إلى الأندلس استجابة لطلب ملوك الطوائف، والتقى جيش ألفونسو السادس في معركة الزلاقة، التي انتهت بانتصار المرابطين.

ومنذ ذلك الوقت لم تعد مراكش عاصمة مغربية فقط، أصبحت مركز القرار لدولة تمتد على ضفتي البحر.

وتصف المصادر التاريخية هذه المرحلة بأنها اللحظة التي أصبحت فيها مراكش مركزًا سياسيًا وثقافيًا للعالم الإسلامي الغربي، مستفيدة من توسع المرابطين في المغرب والأندلس.

الذهب.. الشريان الذي ربط مراكش بإفريقيا

لكن القوة العسكرية وحدها لا تصنع عاصمة بهذا الحجم.. كانت هناك التجارة.

فمراكش استفادت من موقعها في شبكة الطرق التي تربط المغرب بالمناطق الصحراوية وإفريقيا جنوب الصحراء، وكان الذهب القادم من غرب إفريقيا أحد أهم عناصر الاقتصاد الذي غذى الدولة المرابطية والكيانات السياسية التي خلفتها.

ولهذا لم تكن الصحراء بالنسبة إلى مراكش فراغًا جغرافيًا، بل كانت طريقًا اقتصاديًا.

وكان التجار يعبرون الصحراء بالقوافل، فتصل السلع والذهب والملح ومنتجات مختلفة إلى أسواق المغرب، ثم تتحرك منها بضائع أخرى نحو الأندلس والبحر المتوسط.

وتشير الدراسات الحديثة عن مراكش المرابطية إلى أن تنظيم الأسواق لم يكن شأنًا اقتصاديًا فقط، فقد كان جزءًا من ممارسة السلطة وتطبيق الأحكام الفقهية في الحياة اليومية.

وتكشف فتاوى فقهاء مثل ابن رشد الجد عن قضايا الأسواق والمعاملات في مراكش، وعن المكانة الرمزية للعلم المالكي في تنظيم المدينة.

مراكش والمالكية.. حين صار العلم جزءًا من بناء الدولة

كانت الدولة المرابطية مرتبطة بقوة بالمذهب المالكي، ولم يكن هذا الارتباط مجرد موقف فقهي نظري.

فالعلماء كانوا جزءًا من الحياة السياسية والاجتماعية، وكانت الفتاوى والقضاء وتنظيم الأسواق والعلاقات التجارية مرتبطة بالمؤسسة العلمية.

ولهذا بدأت مراكش تتحول إلى مدينة لها سلطة علمية، إلى جانب سلطة السلطان، ثم جاء علي بن يوسف بن تاشفين، الذي واصل تطوير العاصمة، ومن أبرز آثار عهده قبة المرابطين، التي تعد من أهم البقايا المعمارية المرابطية في مراكش.

وتشير دراسة حديثة منشورة إلى أن القبة كانت في قلب المدينة المرابطية، وأنها ارتبطت بمشروع تطوير المياه والعمران في عهد علي بن يوسف، الذي سعى إلى تحويل مراكش إلى عاصمة إمبراطورية تضاهي حواضر الأندلس.

وهنا يظهر تحول مهم: المرابطون لم يعودوا يبنون معسكرًا، كانوا يبنون مدينة إمبراطورية.

719mLgCG43kNZrM58 lbe7IcnkpTp221Lz1ZKMwX6Y76f8ieNcIxe3SrduLRtk0Q2X4Bwva0Xlj604MGGtptulJHyuFI4P1OKB7MsmdsZxspHzXPWvwPOLPOorDZ8cXtwIMc
قبة المرابطين: من أندر الآثار الباقية من مراكش المرابطية، وتكشف عن مرحلة انتقال المدينة من قاعدة عسكرية إلى عاصمة إمبراطورية منظمة، ارتبط عمرانها أيضًا بمشروعات المياه.

الموحدون.. مراكش تبلغ ذروتها

في 541هـ/1147م سقطت مراكش في يد الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي، وانتهى الحكم المرابطي، لكن المفارقة أن الموحدين لم يتخلوا عن المدينة. بل جعلوها عاصمة إمبراطوريتهم.

وفي عهد الموحدين أصبحت مراكش واحدة من أعظم مدن الغرب الإسلامي، وتحولت إلى مركز سياسي وعسكري وفكري امتدت منه السلطة إلى المغرب والأندلس وإفريقية.

وشهدت المدينة توسعًا عمرانيًا ضخمًا، وبنيت الأسوار والأبواب والقصبة والحدائق والمنشآت المائية، وكانت الكُتبية أبرز رموز هذه المرحلة.

بدأ بناء المسجد في عهد عبد المؤمن بين 541هـ و553هـ/1147–1158م تقريبًا، ثم اكتمل وتطورت عناصره في عهد خلفائه. وأصبحت مئذنته التي يبلغ ارتفاعها نحو 77 مترًا رمزًا للمدينة وأحد أشهر نماذج العمارة الإسلامية في الغرب.

ولم تكن الكتبية مجرد مسجد جامع، كانت علامة على أن مراكش أصبحت عاصمة إمبراطورية ذات تصور عمراني متكامل.

ceilakeOfj0yzvaS8amOjqL sRknVRwZgXUjGaGE0eHrTy9Su3bpsh034iHL3frfH4s8nyl89oPiJFj8mJpjRllR8lJajRREkryRxY7fKowVmEv9YC S52JJl7U jo5DcBgNGsreL1gmpaiHadjcbVoBF PsdvbMMY5WZD3cGtETJtxn1r7JQarwtDJH3 O
جامع الكتبية: أبرز رموز مراكش الموحدية، ومئذنته الشامخة شاهد على المرحلة التي تحولت فيها المدينة إلى عاصمة لإمبراطورية امتدت في المغرب والأندلس.

يعقوب المنصور.. عاصمة في ذروة القوة

بلغت مراكش أوجها في عهد أبي يوسف يعقوب المنصور، حيث وسع الموحدون المدينة، وعززوا قصبتها، وأقاموا الأبواب والأسوار، وطوروا شبكات المياه والزراعة.

وكانت المنارة وأكدال من أبرز المشاريع المرتبطة بإدارة المياه والزراعة حول المدينة، بينما أنشئت القصبة في الجنوب لتكون مركزًا سلطانيًا وعسكريًا.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الموحدين أقاموا خلال هذه المرحلة أحياء جديدة، ووسعوا الأسوار، وحصنوا القصبة، وأنشأوا الأسواق والحدائق والمنشآت المائية، بما في ذلك شبكة الخطارات التي نقلت المياه إلى المدينة وبساتينها.

وهذا يكشف جانبًا كثيرًا ما يغيب عن سرد تاريخ المدن الإسلامية: العظمة العمرانية لم تكن مجرد قصور ومساجد؛ كانت أيضًا قدرة على توفير الماء والغذاء وتنظيم المجال الزراعي حول المدينة.

k2jCezBugr5BdcR7mOH1AjNtaylFj fUJg FgyECEVAQ24Bb7J7ykVRyuBis9oOk cH92G7pjYu6orBdD5 WoZfxI6WXsNek0KUsSTLzMgdQvRbnSbtGDmj3ZqibodFOzxrIu W5laYJN 58QckFM1suGyBiweyDRWE ahqB2WkIdglVK4Mm r04nfr6V jo
أسوار مراكش وباب أكناو: جزء من المنظومة الدفاعية التي اكتملت وتطورت في العهد الموحدي، حين توسعت المدينة وأضيفت إليها القصبة والأبواب والمنشآت السلطانية.

مراكش والأندلس.. عاصمة على ضفتي البحر

في العصر الموحدي أصبحت مراكش مرتبطة بالأندلس ارتباطًا وثيقًا، وكانت إشبيلية مركزًا ثانيًا مهمًا للإمبراطورية، وتبادلت المدينتان التأثيرات المعمارية والثقافية.

وتوضح دراسات العمارة الموحدية أن عناصر معمارية ظهرت في مراكش ثم انتقلت أو تشابهت مع نماذج في إشبيلية، ومن أشهرها نمط المآذن الذي يظهر في الكتبية والخيرالدا في إشبيلية وصومعة حسان في الرباط.

وهكذا أصبحت مراكش جزءًا من فضاء حضاري واحد، لا تفصل فيه مياه المضيق بين المغرب والأندلس بقدر ما تربط بينهما.

عندما انتقلت السلطة.. بقيت المدينة

سقطت مراكش أمام المرينيين سنة 668هـ/1269م، لكن المرينيين فضلوا فاس، فبدأت مراكش تفقد مركزها السياسي.

وهذه لحظة مهمة في تاريخ المدن: فقدان العاصمة لا يعني بالضرورة نهاية المدينة.

استمرت مراكش مركزًا دينيًا وتجاريًا، ثم عادت إلى الواجهة بقوة في العصر السعدي خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين/السادس عشر والسابع عشر الميلاديين.

وفي عهد السعديين شُيدت قبور السعديين، وقصر البديع، وأعيد ترميم عدد من منشآت المدينة، فعادت مراكش إلى دائرة المدن السلطانية الكبرى.

ثم جاء العلويون، وتغير مركز الحكم مرة أخرى، خصوصًا عندما فضل السلطان مولاي إسماعيل مكناس عاصمةً في مرحلة من حكمه، لكن مراكش ظلت مدينة ذات وزن سياسي وديني وعمراني.

مراكش.. مدينة تركت نموذجًا

أهمية مراكش في تاريخ الإسلام لا تختصر في أنها عاصمة للمرابطين والموحدين، فهي مدينة تكشف كيف يمكن لحركة دينية وعسكرية أن تؤسس عاصمة، وكيف يمكن لهذه العاصمة أن تتحول إلى مركز اقتصادي وعلمي وعمراني، ثم تصبح نموذجًا تتأثر به مدن أخرى.

وقد صنفت اليونسكو المدينة العتيقة لمراكش ضمن التراث العالمي سنة 1406هـ/1985م، باعتبارها نموذجًا مكتملًا لعاصمة إسلامية كبرى في غرب المتوسط، وما زالت تضم الأسوار والقصبة والكتبية والأسواق والحدائق والمدينة الحية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *