«حواضر الإسلام عبر التاريخ 11»: الإسكندرية.. من حصن بيزنطي إلى ثغر للإسلام على البحر المتوسط

قلعة قايتباي بمحافظة الاسكندرية scaled

قبل أن تصبح القاهرة عاصمة مصر، وقبل أن تُعرف الفسطاط بوصفها أول عاصمة إسلامية للبلاد، كانت الإسكندرية تقف على البحر المتوسط بوصفها واحدة من أعظم مدن العالم الإسلامي.

وحين وصل المسلمون إليها في القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، لم يدخلوا مدينة عادية.. كانوا أمام مركز سياسي واقتصادي وبحري وفكري له تاريخ طويل، وميناء يفتح مصر على البحر المتوسط والعالم البيزنطي.

لكن أهمية الإسكندرية في التاريخ الإسلامي لا تكمن فقط في أنها فُتحت على يد عمرو بن العاص، بل في السؤال الأعمق: كيف تحولت مدينة ذات تراث يوناني وروماني إلى ثغر إسلامي ظل قرونًا أحد أهم أبواب مصر على العالم؟

من مدينة المتوسط إلى ثغر الإسلام

بعد فتح مصر، توجه عمرو بن العاص نحو الإسكندرية، وانتهت المقاومة البيزنطية بسيطرة المسلمين عليها سنة 21هـ/642م تقريبًا، ولم يكن سقوط الإسكندرية نهاية للصراع.

ففي 25هـ/645م تقريبًا عادت قوة بيزنطية إلى المدينة واستولت عليها، قبل أن يعيد عمرو بن العاص فتحها سنة 26هـ/646م. ومنذ ذلك الحين استقر الحكم الإسلامي فيها، وإن ظلت طبيعتها البحرية تجعلها دائمًا مدينة معرضة للخطر القادم من البحر.

وهذه النقطة أساسية لفهم تاريخها: الإسكندرية لم تكن مدينة داخلية تتلقى الأحداث، بل مدينة على خط المواجهة مع العالم البيزنطي والمتوسطي.

cnnarabic 2020 09 06 images 164256
قلعة قايتباي بالإسكندرية

لماذا لم تصبح الإسكندرية عاصمة مصر؟

قد يبدو السؤال منطقيًا: إذا كانت الإسكندرية أغنى وأشهر من الفسطاط، فلماذا لم يجعلها عمرو بن العاص عاصمة مصر؟، ولكن الإجابة تكشف الفرق بين المدينة التجارية والعاصمة العسكرية.

كان المسلمون بحاجة إلى مركز أقرب إلى قلب البلاد، بعيدًا نسبيًا عن الهجمات البحرية، ومتصلاً بطرق الصعيد والدلتا؛ ولذلك نشأت الفسطاط في الداخل، أما الإسكندرية فاحتفظت بوظيفتها باعتبارها الثغر البحري الأكبر.

وبقيت المدينة مع ذلك ذات وزن سياسي وإداري كبير. ففي العصر الأموي اهتمت الدولة بأسطولها ومينائها، وتشير مصادر محلية إلى أن الإسكندرية أصبحت قاعدة بحرية مهمة، كما اتخذها بعض الولاة مركزًا لإدارة الشمال.

وهكذا ظهر تقسيم وظيفي بالغ الأهمية في مصر الإسلامية: الفسطاط قلب الإدارة والاقتصاد الداخلي، والإسكندرية عين مصر على المتوسط.

474453
الإسكندرية

الإسكندرية والثغر الذي يحمي مصر

كان البحر مصدر ثروة الإسكندرية، لكنه كان أيضًا مصدر الخطر، فقد واجهت المدينة محاولات بيزنطية متكررة لاستعادتها، كما أصبحت مراقبة البحر وبناء السفن والدفاع عن الساحل جزءًا من وظيفتها الإسلامية.

ومع مرور الزمن، تطورت الإسكندرية من مدينة موروثة من العهد البيزنطي إلى ثغر إسلامي له حاميته وأسواقه ومساجده ومؤسساته.

وتذكر المصادر أن المدينة احتفظت في بداية العهد الإسلامي ببنيتها الحضرية القديمة، بما فيها أحياؤها وأسوارها وصهاريج المياه وميناؤها، ثم بدأت العمارة الإسلامية تترك بصمتها عليها تدريجيًا، كما تصف المصادر تاريخية المدينة عند الفتح بأنها كانت مقسمة إلى مناطق تفصل بينها الأسوار، وكانت تضم شبكة متطورة من الصهاريج والممرات والأسواق.

وهنا لم يمحُ الإسلام المدينة القديمة، بل أعاد إدخالها في شبكة حضارية جديدة.

MIA Galleries 2022.10 G11 002 MQ.2e16d0ba.fill 1200x630 1
صورة من متحف الفن الإسلامي بالإسكندرية

من البحر جاء المال.. ومنه جاء العلم

لم تكن التجارة في الإسكندرية منفصلة عن المعرفة، فموقع المدينة جعلها نقطة اتصال بين مصر والمغرب وبلاد الشام والبحر المتوسط، ثم أصبحت في العصور الإسلامية جزءًا من حركة تجارية أوسع تربط المشرق بالغرب.

وفي العصر الفاطمي تحديدًا، ظهرت للإسكندرية وظيفة ثقافية مميزة؛ فدخول العلماء إليها من مناطق مختلفة جعلها نقطة التقاء بين مدارس العلم في المشرق والمغرب.

وتشير دراسة أكاديمية عن الإسكندرية الفاطمية إلى أن وصول أبي بكر الطرطوشي من الأندلس وأبي طاهر السلفي من المشرق في أوائل القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي أسس نواة لنشاط علمي سني واسع، وتحولت المدينة إلى نقطة تبادل للمعرفة بين شرق العالم الإسلامي وغربه، رغم وقوعها آنذاك تحت الحكم الفاطمي.

وهذه واحدة من أكثر الحقائق دلالة في تاريخ المدينة: كانت الإسكندرية قادرة على إنتاج الحياة العلمية حتى في ظل اختلاف البيئة السياسية والمذهبية الحاكمة.

السلفي.. شيخ الإسكندرية ومكتبتها الحية

يبرز من علماء الإسكندرية أبو طاهر السلفي، الذي أصبح من أعلام الحديث والرواية في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي.

لم تكن أهمية السلفي في علمه فقط، بل في شبكة الطلاب والرواة التي ارتبطت به، فقد أصبحت الإسكندرية بسببه محطة يقصدها طلاب الحديث من أنحاء العالم الإسلامي.

وهكذا انتقلت المدينة من كونها مركزًا للسلع القادمة عبر البحر إلى مركز تمر عبره أيضًا الأسانيد والكتب والروايات العلمية.

وبجانب السلفي، ارتبطت الإسكندرية بأبي بكر الطرطوشي، صاحب كتاب «سراج الملوك»، الذي جاء إليها من الأندلس واستقر بها حتى وفاته سنة 520هـ/1126م.

لقد أصبحت المدينة بذلك حلقة وصل بين الأندلس والمشرق، وهي وظيفة حضارية لا تقل أهمية عن وظيفتها التجارية.

من الفاطميين إلى الأيوبيين.. تبدل السلطة وبقاء المدينة

عندما انتهى الحكم الفاطمي سنة 567هـ/1171م، أصبحت مصر تحت الحكم الأيوبي، وتحولت القاهرة إلى مركز الثقل السياسي والعلمي السني.

لكن الإسكندرية لم تفقد مكانتها، بل ظل موقعها البحري مهمًا في الصراع مع القوى الصليبية، وأصبحت جزءًا من منظومة الدفاع عن مصر والساحل.

ومع الدولة المملوكية ازداد هذا الدور، خصوصًا بعد سقوط المراكز الصليبية الكبرى في بلاد الشام في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي؛ فقد أصبحت مصر والإسكندرية تحديدًا هدفًا استراتيجيًا للقوى البحرية المعادية.

وهنا ظهرت مفارقة تاريخية أخرى: كلما ازدادت قوة مصر، ازدادت قيمة الإسكندرية كهدف لضربها.

سنة 767هـ/1365م.. حين وصل الخطر إلى قلب الثغر

في 767هـ/1365م تعرضت الإسكندرية لأحد أعنف الأحداث في تاريخها الإسلامي، فقد هاجمتها حملة قادها ملك قبرص بطرس الأول، ونزلت القوات على المدينة وتمكنت من اختراق دفاعاتها ونهبها عدة أيام، قبل أن تنسحب حاملة أعدادًا كبيرة من الأسرى والغنائم.

وتسجل المصادر الإسلامية أن الهجوم كان كارثة على سكان المدينة، وأن أجزاء منها أُحرقت، واضطربت أحوالها الاقتصادية والاجتماعية بعد الحادثة.

ولم يكن الهجوم مجرد غارة عسكرية؛ فقد كان استهداف الإسكندرية يعني استهداف الشريان التجاري والبحري لمصر.

ولهذا جاءت إعادة بناء المدينة وترميم دفاعاتها جزءًا من رد الدولة المملوكية على الخطر البحري.

ماذا بقي من الإسكندرية الإسلامية؟

ربما تبدو الإسكندرية الحديثة مختلفة تمامًا عن مدينة القرون الإسلامية الأولى.. فالميناء تغير، والعمران القديم اختفى جزء كبير منه، وتداخلت طبقات المدينة الحديثة مع آثار العصور السابقة.

لكن ذاكرة المدينة الإسلامية ما زالت حاضرة في قلعة قايتباي، والمساجد والأوقاف، والميناء، والطرق القديمة، وفي طبقات المدينة التي حفظت قصة انتقالها من عالم بيزنطي إلى عالم إسلامي.

أما منارة الإسكندرية القديمة، فقد غابت، لكن موقعها ارتبط لاحقًا بقلعة قايتباي التي أقيمت في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي على منطقة الفنار القديم، فأصبح المكان نفسه شاهدًا على انتقال وظيفة الثغر من عصر إلى عصر.

29092017 070122 0 620x330 1
منارة الإسكندرية

كانت هذه الحلقة الحادية عشر من سلسلة حواضر الإسلام عبر التاريخ.. حلقة عن الإسكندرية، ثغر مصر الأكبر على البحر المتوسط، وبوابة التجارة بين العالم الإسلامي والغرب، وحصن مصر البحري، وملتقى علماء المشرق والمغرب، ومدينة ظلت تؤدي دورًا استراتيجيًا في الدفاع والتجارة والعلم منذ الفتح الإسلامي وحتى العصور المملوكية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *