في خطوة تعدّ من أبرز التحولات التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، في 25 أغسطس/آب، حلّ نفسها رسميًا كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال عملية دمج عناصرها ضمن الجيش السوري.
الإعلان جاء على لسان قائد «قسد» مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق، حيث قال إن مهمة القوات انتهت مع دخول البلاد مرحلة جديدة، معلنًا الانتقال «من ميادين القتال إلى ميادين البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام». وأكدت الحكومة السورية أن عناصر «قسد» جرى دمجهم ضمن ألوية الجيش، في خطوة تعزز سلطة الدولة على مناطق ظلت لسنوات خارج سيطرتها العسكرية المباشرة.
لكن حلّ «قسد» كتنظيم مستقل لا يعني بالضرورة أن عملية توحيد المؤسسة العسكرية السورية قد اكتملت بكل تفاصيلها؛ فالمرحلة الأكثر تعقيدًا قد تبدأ بعد الإعلان الرسمي، مع انتقال آلاف المقاتلين من بنية عسكرية وأمنية مستقلة امتدت لأكثر من عقد إلى منظومة قيادة مركزية تتبع دمشق.
من سلطة مستقلة إلى مؤسسات الدولة
ظهرت «قسد» عام 2015، وشكلت خلال السنوات التالية القوة العسكرية الرئيسية في شمال شرقي سوريا، مستفيدة من الدعم الأميركي في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». ومع اتساع مناطق سيطرتها، نشأت في مناطق نفوذها مؤسسات عسكرية وأمنية وإدارية منفصلة عمليًا عن مؤسسات الدولة السورية.
وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، برز ملف شمال شرقي سوريا باعتباره أحد أكبر التحديات أمام السلطة الجديدة في دمشق. وفي 10 مارس/آذار 2025 وقّع الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي اتفاقًا يمهّد لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن الدولة السورية. إلا أن التنفيذ شهد تعثرًا وخلافات استمرت أشهرًا.
وتغير ميزان القوى بصورة أكبر مطلع عام 2026، حين تقدمت قوات الحكومة في مناطق كانت خاضعة لـ«قسد»، قبل التوصل في 18 يناير/كانون الثاني إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل. ونص الاتفاق على إعادة مؤسسات ومرافق رئيسية في الرقة ودير الزور إلى إدارة الدولة، ودمج القوات والمؤسسات الأمنية والإدارية، إلى جانب نقل السيطرة على عدد من الموارد والمعابر والمنشآت الاستراتيجية إلى دمشق.
وفي الأشهر التالية نُفذت عملية الدمج تدريجيًا، قبل أن يصل المسار إلى نهايته الرسمية بإعلان حلّ «قسد» في أغسطس/آب. وتقول وكالة «سانا» إن العملية امتدت نحو 17 شهرًا منذ الاتفاق الأول في مارس/آذار 2025 وحتى إعلان الحل.
مكسب كبير لدمشق
بالنسبة للحكومة السورية، يمثل حلّ «قسد» إنجازًا مهمًا في مساعي إعادة توحيد البلاد؛ إذ كانت القوة الأكبر والأكثر تنظيمًا خارج سلطة وزارة الدفاع.
فانتهاء وجود جيش مستقل في شمال شرقي سوريا يفتح الطريق أمام توحيد السيطرة الرسمية على الحدود والمنشآت والموارد ومراكز القوة العسكرية، وينهي عمليًا أحد أبرز أشكال ازدواجية السلطة التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
كما أن الخطوة جاءت بعد تغير واضح في الموقف الأميركي. فقد كانت «قسد» لسنوات الشريك العسكري الأبرز لواشنطن في مواجهة تنظيم الدولة، لكن العلاقات المتنامية بين الولايات المتحدة والحكومة الجديدة في دمشق أضعفت ورقة الحماية التي تمتعت بها القوات الكردية سابقًا، وأعادت تشكيل ميزان القوة في المفاوضات. ووصفت واشنطن الاندماج بأنه محطة مهمة في مسار توحيد سوريا.
ورحبت تركيا أيضًا بحلّ «قسد»، معتبرة أنه يعزز وحدة سوريا، في ظل موقف أنقرة المعارض منذ سنوات للبنية العسكرية الكردية في شمال شرقي البلاد.
هل انتهت الازدواجية العسكرية فعلًا؟
رغم ذلك، تبقى أسئلة مهمة بلا إجابات نهائية، وعلى رأسها: من سيقود المقاتلين الذين كانوا ضمن «قسد»؟ وأين سينتشرون؟ وهل ستكون تبعيتهم مباشرة للقيادة المركزية في دمشق أم ستبقى بعض هياكل القيادة المحلية قائمة داخل الألوية الجديدة؟
وبحسب محللين تحدثوا للجزيرة، فإن الدمج الرسمي اكتمل، لكن إنشاء «ثقافة عسكرية موحدة» وسلسلة قيادة واحدة يحتاج إلى وقت أطول. كما لا تزال هناك نقاشات حول توزيع المقاتلين وأدوارهم ومواقع انتشارهم داخل الجيش السوري.
وهذا فارق أساسي؛ فحل اسم تنظيم عسكري لا يكفي وحده لإنهاء بنيته السابقة. نجاح العملية سيقاس بمدى قدرة وزارة الدفاع على إنشاء قيادة واحدة وعقيدة عسكرية مشتركة، ومنع ظهور وحدات تتحرك فعليًا وفق ولاءات أو هياكل مستقلة داخل المؤسسة الجديدة.
كما يجري دمج قوات الأمن الداخلي المرتبطة سابقًا بـ«قسد»، المعروفة باسم «الأسايش»، في وزارة الداخلية، بينما تنتقل المؤسسات المدنية والموظفون إلى الوزارات السورية المختصة.
عقدة المقاتلات الكرديات
ومن الملفات التي لم تُحسم بصورة كاملة مستقبل «وحدات حماية المرأة» (YPJ)، التي شكلت جناحًا نسائيًا مسلحًا بارزًا ضمن البنية العسكرية الكردية.
وبحسب الجزيرة، كانت هذه الوحدات تطالب بالاندماج في وزارة الدفاع بصفتها قوة عسكرية شاركت في الحرب ضد تنظيم الدولة، بينما طرحت دمشق دمجها ضمن وزارة الداخلية، في حين اقترح الجانب الكردي أن تعمل كوحدة متخصصة في مكافحة ما يسمى الإرهاب.
وحتى الآن لم يعلن عن صيغة نهائية واضحة لهذا الملف، وهو مثال على أن إعلان الحل لا يعني أن جميع التفاصيل التنظيمية والعسكرية أصبحت محسومة.
هواجس كردية وضمانات سياسية
ولا تتوقف المسألة عند الجانب العسكري. فسنوات الحكم الذاتي الفعلي في شمال شرقي سوريا خلقت مؤسسات سياسية وتعليمية وأمنية خاصة، فيما لا تزال قطاعات من الأكراد تنظر بحذر إلى العودة الكاملة لسلطة المركز، في ضوء عقود من التهميش الذي تعرضوا له في عهد نظام الأسد.
ولهذا ارتبط اتفاق الاندماج بتعهدات تتعلق بالحقوق الثقافية والسياسية، ومنها حماية اللغة الكردية والتعليم بها وتمثيل الأكراد داخل مؤسسات الدولة. وفي المقابل، أصرت دمشق على أن تكون هذه الحقوق في إطار دولة سورية موحدة، لا ضمن كيان عسكري أو سياسي منفصل.
وعليه، فإن نجاح حلّ «قسد» لن يقاس فقط بعدد المقاتلين الذين يرتدون زي الجيش السوري، وإنما بقدرة الدولة على بناء مؤسسات يشعر مختلف السوريين بأنها تمثلهم، وتمنع تحول الخلافات السياسية أو القومية مرة أخرى إلى تشكيلات مسلحة مستقلة.
نهاية مرحلة.. وبداية اختبار أصعب
يمثل إعلان حلّ «قسد» بلا شك تحولًا تاريخيًا في خريطة القوة داخل سوريا؛ إذ انتهى رسميًا وجود أكبر قوة عسكرية منظمة خارج سلطة دمشق، وأصبحت الحكومة أقرب من أي وقت مضى منذ سنوات الحرب إلى احتكار السلاح والقرار العسكري على مستوى البلاد.
لكن توحيد الجيش على الورق يظل أسهل من توحيده على الأرض.
فالاختبار الحقيقي سيكون في الأشهر المقبلة: هل ستنشأ بالفعل سلسلة قيادة واحدة لا مراكز نفوذ متوازية داخلها؟ وهل ستُحسم مسائل الانتشار والرتب والأسلحة والوحدات الأمنية؟ وهل تستطيع الدولة السورية الجمع بين استعادة سلطتها المركزية وضمان الحقوق السياسية والثقافية لسكان شمال شرقي البلاد؟
حلّ «قسد» أغلق فصلًا طويلًا من الانقسام العسكري السوري، لكنه في الوقت نفسه فتح فصلًا جديدًا؛ عنوانه الانتقال من اتفاق على وحدة الجيش إلى بناء جيش موحد بالفعل.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: ماذا عن مظالم السوريين الذين عاشوا تحت سلطة «قسد» واتهموها طوال سنوات بارتكاب انتهاكات شملت الاعتقال التعسفي والتجنيد القسري والتعذيب ومصادرة الممتلكات والتضييق الأمني، وهي اتهامات وثقتها جهات حقوقية في مراحل مختلفة؟
إن دمج مقاتلي هذه القوات في مؤسسات الدولة لا يكفي وحده لمحو سجل ثقيل من الشكاوى والمظالم والانتهاكات، خصوصًا في مناطق عربية عانت من سياساتها التي تغذيها عقلية عنصرية ومصلحية، وتنظر بقدر كبير من الريبة إلى قوة تلقت دعمًا وتمويلًا وتسليحًا أميركيًا لسنوات.
لذلك فإن استعادة الثقة لا تمر عبر تغيير الزي العسكري أو اسم التشكيل فقط، بل عبر مسار واضح للمساءلة، والتحقيق في الانتهاكات، ورد الحقوق إلى أصحابها، ومنع إدماج المتورطين في التجاوزات داخل الأجهزة الجديدة من دون محاسبة.
فالدولة التي تريد بناء جيش وطني موحد تحتاج كذلك إلى طمأنة السكان بأن الاندماج لن يتحول إلى صفحة تُطوى فوق المظالم، بل إلى فرصة لإنهائها وضمان عدم تكرارها. وهذا ما يجب أن تتحملة حكومة خرجت من رحم ثورة شعبية ضد الطغيان.






اترك تعليقاً