حرب اليمن تتسع.. دعم أمريكي متصاعد وتحركات تركية باكستانية وحملة جوية سعودية واسعة

Refueling Saudi Jet

دخل التصعيد العسكري في اليمن مرحلة جديدة مع اتساع نطاق الدعم الخارجي للسعودية، بالتزامن مع إطلاق الرياض حملة جوية واسعة لدعم القوات الحكومية اليمنية في مواجهة الحوثيين، بينما تتحرك تركيا وباكستان لنشر قوات وقدرات عسكرية في المملكة في إطار اتفاق دفاعي ثلاثي.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المواجهة لم تعد مقتصرة على تكثيف الغارات السعودية والعمليات البرية داخل اليمن، إذ عادت الولايات المتحدة إلى تزويد المقاتلات السعودية بالوقود جوًا للمرة الأولى منذ ثماني سنوات، في حين يعمل مئات العسكريين والمحللين الأمريكيين من داخل السعودية في مجالات الاستخبارات ودعم اختيار الأهداف.

وفي الوقت نفسه، أعلنت السعودية حملة جوية قالت إن 100 مقاتلة شاركت في مرحلتها الأولى، وسط معارك متزامنة على الأرض، خصوصًا في تعز والساحل الغربي وباب المندب.

واشنطن تستأنف تزويد المقاتلات السعودية بالوقود

بحسب مسؤول أمريكي تحدث إلى قناة الجزيرة، استأنفت الولايات المتحدة عمليات تزويد المقاتلات السعودية بالوقود جوًا خلال العمليات العسكرية في اليمن، في خطوة تعيد أحد أبرز أشكال الدعم العسكري الأمريكي الذي أثار جدلًا واسعًا خلال السنوات الأولى من الحرب.

وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت تزويد طائرات التحالف بالوقود في نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

وجاء القرار آنذاك بعد أشهر من غارة استهدفت حافلة مدرسية في محافظة صعدة في أغسطس/آب 2018، وأدت إلى مقتل ما لا يقل عن 40 طفلًا. وكشفت تقارير لاحقًا أن القنبلة المستخدمة في الهجوم كانت أمريكية الصنع.

لكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تربط رسميًا وقف التزود بالوقود بسقوط المدنيين، وقالت وزارة الدفاع الأمريكية حينها إن التحالف أصبح قادرًا على استخدام قدراته الخاصة لتنفيذ عمليات التزود بالوقود جوًا.

وجاء القرار أيضًا في وقت كان الضغط يتزايد داخل الكونغرس لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب، ولا سيما عقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وفي العام التالي، أقر مجلسا النواب والشيوخ قرارًا بموجب قانون صلاحيات الحرب لإنهاء أشكال من الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية السعودية في اليمن، إلا أن ترامب استخدم حق النقض ضده.

وبعد وقف عمليات التزود بالوقود، أدرج الكونغرس قيودًا على هذه الممارسة في قوانين متعاقبة لتفويض الدفاع الوطني. وكان آخر حظر مماثل ضمن قانون تفويض الدفاع لعام 2024 لمدة عام، ما يعني أن ذلك القيد لم يعد ساريًا حاليًا.

أكثر من 200 أمريكي يقدمون دعمًا استخباراتيًا وعسكريًا

image 35

ولا يقتصر الدور الأمريكي الحالي، بحسب التقارير، على تزويد المقاتلات السعودية بالوقود.

فقد نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر أن أكثر من 200 محلل ومستشار عسكري واستخباراتي أمريكي يعملون مع الحكومة السعودية في مراكز قيادة داخل المملكة.

وبحسب المصادر، يساعد الأمريكيون في تحليل المعلومات ودعم عملية تحديد واختيار الأهداف داخل اليمن.

وهذا يمثل مستوى مهمًا من المشاركة الأمريكية في العمليات الجارية، إلا أن الولايات المتحدة لم تنفذ حتى الآن غارات مباشرة ضد الحوثيين ضمن الجولة الحالية من الحرب.

ويأتي ذلك في ظل استمرار وقف إطلاق النار المنفصل بين واشنطن والحوثيين، الذي جرى التوصل إليه في مايو/أيار 2025.

وبذلك يمكن التمييز بين مستويين من التدخل: دعم أمريكي مباشر للعمليات السعودية في مجالات التزود بالوقود والاستخبارات والاستهداف، من جهة، وعدم مشاركة الطائرات الأمريكية نفسها في تنفيذ الغارات داخل اليمن حتى الآن، من جهة أخرى.

السعودية تعلن مشاركة 100 مقاتلة

بالتزامن مع ذلك، أعلنت السعودية في 5 أكتوبر/تشرين الأول إطلاق حملة جوية واسعة ضد مواقع الحوثيين تحت اسم «فجر اليمن».

وقال المتحدث باسم التحالف تركي المالكي إن 100 مقاتلة شاركت فجرًا في العملية، مدعيًا تدمير 324 هدفًا وصفها بأنها عالية القيمة مع بداية الحملة.

وقال المالكي إن القوات السعودية توفر غطاءً جويًا لمنطقة باب المندب، وإن التعامل مع الأهداف المتحركة مستمر، مضيفًا أن الإسناد الجوي للقوات البرية يجري على مدار الساعة.

وشهدت مناطق مختلفة من اليمن غارات مكثفة، من بينها صعدة ومناطق في محافظة صنعاء.

وفي المقابل، تحدثت مصادر تابعة للحوثيين عن سقوط ضحايا مدنيين جراء بعض الغارات. وتحتاج تفاصيل الخسائر في ظل العمليات المتواصلة إلى تحقق مستقل، في وقت تتبادل فيه الأطراف روايات متعارضة بشأن طبيعة المواقع المستهدفة وحجم الخسائر.

الغارات تتزامن مع هجوم بري

الحملة الجوية ليست عملية منفصلة عما يحدث على الأرض.

فقد بدأت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية هجومًا واسعًا لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون خلال تقدمهم الأخير، وتركز جانب مهم من العمليات على الساحل الغربي وباب المندب وتعز.

وأعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم في مديرية ذباب والسيطرة على مواقع مهمة، بينها مهبط ذباب، وقطع الطريق بين ذباب والمخا وفرض سيطرة نارية عليه.

وتحدثت مصادر حكومية لاحقًا عن تقدم سريع شمالًا على الساحل باتجاه المخا، بالتزامن مع تراجع قوات حوثية من عدد من المواقع الساحلية.

وتأتي هذه العمليات بعد تقدم حوثي كبير خلال الأسابيع الماضية شمل مناطق على الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب، إضافة إلى تقدم واسع جنوبي تعز وسيطرتهم على مدينة التربة ومناطق أخرى.

وفي الوقت نفسه، استمر الحوثيون في الضغط على طرق مدينة تعز، ما جعل المحافظة مسرحًا لاتجاهين متعاكسين من العمليات: تقدم للقوات الحكومية على أجزاء من الساحل الغربي، مقابل ضغط حوثي على المحاور الجبلية والطرق المؤدية إلى مدينة تعز.

تركيا وباكستان تتحركان لنشر قوات في السعودية

التطور الآخر اللافت جاء من تركيا وباكستان.

فبعد اجتماع مسؤولين رفيعي المستوى من السعودية وتركيا وباكستان في الرياض في 5 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الدول الثلاث التحرك نحو التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي المنصوص عليها في اتفاق مكة الدفاعي الثلاثي الموقع في أغسطس/آب الماضي.

وجاء في البيان المشترك أنهم سيتحركون «فورًا نحو التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي»، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وضمان سرعة نشرها داخل المملكة.

لكن البيان لا يعني حتى الآن أن القوات التركية والباكستانية ستشارك في العمليات داخل اليمن.

ولا تزال طبيعة القوات التي ستُنشر، وأعدادها، ومهامها العملياتية غير واضحة، كما لم يُعلن رسميًا أن أنقرة أو إسلام آباد قررتا تنفيذ غارات ضد الحوثيين.

وهذا تمييز مهم؛ إذ إن نشر قوات للدفاع عن السعودية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي وحماية المنشآت، يختلف عن دخول تلك القوات مباشرة في الحرب داخل اليمن.

باكستان لديها بالفعل قوات وقدرات جوية في المملكة

لكن التحرك لا يبدأ من الصفر.رفقد أفادت وكالة رويترز في مايو/أيار الماضي بأن باكستان نشرت سربًا من المقاتلات وآلاف الجنود وقدرات للدفاع الجوي في السعودية خلال الحرب مع إيران.

ويجعل وجود هذه القدرات توسيع الدور الباكستاني ممكنًا من الناحية العسكرية إذا اتُخذ قرار سياسي بذلك، إلا أنه لا توجد حتى الآن معلومات مؤكدة بأن الطائرات الباكستانية تشارك في قصف اليمن.

أما الدور التركي المرتقب، فلا تزال تفاصيله أقل وضوحًا.

الحوثيون يحذرون من توسيع التدخل الخارجي

image 36

من جهتهم، سبق أن حذر الحوثيون الولايات المتحدة من الدخول العسكري المباشر في الحرب، وهددوا بأن يؤدي ذلك إلى توسيع المواجهة وإغلاق باب المندب أمام السفن الأمريكية.

ومع اتساع الدعم العسكري الخارجي للسعودية، يكتسب هذا التحذير أهمية إضافية، خصوصًا إذا تجاوز الدور التركي أو الباكستاني حماية الأراضي السعودية إلى المشاركة المباشرة في العمليات داخل اليمن.

كما تأتي التطورات في وقت يواصل فيه الحوثيون شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل السعودية، بما فيها منشآت للطاقة وأهداف عسكرية، بالتزامن مع استمرار المعارك البرية.

من حرب يمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع؟

ما يجري لا يعني حتى الآن أن الولايات المتحدة وتركيا وباكستان أصبحت أطرافًا مباشرة في القتال داخل اليمن بالدرجة نفسها. لكن خريطة التدخل تتسع بصورة واضحة.

فالولايات المتحدة عادت إلى تزويد المقاتلات السعودية بالوقود وتقدم دعمًا استخباراتيًا وعسكريًا للاستهداف، والسعودية كثفت عملياتها الجوية بدرجة كبيرة وتقدم غطاءً جويًا للهجوم البري، فيما تستعد تركيا وباكستان لنشر قوات وقدرات عسكرية إضافية في المملكة.

وفي الجهة المقابلة، يواصل الحوثيون المدعومون من إيران عملياتهم داخل اليمن وهجماتهم على السعودية.

ولهذا فإن السؤال خلال المرحلة المقبلة لن يتعلق فقط بمن يسيطر على المخا أو باب المندب أو طرق تعز، وإنما بما إذا كانت هذه الجولة ستبقى حربًا تقودها السعودية بواسطة حلفائها اليمنيين وبدعم خارجي، أم ستتطور إلى مواجهة إقليمية أوسع تدخل فيها قوى أخرى بصورة مباشرة.

وحتى الآن، يبقى الخط الفاصل واضحًا: هناك توسع كبير في الدعم الخارجي للسعودية، لكن لا يوجد ما يثبت حتى الآن مشاركة أمريكية أو تركية أو باكستانية مباشرة في تنفيذ غارات داخل اليمن.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *