حرائق الجزائر.. عشرات الضحايا ومئات البؤر و«خريطة النار» تفتح باب الأسئلة: مصادفة أم خيط يحتاج إلى تحقيق؟

images 22

عادت النيران إلى اجتياح مناطق واسعة من شمال شرقي الجزائر في موجة جديدة وسريعة من حرائق الغابات، مخلفة قتلى وعشرات المصابين، ودافعة السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء وإغلاق طرق رئيسية، في وقت أثار فيه مشهد متداول للنيران وهي تتخذ هيئة لافتة تشبه خريطة الجزائر تساؤلات واسعة على منصات التواصل بشأن أسباب الحرائق، وما إذا كانت البلاد أمام كارثة طبيعية فحسب أم أن بعض النيران أُضرمت عمدًا.

وحتى صباح الخميس 27 أغسطس/آب 2026، ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 12 قتيلاً؛ خمسة في ولاية جيجل، وأربعة في بجاية، وثلاثة في تيزي وزو. كما أعلن وزير الداخلية السعيد سعيود تسجيل 54 مصابًا بحروق في بجاية، بينهم ستة في حالة خطرة يخضعون للعناية المركزة.

وتكشف الأرقام عن حجم استثنائي للموجة. فخلال الأربعاء وحده، توالت حصائل الحماية المدنية مع ظهور بؤر جديدة؛ وأفادت أحدث البيانات المتداولة مساءً بتسجيل 159 حريقًا في الغطاء النباتي، أُخمد 90 منها بينما بقي 69 حريقًا قيد المكافحة. وكانت بجاية في مقدمة المناطق المتضررة، تليها سكيكدة وتيزي وزو وجيجل، فيما نقلت رويترز حصيلة بلغت 154 حريقًا خلال اليوم نفسه، من بينها 36 حريقًا في بجاية وحدها.

ليلة من النار في بجاية وجيجل

في شرق بجاية، تحولت الساعات القليلة إلى مشهد وصفته وسائل إعلام جزائرية بالمفزع. انتشرت النيران بسرعة في مناطق تامريجت ودرقينة وغيرها تحت تأثير الرياح القوية والحرارة المرتفعة، ووصلت إلى محيط مساكن في قرى جبلية، واضطرت عائلات إلى الفرار باتجاه سوق الاثنين، بينما أُغلق الطريق الوطني رقم 9 مؤقتًا مع اقتراب النيران منه. وفي مرحلة من يوم الأربعاء، كانت بجاية وحدها تسجل نحو 20 بؤرة حريق وفق إحدى حصائل الحماية المدنية.

كما نفذت السلطات عمليات إجلاء في جيجل ومناطق أخرى بعدما اقتربت ألسنة اللهب من التجمعات السكنية. وأعلنت قوات الدرك إغلاق ثلاثة طرق وطنية مهمة تربط مناطق شرقية بسبب الحرائق، بينما استُخدمت الطائرات والمروحيات ووسائل الإطفاء البرية لمواجهة الحرائق التي زادت الرياح العنيفة من سرعة انتشارها.

وتزامنت الكارثة مع موجة حر شديدة سبق أن حذرت منها مصالح الأرصاد الجوية، مع توقع وصول الحرارة إلى 49 درجة مئوية في بعض الولايات يومي الأربعاء والخميس. وهي ظروف تجعل الغطاء النباتي شديد الجفاف والقابلية للاشتعال، وتمنح أي حريق يبدأ ـ أيا كان سببه ـ قدرة أكبر بكثير على الانتشار.

لكن الحرارة وحدها لا تجيب عن السؤال الأهم: من أين تأتي الشرارة الأولى؟

«خريطة الجزائر».. مشهد لا يجوز تجاهله

وسط صور الحرائق، لفت الانتباه مشهد متداول تظهر فيه ألسنة النار أو المنطقة المشتعلة على هيئة تشبه بصورة لافتة خريطة الجزائر، حتى بدا للبعض وكأن حدود الشكل مرسومة بالنيران.

المشهد، إن ثبتت أصالته وارتباطه بحرائق أغسطس الحالية، يستحق التوقف عنده بالفعل؛ فالاقتراب البصري من شكل جغرافي معروف، ولا سيما حين يبدو محدد الملامح، من الطبيعي أن يدفع المتلقي إلى التساؤل عما إذا كان الأمر مصادفة أم نتيجة فعل مقصود.

الشبهة في الحرائق ليست وليدة «صورة الخريطة»

ما يجعل التساؤلات الحالية أكثر جدية هو أن فرضية الإحراق المتعمد في الجزائر ليست مجرد نظرية ظهرت على مواقع التواصل.

قبل أسابيع فقط، وخلال موجة حرائق يوليو/تموز، فتحت السلطات الجزائرية تحقيقات رسمية في أسباب الحرائق. وفي 22 يوليو، أمر قاضي التحقيق بالقطب الجزائي الوطني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الوطنية بمحكمة “سيدي امحمد” بحبس أربعة أشخاص مؤقتًا في ثلاث قضايا تتعلق بإشعال حرائق عمدية في أملاك غابية.

وبعد أربعة أيام، أعلن القطب الجزائي نفسه معالجة خمس قضايا أخرى مرتبطة بما وصفه بيان النيابة بـ«مجموعات إجرامية كانت وراء حرائق غابات» في عدد من الولايات، مع وضع سبعة أشخاص آخرين رهن الحبس المؤقت. وبذلك بلغ عدد الموقوفين في القضيتين المنشورتين خلال تلك الموجة 11 شخصًا.

كما أعلن وزير الداخلية في أعقاب حرائق يوليو أن التحقيقات أظهرت أن بعض الحرائق يحمل طابعًا إجراميًا، فيما تعود أسباب أخرى إلى عوامل مختلفة، مؤكدًا استمرار التحقيقات وإعلان نتائجها للرأي العام بعد استكمالها.

وهذه نقطة محورية؛ لأنها تعني أن السؤال عن احتمال وجود إشعال متعمد ليس «نظرية مؤامرة» من فراغ، فقد سبق للقضاء الجزائري نفسه أن تعامل خلال الصيف الحالي مع حرائق متعمدة ومشتبه في ارتباط بعضها بمجموعات إجرامية.

«99% من الحرائق سببها الإنسان».. ماذا يعني ذلك؟

هناك معلومة أخرى تساعد على فهم الصورة بعيدًا عن الاختزال في «موجة الحر».

ففي يوليو/تموز 2026، قال مسؤول بالمديرية العامة للغابات في الجزائر إن نحو 99% من الحرائق تعود في أصلها إلى الإنسان، مشددًا على أن موجة الحر عامل يزيد خطورتها وانتشارها لكنها ليست في ذاتها سبب بدء الحريق. وأوضح أن المنشأ البشري يشمل الإهمال وعدم الاحتياط وسوء استعمال النار، وليس فقط الفعل الإجرامي المتعمد.

وهنا ينبغي التفريق بين قضيتين كثيرًا ما تختلطان: أن يكون الحريق «بشري المنشأ» لا يعني بالضرورة أن وراءه مخططًا إجراميًا؛ فقد تكون الشرارة ناجمة عن حرق مخلفات زراعية أو إهمال أو نشاط بشري آخر. لكن في المقابل، ثبوت وجود حرائق متعمدة خلال يوليو يجعل استبعاد العامل الإجرامي مسبقًا غير علمي أيضًا.

وتؤكد وزارة الداخلية الجزائرية نفسها أن مخاطر الغابات ترتبط بمجموعة متداخلة من العناصر: الظروف الجوية القصوى والرياح والجفاف، وتراكم المواد القابلة للاحتراق، والأنشطة البشرية، إضافة إلى طبيعة التضاريس والمنحدرات والوديان.

تزامن البؤر.. السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه التحقيقات

القضية الأكثر أهمية ليست أن النار تشبه خريطة الجزائر بقدر ما هي كيفية بدء عشرات البؤر وفي أي وقت وأين ظهرت الشرارة الأولى في كل واحدة منها.

إذا أثبتت بيانات الحماية المدنية والأقمار الصناعية أن بؤرًا متباعدة جغرافيًا اشتعلت في أوقات متقاربة للغاية دون اتصال بينها بالنيران، يصبح السؤال عن مصادر الاشتعال مشروعًا بصورة أكبر. وإذا كشفت التحقيقات عن مواد مسرعة للاشتعال، أو آثار إشعال متعمد، أو تسجيلات كاميرات، أو أشخاص شوهدوا في نقاط البداية، أو اتصالات تربط بين مشتبه بهم في أكثر من ولاية، فإن الحديث حينها ينتقل من مستوى الشبهة إلى مستوى الدليل.

ولهذا فإن التحقيق الجاد في موجة أغسطس ينبغي ألا يكتفي بإحصاء المساحات المحروقة، بل يحتاج إلى نشر مواقع وتوقيتات نقاط الاشتعال الأولى، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، ثم إعلان الأسباب الفنية لكل حريق بقدر ما تسمح به التحقيقات.

صيف استثنائي.. والنيران عادت بعد أسابيع فقط

الأزمة الحالية ليست حادثًا معزولًا. ففي نهاية يوليو، أعلنت الحماية المدنية الجزائرية أنها أخمدت جميع الحرائق البالغ عددها 1968 حريقًا منذ 8 يوليو، قبل أن تنطلق موجة جديدة في نهاية أغسطس.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الجزائر سجلت أكثر من 75 ألف حريق غابات بين عامي 1985 و2022، بمتوسط يقارب 35 ألف هكتار محترق سنويًا، فيما ساهم ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وتدهور التربة في جعل بعض الحرائق أسرع وأشد تدميرًا.

لكن تكرار الظاهرة المناخية لا يلغي ضرورة التحقيق في كل مصدر اشتعال؛ فالمناخ يمكن أن يفسر لماذا يتحول حريق صغير إلى كارثة هائلة، لكنه لا يحدد وحده دائمًا من أشعل الشرارة الأولى.

وهذا التمييز مهم جدًا في الحالة الجزائرية.

بين المناخ والجريمة.. لا استباق للتحقيق ولا إغلاق لباب الأسئلة

حرائق الجزائر الحالية كارثة مؤكدة بالأرقام قبل أي نقاش آخر: 12 قتيلًا، عشرات المصابين، عائلات أُجليت من بيوتها، طرق أُغلقت، وغابات وممتلكات ابتلعتها النيران خلال ساعات.

أما ما وراء هذه الحرائق، فلا تزال الصورة غير مكتملة.

موجة الحر والرياح والجفاف عوامل واضحة ومثبتة في تضخيم النيران. وفي الوقت نفسه، أثبتت التحقيقات الرسمية في حرائق سابقة خلال الصيف نفسه وجود حالات إحراق عمدي، ووصلت بعض الملفات إلى القطب الجزائي المختص بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

وسط ذلك، يأتي المشهد الذي تبدو فيه النار كأنها ترسم خريطة الجزائر ليضيف سؤالًا بصريًا مثيرًا.

والموقف الأكثر مسؤولية هو المطالبة بتحقيق شفاف ومفصل في نقاط بداية الحرائق المتزامنة، ونشر نتائج التحاليل الفنية والأمنية للرأي العام.

فالحرارة قد تهيئ الغابة للاشتعال، والرياح قد تحول الشرارة إلى جحيم، لكن يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه درجات الحرارة وحدها: من أين جاءت الشرارة؟

image 142
image 143
image 144
image 145

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *