تقرير الغارديان: خطاب معادٍ للإسلام يفرض واقعا جديدا على المسلمين

IMG 20260630 WA0005

لم تعد الاتهامات الموجهة للإسلام والمسلمين في ولاية تكساس الأمريكية تقتصر على الحملات الانتخابية أو الخطابات الحزبية، بل باتت ـ وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية ـ تنعكس بصورة متزايدة على تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين، بدءا من المدارس والجامعات، وصولا إلى أماكن العمل والفضاءات العامة.

ويرسم التقرير صورة لمناخ اجتماعي وسياسي يقول إنه أصبح أكثر تقبلا للخطاب المعادي للمسلمين، في ظل تصاعد رسائل سياسية تتبناها شخصيات بارزة داخل الحزب الجمهوري، وهو ما انعكس ـ بحسب شهادات أوردتها الصحيفة ـ في زيادة المضايقات والاعتداءات اللفظية، إلى جانب شعور متنامٍ بعدم الأمان داخل بعض المجتمعات الإسلامية في الولاية.

الخطاب السياسي يتجاوز الحملات الانتخابية

ترى الغارديان أن التحولات الأخيرة تشير إلى انتقال الإسلاموفوبيا من كونها وسيلة لحشد الناخبين إلى ظاهرة اجتماعية أكثر اتساعا، بعدما أصبحت الرسائل السياسية المتشددة تنعكس على سلوك بعض الأفراد في تعاملهم مع المسلمين.

ويستشهد التقرير بشهادات لمسلمين يؤكدون أن التصريحات التي تستهدف الإسلام باتت تمنح غطاء معنويا لبعض الممارسات العدائية، الأمر الذي خلق حالة من القلق داخل الجالية الإسلامية، خصوصا بين النساء والأطفال.

المدارس والجامعات.. انعكاس مباشر للخطاب العام

ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير، شهادة نيلا سيد، العضو في مجلس العدالة الاجتماعية بالمركز الإسلامي لأمريكا الشمالية بمدينة دالاس، والتي قالت إن ابنتيها تعرضتا داخل المدرسة لأسئلة تستند إلى صور نمطية عن المسلمين، من بينها مزاعم تتعلق بطريقة معاملة المرأة في الإسلام.

وترى سيد أن الأطفال لا يصنعون هذه الأفكار من تلقاء أنفسهم، وإنما تعكس ما يسمعونه في محيطهم الاجتماعي والإعلامي، معتبرة أن الخطاب السياسي أصبح ينعكس بصورة مباشرة داخل المؤسسات التعليمية.

كما رصد التقرير حادثة أخرى في جامعة هيوستن، حيث أقدم أحد الأشخاص على إحراق نسخة من القرآن الكريم بالقرب من طلاب مسلمين أثناء أدائهم الصلاة، في واقعة أثارت استياء واسعا داخل الحرم الجامعي.

شعور متزايد بعدم الأمان

ولا تقتصر المخاوف على المؤسسات التعليمية، إذ يشير التقرير إلى أن عددا من المسلمين أصبحوا يتجنبون الخروج بمفردهم، بينما فضل آخرون عدم الكشف عن هوياتهم عند الحديث لوسائل الإعلام، خوفا من التعرض للمضايقات أو حملات التحريض عبر الإنترنت.

كما تحدث التقرير عن تعرض نساء محجبات لإساءات لفظية في الأماكن العامة، في مؤشر يقول معدوه إنه يعكس اتساع دائرة الخطاب المعادي للمسلمين خارج الإطار السياسي.

واقعة داخل متجر تثير جدلا واسعا

ومن بين الوقائع التي سلط التقرير الضوء عليها، انتشار مقطع مصور لامرأة واجهت سيدتين مسلمتين داخل أحد المتاجر، ووجهت إليهما عبارات عدائية قالت فيها إن الولايات المتحدة “دولة مسيحية وليست للمسلمين”.

ولم يتوقف الجدل عند الواقعة نفسها، إذ أشار التقرير إلى إطلاق حملة تبرعات دعما لتلك المرأة، تمكنت من جمع نحو 145 ألف دولار، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا على وجود تعاطف مع مثل هذه المواقف لدى قطاع من الرأي العام.

الجمهوريون وخطاب الهجرة الإسلامية

ويبرز التقرير دور عدد من السياسيين الجمهوريين في تصعيد الخطاب المتعلق بالإسلام والهجرة، ومن بينهم النائب براندون غيل، الذي دعا إلى وقف الهجرة القادمة من الدول ذات الأغلبية المسلمة.

وبحسب التقرير، وجه غيل رسالة إلى ناخبيه حملت عنوانا لافتا دعا فيه إلى وقف ما وصفه بـ”الهجرة الإسلامية”، محذرا من تداعياتها على مستقبل الولايات المتحدة.

وترى الغارديان أن مثل هذه الرسائل لم تعد مواقف فردية، بل أصبحت جزءا من الخطاب السياسي المتداول داخل الحزب الجمهوري في الولاية.

“لا للشريعة في تكساس”.. شعار يثير الجدل

وأشار التقرير إلى أن المؤتمر الأخير للحزب الجمهوري في تكساس تبنى شعار “لا للشريعة في تكساس”، ضمن دعوات تطالب بتجريم تطبيق الشريعة الإسلامية.

غير أن خبراء قانونيين ـ بحسب الصحيفة ـ يؤكدون عدم وجود أي محاولات فعلية لفرض الشريعة الإسلامية داخل الولاية، معتبرين أن طرح هذا الملف يأتي في إطار توظيف المخاوف السياسية أكثر من ارتباطه بواقع قانوني قائم.

المسلمون: نحن جزء من المجتمع الأمريكي

ونقل التقرير شهادة أحد المشاركين المسلمين في المؤتمر، الذي استخدم اسما مستعارا هو “عمر”، مؤكدا أنه استمع مرارا إلى أوصاف تصف المسلمين بالإرهابيين وتطالبهم بمغادرة البلاد.

وقال إن المسلمين يعيشون الاهتمامات نفسها التي تشغل بقية الأمريكيين، فهم آباء وأمهات وطلاب وأصحاب أعمال وموظفون، مضيفا أن ما يشهده اليوم لا يعبر عن الصورة التي يؤمن بها للولايات المتحدة، لكنه شدد في الوقت نفسه على تمسكه بالبقاء وعدم مغادرة بلاده.

تراجع المشاركة السياسية للمسلمين

كما سلط التقرير الضوء على التأثير السياسي لهذه الأجواء، إذ نقل عن شيلا فيضي، المرشحة السابقة عن حزب الخضر لمنصب مراقب الحسابات في الولاية، قولها إن تصاعد العنصرية يدفع كثيرا من المسلمين إلى الانسحاب من المجال العام وتجنب الانخراط في العمل السياسي. وترى فيضي أن الخوف من حملات التشويه والاستهداف يقلل من رغبة المسلمين في خوض الانتخابات أو الظهور في المناصب العامة، في وقت لا تضم فيه الهيئة التشريعية في تكساس سوى نائبين مسلمين فقط.

التعليم يدخل دائرة الجدل

ولم يقتصر الجدل على الخطاب السياسي، بل امتد أيضا إلى المناهج الدراسية، حيث تناول التقرير النقاش الدائر حول مراجعة مقررات الدراسات الاجتماعية في الولاية.

وبحسب الغارديان، تمنح المناهج الجديدة مساحة أوسع لفكرة “الاستثنائية الأمريكية” وللتأثير اليهودي النصراني في تشكيل الولايات المتحدة، مقابل تقليص المساحات المخصصة لتاريخ العبودية والحقوق المدنية والحضارات والأديان العالمية، ومنها الحضارة الإسلامية.

وخلال إحدى جلسات الاستماع الخاصة بالمناهج، قالت نيلا سيد إنها استمعت إلى متحدثين يعترضون على تدريس الحضارة الإسلامية، وشعرت بأن النقاش يدور حول المسلمين لا معهم، رغم وجودها داخل القاعة وهي ترتدي الحجاب.

دعوات للحوار بدلا من الاستقطاب

وفي المقابل، أبرز التقرير الجهود التي يقودها النائب المسلم سليمان لالاني، مؤسس تجمع الحوار بين الأديان في برلمان ولاية تكساس، والذي يدعو إلى مواجهة الكراهية عبر الحوار والتواصل المباشر بين مكونات المجتمع.

وقال لالاني إن الجهل يولد الخوف، والخوف يقود إلى الكراهية، مؤكدا أن المعرفة والتواصل يمثلان الطريق الأهم لتقليص الصور النمطية وتعزيز التفاهم بين مختلف المكونات الدينية والثقافية.

كما نقل التقرير عن النائب الديمقراطي كريستيان مانويل قوله إن بعض القوى السياسية تستغل نقص المعرفة لدى المواطنين لتحويله إلى أداة في الصراع السياسي، معتبرا أن نشر المعلومات المضللة يسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية.

بين السياسة والمجتمع

ويخلص تقرير الغارديان إلى أن الجدل الدائر في تكساس لم يعد يقتصر على خلافات حزبية أو تنافس انتخابي، بل بات يمس حياة شريحة من المواطنين الأمريكيين الذين يقولون إنهم أصبحوا يشعرون بأن هويتهم الدينية تُستخدم في الصراع السياسي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذا المناخ قد يترك آثارا تتجاوز حدود الولاية، خصوصا في ظل تنامي النقاش داخل الولايات المتحدة حول قضايا الهجرة والهوية والدين، وهو ما يجعل ملف الإسلاموفوبيا واحدا من أكثر الملفات حساسية في المشهد الأمريكي خلال المرحلة الحالية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *