في السنوات الأخيرة، لم تعد الحرب في السودان تُقاس فقط بعدد المدن التي سقطت أو مساحات الأرض التي تغيّرت السيطرة عليها، بل باتت تُقاس أيضًا بما يجري خلف الأبواب المغلقة لمراكز الاحتجاز المنتشرة في إقليم دارفور، ففي الوقت الذي تنشغل فيه عدسات الكاميرات بتوثيق المعارك والقصف والنزوح، هناك عالم موازٍ يكاد يكون معزولًا عن الأنظار.. عالم من المعتقلات التي يقول ناجون إنها تحولت إلى أماكن يُحتجز فيها المدنيون والعسكريون السابقون في ظروف قاسية، وسط اتهامات بالتعذيب، والإخفاء القسري، والحرمان من الغذاء والعلاج، والقتل خارج نطاق القانون.

حرب لم تكتفِ بساحات القتال
منذ اندلاع المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ، اتسعت رقعة الانتهاكات بصورة أدت إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، خاصة في دارفور، الإقليم الذي يحمل أصلًا ذاكرة مثقلة بالحروب والانتهاكات منذ مطلع الألفية الجديدة.
لكن ما يلفت الانتباه ليس فقط حجم الدمار أو أعداد النازحين، بل الحديث المتكرر عن شبكة من أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، التي أصبحت، جزءًا من أدوات الحرب نفسها، وليست مجرد مرافق أمنية مخصصة لاحتجاز المشتبه بهم.
وتشير تقارير إلى أن مدنيين، ومتطوعين، وأطباء، وعمال إغاثة، وطلابًا، ومقاتلين سابقين، وجدوا أنفسهم داخل هذه المراكز دون إجراءات قانونية واضحة، فيما بقيت عائلات كثيرة لأشهر لا تعرف إن كان أبناؤها أحياء أم في عداد المفقودين.
عندما يصبح الاختفاء سياسة
في عشرات الحالات التي تم توثيقها، أُبلغت أسر عن توقيف ذويها عند نقاط تفتيش أو منازلهم أو أماكن عملهم، قبل أن تنقطع أخبارهم تمامًا، ولم تتمكن العائلات من معرفة أماكن الاحتجاز أو أسباب الاعتقال أو حتى الجهة التي تحتجزهم.
هذا النمط يضاعف معاناة الضحايا وعائلاتهم، لأن الألم لا يقتصر على الاعتقال نفسه، بل يمتد إلى شهور وربما سنوات من انتظار مجهول، في ظل غياب أي معلومات رسمية.
اللافت في شهادات الناجين أن تفاصيلها تتشابه بصورة كبيرة، رغم أنها صدرت من محتجزين سابقين في مواقع مختلفة داخل دارفور، حيث يتحدث كثيرون عن غرف مكتظة لا تسمح حتى بالاستلقاء، وعن نقص شديد في المياه الصالحة للشرب، ووجبات غذائية بالكاد تكفي للبقاء على قيد الحياة، وغياب شبه كامل للرعاية الطبية، وقال ناجون إنهم تعرضوا للضرب المستمر باستخدام العصي والأسلاك، وإن بعض المحتجزين تُركوا ينزفون لساعات دون إسعاف.
وتحدث آخرون عن احتجاز أشخاص داخل حاويات معدنية في درجات حرارة مرتفعة، كما تعرض بعض المحتجزات لاعتداءات جنسية.

سجن دقريس.. الاسم الأكثر حضورًا
من بين جميع المعتقلات التي تكررت أسماؤها في التقارير، يبرز سجن دقريس في ولاية جنوب دارفور بوصفه أحد أكثر المواقع إثارة للقلق.
هذا السجن شهد اكتظاظًا شديدًا، وحرمانًا من الرعاية الصحية والغذاء، فيما تحدث ناجون عن انتشار الأمراض المعدية بين المحتجزين.
كما أشارت تقارير إلى وفاة أعداد من المعتقلين نتيجة التعذيب أو تدهور الأوضاع الصحية، وبالنسبة لعائلات الضحايا، فإن المشكلة لا تتوقف عند الوفاة نفسها، بل تمتد إلى عدم تسليم الجثامين في كثير من الحالات، أو عدم إبلاغ الأسر رسميًا بما حدث.
كوريا وشالا.. وجوه أخرى للمأساة
في مدينة نيالا، تتكرر الإشارة إلى سجن كوريا، الذي قالت تقارير إنه ضم أعدادًا كبيرة من النساء، بعضهن برفقة أطفالهن، في ظروف وصفت بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.
أما في الفاشر، فقد برز اسم معتقلات شالا، حيث تحدث ناجون عن استخدام حاويات شحن كمراكز احتجاز مؤقتة، مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة ونقص التهوية، كما تحدثت تقارير عن تحويل مبانٍ مدنية، بينها سكن طلابي ومستشفى أطفال، إلى أماكن احتجاز مؤقتة، في مؤشر على اتساع رقعة الأزمة واعتماد منشآت غير مهيأة لهذا الغرض. وتشير التقارير أيضًا إلى وجود مراكز احتجاز غير معلنة داخل أحياء سكنية في نيالا، وقالت إن قوات الدعم السريع استخدمتها لاحتجاز مدنيين بعيدًا عن الرقابة.

اتهامات متبادلة وتحقيقات لم تنتهِ
توجه غالبية التقارير اتهامات إلى قوات الدعم السريع بارتكاب جانب كبير من هذه الانتهاكات، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، بينما تتضمن بعض التقارير أيضًا اتهامات للقوات المسلحة السودانية وأجهزة أمنية متحالفة معها بارتكاب حالات اعتقال تعسفي وسوء معاملة في مناطق خاضعة لسيطرتها، وينفي كل طرف بصورة متكررة مسؤوليته عن كثير من الاتهامات، ويتهم الطرف الآخر بارتكاب انتهاكات واسعة.
داخل معتقلات دارفور.. شهادات الناجين تكشف الوجه الخفي للحرب
لم تعد الانتهاكات التي تُرتكب داخل معتقلات دارفور مجرد روايات فردية يرويها ناجون بعد الإفراج عنهم، بل أصبحت نمطًا متكررًا وثقته تقارير جميعها تشير إلى وجود ممارسات متشابهة في أكثر من مركز احتجاز، رغم اختلاف المواقع والجهات المسيطرة عليها، وتشير هذه التقارير إلى أن المعتقلات لم تعد تؤدي وظيفة الاحتجاز التقليدية، بل تحولت إلى أدوات تستخدم في ترهيب السكان المدنيين وإحكام السيطرة على المناطق المتنازع عليها، وسط غياب شبه كامل للرقابة القضائية أو الإنسانية.
وتحدث ناجون عن اعتقال أشخاص لا علاقة لهم بالعمليات العسكرية، بينهم مدرسون، وأطباء، وطلاب جامعات، وتجار، ومتطوعون في المجال الإنساني، وحتى مزارعون كانوا يحاولون الفرار من مناطق القتال.
ويقول محققون إن كثيرًا من هؤلاء لم يُبلغوا بسبب احتجازهم، ولم يمثلوا أمام أي جهة قضائية، ولم يسمح لهم بالتواصل مع أسرهم أو بمحامين، وهو ما يندرج ضمن صور الاحتجاز التعسفي.

التعذيب.. أساليب تتكرر في أكثر من معتقل
رغم اختلاف المعتقلات التي خرج منها الناجون، فإن التعذيب لم يكن حوادث فردية معزولة، بل ظهر باعتباره ممارسة متكررة داخل عدد من مراكز الاحتجاز، وتحدث محتجزون سابقون عن الضرب بالعصي، والأسلاك الكهربائية، وأعقاب البنادق، والركل المتكرر، وربط الأيدي والأرجل لساعات طويلة، إضافة إلى الحرمان من النوم والطعام والمياه.
كما تحدثت شهادات أخرى عن احتجاز أشخاص داخل حاويات معدنية مغلقة تحت درجات حرارة مرتفعة لساعات أو أيام، دون تهوية أو مياه كافية، وهي ممارسات وصفتها منظمات حقوقية بأنها قد ترقى إلى التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.
ووفق شهادات متطابقة، كان الطعام يقدم بكميات محدودة للغاية، وفي بعض الأحيان لا يحصل المحتجزون إلا على وجبة واحدة يوميًا، بينما كانت المياه النظيفة نادرة، الأمر الذي أدى إلى انتشار سوء التغذية والجفاف، خاصة بين كبار السن والمرضى.
وتشير تقارير إلى أن المحتجزين كانوا يضطرون أحيانًا إلى شرب مياه ملوثة، في ظل انعدام البدائل، وهو ما ساهم في انتشار أمراض معوية والتهابات حادة داخل أماكن الاحتجاز.
الموت البطيء.. عندما يتحول المرض إلى حكم بالإعدام
يكاد يكون غياب الرعاية الطبية أحد أكثر القواسم المشتركة بين جميع المعتقلات ، فالعديد من المحتجزين كانوا يعانون إصابات ناجمة عن التعذيب أو عن العمليات العسكرية، لكنهم ظلوا لأيام أو أسابيع دون علاج.
وتحدث ناجون عن وفاة معتقلين بسبب الحمى، والإسهال الحاد، والجفاف، أو نتيجة إصابات لم تتلق أي إسعاف.
وفي سجن دقريس بجنوب دارفور، أشارت تقارير إلى وفاة أكثر من مائتي محتجز خلال فترات مختلفة نتيجة التعذيب أو الأمراض أو سوء أوضاع الاحتجاز، ويرى أطباء عملوا سابقًا في مناطق النزاع أن كثيرًا من هذه الوفيات كان يمكن تجنبها لو توفرت الحد الأدنى من الرعاية الصحية.
الاكتظاظ.. بيئة مثالية للأوبئة
تصف شهادات عديدة الزنازين بأنها كانت تضم أضعاف طاقتها الاستيعابية، وفي بعض الحالات، قال ناجون إن عشرات الأشخاص كانوا يحتجزون داخل غرف ضيقة لا تسمح حتى بالاستلقاء أثناء النوم.
هذا الاكتظاظ، إلى جانب انعدام التهوية وسوء الصرف الصحي، وفر بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، خصوصًا أمراض الجهاز التنفسي والالتهابات الجلدية، وأكدت منظمات حقوقية أن الظروف الصحية في بعض المعتقلات كانت تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية الخاصة بمعاملة المحتجزين.
الإخفاء القسري.. مأساة تمتد إلى خارج الأسوار
إذا كان المعتقل يعيش داخل الزنزانة معاناة يومية، فإن أسرته تعيش مأساة مختلفة تمامًا، فآلاف العائلات، لا تعرف حتى اليوم مصير أبنائها، وبعض الأسر ظلت تبحث لأشهر بين السجون والمستشفيات ومخيمات النزوح، دون أن تحصل على أي معلومة.
وتروي منظمات حقوقية قصص أمهات لا يعرفن إن كان أبناؤهن أحياء أم قتلوا، وآباء يواصلون البحث عن أبنائهم منذ شهور دون أي أثر.

المعتقلات السرية.. الملف الأكثر غموضًا
من أخطر ما ورد في التقارير الحقوقية الحديث عن وجود أماكن احتجاز غير معلنة داخل أحياء سكنية في مدينة نيالا ومناطق أخرى من دارفور، وتقول هذه التقارير إن بعض المحتجزين نُقلوا إلى منازل أو مبانٍ خاصة حُولت إلى مراكز احتجاز مؤقتة بعيدًا عن أي رقابة، بالإضافة إلى وجود مؤشرات على أن بعض الانتهاكات استهدفت مجموعات سكانية بعينها على أساس الانتماء العرقي.
وأشارت تقاريرها إلى أن مجتمعات بأكملها في دارفور تعرضت بصورة متكررة للاعتقال التعسفي، والقتل، والتهجير، والاحتجاز، في سياق نمط أوسع من الانتهاكات. ولا تقتصر الأدلة على الصور ومقاطع الفيديو، بل تشمل شهادات ناجين، وصور الأقمار الصناعية، وسجلات طبية، وتقارير الطب الشرعي، وبيانات الاتصالات، فضلًا عن شهادات العاملين في المجال الإنساني الذين تمكنوا من الوصول إلى بعض المناطق.
العمل الإنساني.. عندما يصبح المسعف معتقلاً
لم يسلم العاملون في المجال الإنساني من تداعيات الصراع، فقد تم توثيق تعرض عدد من العاملين في المجال الطبي والإغاثي للاحتجاز أو التوقيف أو منع الحركة أثناء محاولتهم إيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.
وفي بعض المناطق، أدى انعدام الأمن إلى تعليق أنشطة الإغاثة بالكامل، ما ترك مئات الآلاف دون غذاء أو دواء أو مياه نظيفة. ويحذر خبراء الإغاثة من أن استمرار القيود المفروضة على وصول المساعدات قد يحول الأزمة الإنسانية في دارفور إلى كارثة تمتد آثارها لسنوات طويلة، حتى لو توقفت العمليات العسكرية.
الخروج من المعتقل لا يعني نهاية المأساة
تشير دراسات أجرتها منظمات متخصصة في علاج ضحايا النزاعات إلى أن كثيرًا من الناجين يعانون اضطرابات نفسية حادة، أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق المزمن، واضطرابات النوم، كما يواجه كثير منهم صعوبة في العودة إلى حياتهم الطبيعية بعد فقدان العمل أو المنزل أو أفراد من أسرهم.
وتبقى النساء والأطفال من أكثر الفئات هشاشة، خصوصًا في الحالات التي تتضمن مزاعم عن عنف جنسي أو فقدان أحد الوالدين أو النزوح المتكرر، ويؤكد أطباء نفسيون أن التعافي من هذه الصدمات قد يستغرق سنوات، حتى في حال انتهاء الحرب.
أحد أكبر التحديات التي تواجه السودان اليوم هو غياب المساءلة، ففي كثير من النزاعات، يؤدي غياب العقاب إلى تكرار الانتهاكات، لأن مرتكبيها لا يواجهون عواقب قانونية. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تتحول هذه الملفات يومًا إلى محاكمات تُنصف الضحايا، أم تنضم إلى قائمة طويلة من الجرائم التي بقيت بلا حساب؟





اترك تعليقاً