“ترامب يرعى الشرع”.. ماذا يعني شطب سوريا من قائمة الإرهاب؟

314904

أنهت الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أقدم حلقات العزلة القانونية المفروضة على سوريا، بعدما ألغت تصنيفها كـ«دولة راعية للإرهاب»، بالتزامن مع إلغاء التصنيف المتبقي على «هيئة تحرير الشام» باعتبارها «إرهابيًا عالميًا مصنفًا بشكل خاص».

وجاء القرار الأميركي ،أول أمس، ليضيف خطوة جديدة إلى سلسلة إجراءات بدأت واشنطن بموجبها تفكيك منظومة العقوبات الواسعة على سوريا منذ عام 2025م، وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الإجراء يرفع قيودًا كانت مرتبطة بالتصنيفات الإرهابية، فيما تبقى عقوبات محددة على أفراد وكيانات وأنشطة بعينها.

ولا يعني القرار أن جميع القيود الأميركية على سوريا انتهت، لكنه يعيد صياغة الإطار القانوني الذي تنظم واشنطن من خلاله تعاملها مع الدولة السورية الجديدة.

تصنيف بدأ عام 1979م

أدرجت واشنطن سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979م، لتبقى في هذا التصنيف نحو 47 عامًا.

وكان إدراج دولة على هذه القائمة يترتب عليه عدد من القيود القانونية المتعلقة بالمساعدات الأميركية، وصادرات السلع والتكنولوجيا، والتجارة الدفاعية، وبعض أشكال التمويل والمعاملات الدولية، كما أدى التصنيف إلى ارتفاع مستوى المخاطر التي تفرضها المؤسسات المالية والشركات على أي تعامل مع سوريا.

ومع شطب سوريا من القائمة، لم تعد دمشق خاضعة للقيود المرتبطة تحديدًا بنظام «الدول الراعية للإرهاب»، بما يشمل الأحكام التي كانت تفرضها لوائح العقوبات الخاصة بهذا التصنيف.

لكن واشنطن أبقت في المقابل على عقوبات تستهدف أشخاصًا وكيانات وأنشطة محددة.

ماذا أُلغي وماذا بقي؟

شهد الملف السوري خلال الفترة الأخيرة عدة مسارات قانونية مختلفة، ومن المهم الفصل بينها، فـ«قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين»، الذي أقر عام 2019م، الموافق 1440هـ، أُلغي، وكان يستهدف بصورة رئيسية نظام بشار الأسد ومن يقدم له دعمًا مهمًا.

أما تصنيف سوريا كـ«دولة راعية للإرهاب»، فقد أُلغي في 24 أغسطس 2026م، الموافق 11 ربيع الأول 1448هـ.

وفي المقابل، لا يزال «قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان» قائمًا من الناحية التشريعية، وإن كانت الإدارة الأميركية استخدمت صلاحيات الإعفاء والتعليق لتعطيل أجزاء مهمة من آثاره العملية.

وبذلك، يمكن تلخيص الوضع القانوني في ثلاث نقاط: «قانون قيصر» أُلغي، وتصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب أُلغي، بينما لا يزال «قانون محاسبة سوريا» قائمًا مع تعطيل أجزاء من قيوده بالإعفاءات.

لماذا لم يكن إلغاء «قيصر» كافيًا؟

كان إلغاء «قيصر» خطوة واسعة في اتجاه تخفيف العقوبات، لكنه لم يلغِ تلقائيًا جميع القيود التي كانت تستند إلى قوانين وتصنيفات أخرى.

فبقاء سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب كان يعني استمرار مجموعة مستقلة من القيود القانونية، كما أن المؤسسات المالية الدولية كانت لا تزال تتعامل مع سوريا باعتبارها دولة تقع ضمن تصنيف أميركي عالي المخاطر.

ولهذا جاء شطب سوريا من القائمة باعتباره إجراءً منفصلًا عن إلغاء «قيصر»، لأنه يزيل التصنيف القانوني الذي كان مرتبطًا بالدولة السورية نفسها.

ماذا يعني القرار للبنوك؟

يخفض شطب سوريا بصورة كبيرة المخاطر القانونية التي كانت تواجه المؤسسات المالية عند دراسة التعامل مع المؤسسات والبنوك السورية.

ومن حيث المبدأ، يمكن للبنوك الأميركية والدولية التعامل مع المؤسسات السورية ما دامت تلك المؤسسات والأطراف المرتبطة بها غير مدرجة بصورة مستقلة على قوائم العقوبات.

لكن القرار لا يعني عودة النظام المصرفي الدولي إلى التعامل مع سوريا تلقائيًا، فالبنوك ستظل مطالبة بإجراء عمليات التحقق الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والامتثال المالي، كما أن المؤسسات الدولية ستحدد بنفسها مستوى المخاطر الذي تقبله عند فتح الحسابات أو إقامة علاقات مراسلة مع المصارف السورية.

هل يعني ذلك عودة الدولار إلى سوريا؟

يفتح القرار المجال أمام معاملات مالية أوسع، لكنه لا يضمن عودة التعامل بالدولار بصورة تلقائية.

فالمعاملات الدولية بالدولار تعتمد بدرجة كبيرة على استعداد البنوك المراسلة للتعامل مع المؤسسات السورية، وعلى قدرة المصارف السورية على استيفاء متطلبات الشفافية والامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وبالتالي، فإن إزالة العائق القانوني الأميركي لا تعني أن البنوك الدولية ستعيد بناء علاقاتها مع سوريا في اليوم التالي مباشرة.

الاستثمار الأجنبي أمام مساحة أوسع

يفتح تخفيف العقوبات مجالًا أكبر أمام الشركات الأميركية والأوروبية والخليجية للنظر في السوق السورية، خصوصًا في القطاعات التي تحتاج إلى تمويل خارجي وتكنولوجيا وشراكات دولية.

وتشمل المجالات التي يمكن أن تستفيد من إزالة القيود الشاملة الطاقة، والبنية التحتية، والاتصالات، والنقل، والصناعة والخدمات.

لكن المشاركة الأجنبية ستظل مرتبطة بالتأكد من أن الشركات والأفراد والأطراف المتعاملة ليست مدرجة على قوائم العقوبات الفردية.

العقوبات لم تختفِ بالكامل

رغم اتساع نطاق رفع القيود، لا تزال واشنطن تستخدم العقوبات بصورة انتقائية ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق أو بملفات حقوق الإنسان والمخدرات والإرهاب والانتشار، إضافة إلى «تنظيم الدولة الإسلامية» و«القاعدة» وإيران ووكلائها.

وتوضح وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة انتقلت من نموذج العقوبات الشاملة على سوريا إلى استهداف أفراد وكيانات وأنشطة محددة.

وهذا يعني أن التعامل مع سوريا كدولة أصبح أوسع، لكن التعامل مع أشخاص أو كيانات مدرجة على القوائم الأميركية لا يزال خاضعًا للقيود.

ماذا حدث لـ«هيئة تحرير الشام»؟

الخطوة الثانية في القرار الأميركي طالت «هيئة تحرير الشام»، فوزارة الخارجية الأميركية ألغت تصنيفها باعتبارها «إرهابيًا عالميًا مصنفًا بشكل خاص» أو SDGT، كما أزالت وزارة الخزانة الهيئة من قائمة «الرعايا المحددين والأشخاص المحظورين» أو SDN.

ويعني ذلك أن العقوبات المالية التي كانت تفرض على الهيئة بموجب هذا التصنيف لم تعد سارية عليها.

وأوضحت وزارة الخزانة أن الأميركيين لم يعودوا بحاجة إلى ترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «أوفاك» لتنفيذ معاملات مع الهيئة، شريطة ألا تشمل تلك المعاملات أشخاصًا محظورين أو أنشطة أخرى لا تزال خاضعة للعقوبات.

217555
فعالية لجبهة تحرير الشام

واشنطن كانت قد أزالت تصنيفًا آخر في 2025م

لم يكن القرار ، أول إزالة أميركية لتصنيف عن «هيئة تحرير الشام»، ففي 8 يوليو 2025م، الموافق 13 محرم 1447هـ، ألغت واشنطن تصنيف الهيئة باعتبارها «منظمة إرهابية أجنبية» أو FTO.

لكن تصنيف FTO يختلف قانونيًا عن تصنيف SDGT، فالتصنيف الأول يصدر بموجب قانون الهجرة والجنسية، ويرتبط خصوصًا بتجريم تقديم «الدعم المادي» للمنظمة والقيود المتعلقة بالهجرة والتأشيرات.

أما تصنيف SDGT فهو أداة للعقوبات المالية، ويؤدي إلى تجميد الممتلكات والمصالح المالية ومنع الأميركيين من إجراء معاملات مع الجهة المصنفة.

ولهذا كان لا بد من معالجة التصنيفين بصورة منفصلة.

ماذا تغير بعد إزالة التصنيف المالي؟

مع إلغاء تصنيف SDGT وإزالة الهيئة من قائمة SDN، اختفت القيود المالية الأميركية التي كانت مرتبطة بهذا التصنيف تحديدًا.

وكانت تلك القيود قد شكلت عائقًا أمام التعامل مع شخصيات أو مؤسسات ترتبط بالحكومة السورية الجديدة، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها لأفراد في السلطة الحالية تاريخ سابق في «هيئة تحرير الشام».

كما لم تعد الرخص السابقة التي كانت تصدرها «أوفاك» ضرورية بالنسبة إلى المعاملات التي كان الحظر عليها يستند فقط إلى تصنيف الهيئة، وفق التوضيحات الرسمية الأميركية.

ما مصير الرخصة العامة رقم 25؟

أصبحت الرخصة العامة رقم 25 غير ضرورية بعد التغيير القانوني الأخير، وكانت الرخصة تسمح بمعاملات معينة كان من الممكن أن تحظرها العقوبات، ولا سيما المعاملات المرتبطة بالأشخاص الذين كانت لهم صلات سابقة بالهيئة.

وبعد إزالة التصنيف المالي عن الهيئة، أصبح الإطار القانوني مختلفًا: المعاملة لا تُحظر لمجرد ارتباطها السابق بالهيئة، وإنما يتعين فحص ما إذا كانت تشمل شخصًا أو كيانًا آخر لا يزال خاضعًا للعقوبات.

وماذا عن أحمد الشرع؟

يتعين التمييز بين الخطوات المتعلقة بالرئيس السوري أحمد الشرع وبين القرار الخاص بـ«هيئة تحرير الشام» ككيان.

فالإجراءات الأميركية السابقة كانت قد رفعت عنه العقوبات المرتبطة بالإرهاب، وبالتالي فإن قرار 24 أغسطس ، يتعلق باستكمال إزالة التصنيفات عن الهيئة ككيان، وليس بإلغاء العقوبات عن الشرع للمرة الأولى.

هل تستطيع سوريا شراء التكنولوجيا الأميركية؟

أصبحت إمكانية الوصول إلى السلع والتكنولوجيا المدنية الأميركية أوسع بكثير بعد رفع العقوبات الشاملة.

لكن المواد الحساسة، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وبعض المنتجات الخاضعة لضوابط التصدير الأميركية لا تزال تتطلب مراجعة أو ترخيصًا وفق طبيعة المنتج والجهة المستفيدة.

ولذلك لا يعني شطب سوريا من قائمة الإرهاب فتح السوق أمام جميع أنواع التكنولوجيا الأميركية بلا شروط.

وماذا عن السلاح الأميركي؟

إزالة تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» وتعطيل أجزاء من القيود المرتبطة بـ«قانون محاسبة سوريا» يزيلان عقبات قانونية كانت تقيد التجارة الدفاعية.

لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة اتخذت قرارًا بتسليح سوريا، لأن بيع الأسلحة الأميركية يظل مرتبطًا بموافقات سياسية وقانونية وتراخيص مستقلة، وبطبيعة الصفقة والجهة المستفيدة ونوع السلاح.

ماذا عن القضايا أمام المحاكم الأميركية؟

شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يلغي تلقائيًا القضايا التي صدرت فيها أحكام ضد الدولة السورية أو الدعاوى المرفوعة قبل القرار.

وكان التصنيف يسمح، بموجب استثناءات في قانون الحصانات السيادية الأجنبية الأميركي، برفع دعاوى تعويض ضد دول مصنفة راعية للإرهاب في قضايا محددة.

ومع شطب سوريا، يتغير الأساس القانوني بالنسبة إلى الدعاوى الجديدة، لكن الأحكام السابقة والتعويضات التي أُقرت بالفعل لا تزول تلقائيًا، حيث توجد أمام المحاكم الأميركية قضايا تطالب سوريا بتعويضات تتجاوز 20 مليار دولار.

قانون محاسبة سوريا.. ما الذي بقي منه؟

يعود «قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان» إلى عام 2003م، الموافق 1424هـ، وكان مرتبطًا بسياسات النظام السوري آنذاك، بما في ذلك دعمه جماعات تصنفها واشنطن إرهابية، ووجوده العسكري والأمني في لبنان، وبرامج الأسلحة والصواريخ.

وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في أبريل 2005م، الموافق صفر 1426هـ، تغير جزء أساسي من الظروف التي أحاطت بإقرار القانون، لكنه لم يُلغ تشريعيًا.

وتوضح البيانات الأميركية أن الإدارة استخدمت صلاحيات الإعفاء المتاحة لها لتعطيل أجزاء مهمة من القيود، وكان من آخر الإجراءات في هذا السياق تعديل القيود المتعلقة ببعض صادرات المواد المدرجة على «قائمة الذخائر الأميركية» في 24 أغسطس 2026م، الموافق 11 ربيع الأول 1448هـ.

ماذا يبقى على قائمة العقوبات؟

لا يعني فتح المجال أمام التعامل مع الدولة السورية أن جميع الأسماء السورية خرجت من القوائم الأميركية.

فوفق وزارة الخزانة الأميركية، لا تزال هناك عقوبات تستهدف الرئيس السابق بشار الأسد وأشخاصًا مرتبطين به، وأفرادًا متهمين بانتهاكات حقوق الإنسان وتجارة الكبتاغون والإرهاب والانتشار، إلى جانب تنظيمات مثل «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» وشبكات مرتبطة بإيران ووكلائها.

وفي الوقت نفسه، أقدمت الخزانة الأميركية في 24 أغسطس 2026م، الموافق 11 ربيع الأول 1448هـ، على إدراج شخصين سابقين مرتبطين بـ«هيئة تحرير الشام» قالت إنهما يواصلان دعم «القاعدة» و«حراس الدين»، ما يعكس استمرار نهج العقوبات الموجهة رغم إزالة التصنيف عن الهيئة نفسها.

خطوة قانونية واحدة.. وتداعيات متعددة

أعاد القرار الأميركي رسم الوضع القانوني لسوريا على أكثر من مستوى في الوقت نفسه.

فالدولة خرجت من قائمة «الدول الراعية للإرهاب»، وأُلغي أحد أهم أطر العقوبات التي استهدفت النظام السابق، بينما أزيل التصنيف المالي المتبقي عن «هيئة تحرير الشام»، وأصبح التعامل الاقتصادي مع المؤسسات السورية أقل تعرضًا للعوائق الأميركية العامة.

في المقابل، لم تتحول سوريا إلى دولة خالية من العقوبات، فما زالت هناك قوائم تستهدف أفرادًا وكيانات وأنشطة محددة، وما تزال بعض قوانين العقوبات والتصدير قائمة، كما أن أي تعامل مصرفي أو استثماري دولي سيظل مرتبطًا بقواعد الامتثال وتقييم المخاطر.

وبذلك انتهت في واشنطن مرحلة كان فيها التعامل مع سوريا محكومًا أساسًا بمنطق العزل الشامل، بينما أصبح الإطار الجديد قائمًا بدرجة أكبر على التعامل مع الدولة ومؤسساتها، مع استمرار ملاحقة الأفراد والكيانات والأنشطة التي تضعها الولايات المتحدة في دائرة العقوبات.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *