تحقيق يكشف ملايين الدولارات من التمويل العسكري الإسرائيلي لجامعات أمريكية

Screenshot 2026 08 25 202423

كشف تحقيق صحفي جديد عن شبكة واسعة من العلاقات المالية والبحثية التي ربطت، على مدى أكثر من عقدين، وزارة الدفاع الإسرائيلية وشركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية بعشرات الجامعات الأمريكية، بما في ذلك بعض أبرز المؤسسات الأكاديمية في الولايات المتحدة.

ونشر موقع Drop Site News التحقيق، الذي أعده الصحفي مرتضى حسين، في 25 أغسطس/آب 2026، تحت عنوان: «وثائق تكشف مسار ملايين الدولارات غير المُعلنة من الجيش الإسرائيلي إلى الجامعات الأمريكية».

ويقول التحقيق إن مراجعة سجلات تدقيق حكومية وإفصاحات عن التمويل الأجنبي ووثائق جامعية كشفت عن ملايين الدولارات من التمويل المرتبط بوزارة الدفاع الإسرائيلية وشركات الأسلحة الإسرائيلية، لم يظهر جزء كبير منه بصورة منتظمة في قواعد البيانات الوطنية المخصصة لتتبع الأموال الأجنبية التي تتلقاها الجامعات الأمريكية.

أكثر من 15 مليون دولار خارج سجلات الإفصاح المنتظمة

اعتمد التحقيق على تحليل سجلات عامة، مستفيدًا من بيانات جمعتها «مبادرة مناهضة الحرب» (Antiwar Initiative)، وهي مجموعة بحثية أكاديمية تتابع علاقات الجامعات بصناعة السلاح العالمية.

ووفق التحليل، جرى تحديد أكثر من 15 مليون دولار من التمويلات المرتبطة بوزارة الدفاع الإسرائيلية أو شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية، والتي إما لم يُبلّغ عنها في قواعد البيانات المعنية أو ظهرت فيها بصورة غير متسقة.

ويشير التحقيق إلى أن تحديد الحجم الحقيقي لهذه التدفقات المالية لا يزال صعبًا؛ إذ لم تظهر بعض التمويلات في الإفصاحات العامة الإلزامية، ولم يمكن الوصول إليها إلا من خلال مقارنة قواعد بيانات مختلفة وسجلات تدقيق وإشارات وردت في أوراق بحثية ووثائق داخل الجامعات. وفي عدد من الحالات، ذكرت الجامعات أن وزارة الدفاع الإسرائيلية أو شركات عسكرية إسرائيلية رعت مشروعات بحثية من دون الإفصاح عن قيمة التمويل.

وشملت العلاقات المالية التي وثقها التحقيق منحًا بحثية ومدفوعات دراسية وهبات وصلت إلى عشرات الكليات والجامعات الأمريكية، بعضها جاء مباشرة من وزارة الدفاع الإسرائيلية وبعضها من شركات أسلحة، أبرزها Elbit Systems، إلى جانب شركتي Rafael وIsrael Aerospace Industries.

جامعات أمريكية كبرى ضمن السجلات

تعود الوثائق التي راجعها التحقيق إلى الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2025، وتشير إلى علاقات مالية أو بحثية مع مؤسسات من بينها جامعات:

كولومبيا، وكورنيل، وبرينستون، وهارفارد، ونورث وسترن، وجورجيا تك، وتكساس تك، وكونيتيكت، وتينيسي، وميريلاند، وفلوريدا، وكاليفورنيا في بيركلي، ورود آيلاند، ونيو مكسيكو، وواشنطن في سانت لويس، وجامعة ولاية نيويورك.

لكن التحقيق ينبه إلى أن بعض هذه العلاقات كانت عقودًا بحثية محددة المدة، ولذلك فإن ورود اسم الجامعة في السجلات لا يعني بالضرورة استمرار العلاقة حتى اليوم.

ومن أبرز النماذج التي عرضها التحقيق جامعة كونيتيكت، حيث ظهر مشروع ممول من وزارة الدفاع الإسرائيلية تحت عنوان بحث يتعلق بـ«التنبؤ بنقطة اصطدام المقذوفات قصيرة ومتوسطة المدى».

وتظهر سجلات الولاية تسجيل 668,456 دولارًا لهذا المشروع عبر تسع سنوات مالية بين 2013 و2023، إضافة إلى 251,336 دولارًا لمشروع آخر يتعلق بأجهزة شديدة الحساسية للكشف عن المجالات المغناطيسية.

أبحاث ترتبط بتقنيات عسكرية

وتكتسب هذه العلاقات أهمية خاصة بسبب طبيعة عدد من المشروعات التي جرى تمويلها.

فالتحقيق يقول إن مجالات البحث التي مولتها جهات عسكرية إسرائيلية أو شركات أسلحة تشمل تقنيات المراقبة بالفيديو، والتعرف على النشاط البشري، والطيران الذاتي، وتحليل الشبكات، وتحديد الأهداف، والاستشعار المغناطيسي، ونمذجة مسارات المقذوفات.

وهي مجالات تتقاطع مع تقنيات باتت حاضرة بقوة في العمليات العسكرية المعاصرة، مثل الطائرات المسيّرة، والمراقبة الجوية المستمرة، وتحليل كميات ضخمة من البيانات، والتعرف الآلي على الأهداف.

ومن الأمثلة التي أوردها التحقيق، تمويل شركة Elbit Systems of America باحثين في مجال الرؤية الحاسوبية لتطوير خوارزميات قادرة على التعرف على النشاط البشري وكشف الأجسام في مقاطع الفيديو.

كما أظهرت سجلات جامعة تينيسي أن شركة أمريكية تابعة لإلبيت دفعت للجامعة 514,500 دولار بين عامي 2023 و2025، بينما لم تحدد الوثائق العامة البرامج أو الباحثين المستفيدين من هذه الأموال، واكتفت بوصفها بأنها «مدفوعات دراسية لطلاب مختلفين».

أموال أمريكية أم إسرائيلية؟

لكن مسار الأموال أكثر تعقيدًا من مجرد انتقالها من “إسرائيل” إلى الجامعات الأمريكية.

فالتحقيق وجد أن عددًا من المنح المرتبطة بوزارة الدفاع الإسرائيلية صُنّفت في السجلات على أنها نفقات لوزارة الدفاع الأمريكية، بينما ظهرت الوزارة الإسرائيلية بوصفها الجهة الوسيطة التي تمر الأموال عبرها.

ويشير التحقيق إلى أن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT قال سابقًا إن الأموال المستخدمة في مشروعات ممولة عبر وزارة الدفاع الإسرائيلية كان مصدرها الأصلي وزارة الدفاع الأمريكية.

كما تُظهر بعض سجلات التدقيق اسم وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية باعتبارها الجهة الأساسية التي وفرت الأموال، قبل أن تمر عبر وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى مشروعات بحثية.

ولهذا، يقول التحقيق إن الوثائق المتاحة لا تسمح دائمًا بتحديد ما إذا كانت الأموال في كل مشروع جاءت من الخزانة الإسرائيلية، أم من المساعدات العسكرية الأمريكية الموضوعة تحت سلطة المشتريات الإسرائيلية، أم من مزيج من المصدرين.

ملايين الدولارات في MIT وكولومبيا وبرينستون

وكان MIT قد أعلن أن قيمة المشروعات الفردية المرتبطة بوزارة الدفاع الإسرائيلية بلغت نحو 4 ملايين دولار بين السنتين الماليتين 2015 و2024، إضافة إلى 290 ألف دولار في السنة المالية 2025.

وفي صيف 2025، انسحب الأستاذ في المعهد ماركوس بويلر من منحة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية بعد حملة طلابية سلطت الضوء على المشروع، في أعقاب أكثر من عام من الاحتجاجات على علاقات المعهد الدفاعية بـ”إسرائيل”.

وفي جامعة كولومبيا، أظهرت سجلات التدقيق مشروعين مرتبطين بالوزارة بقيمة إجمالية بلغت 799,190 دولارًا، أحدهما يتعلق بالطباعة ثلاثية الأبعاد للأنظمة الكهروميكانيكية، والثاني بتحسين أجهزة استشعار تعتمد على الرنانات الدقيقة.

أما مؤسسة الأبحاث التابعة لجامعة ولاية نيويورك، فأظهرت سجلاتها خمسة مشروعات مرتبطة بوزارة الدفاع الإسرائيلية بلغت قيمتها الإجمالية 949,915 دولارًا بين عامي 2010 و2021.

وفي ولاية فلوريدا، سجلت عمليات تدقيق على مستوى الولاية نحو 1.19 مليون دولار من النفقات التي مرّت عبر وزارة الدفاع الإسرائيلية بين عامي 2012 و2021.

كما تكشف وثائق جامعة ميريلاند عن منحتين لوزارة الدفاع الإسرائيلية لأستاذ هندسة الطيران إندرجيت شوبرا، إحداهما بقيمة 150 ألف دولار لأبحاث تشغيل المروحيات الصغيرة ذاتيًا، والثانية بقيمة 300 ألف دولار حول ديناميكا طيران المروحيات بسرعات عالية.

وفي برينستون، ظهر عقد بقيمة 600 ألف دولار لمشروع يتعلق بمقياس مغناطيسي ذري، مع إدراج وزارة الدفاع الإسرائيلية ووكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية ضمن الجهات الراعية للمشروع.

أما Texas Tech، فتشير نشراتها الهندسية إلى منحة بقيمة 400 ألف دولار من وزارة الدفاع الإسرائيلية لأبحاث مرتبطة بنظام لإنتاج موجات ميكروويف عالية القدرة، وهي تقنية تشير الجامعة نفسها إلى إمكان استخدامها في تطبيقات من بينها مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة.

فجوة في الإفصاح

ويضع التحقيق هذه البيانات في سياق أوسع يتعلق بضعف أنظمة الرقابة على التمويل الأجنبي للجامعات الأمريكية.

فبموجب المادة 117 من قانون التعليم العالي الأمريكي، يتعين عمومًا على الجامعات التي تتلقى مساعدات فيدرالية الإفصاح عن الهبات والعقود القادمة من جهات أجنبية إذا بلغت قيمتها 250 ألف دولار أو أكثر.

وتشمل القاعدة العقود الممتدة لعدة سنوات إذا وصلت قيمتها الإجمالية إلى هذا الحد، حتى وإن كان المبلغ المدفوع سنويًا أقل منه.

لكن المفتش العام لوزارة التعليم الأمريكية حذر في فبراير/شباط 2025 من ضعف الإشراف على النظام وعدم وجود ضوابط كافية لضمان الالتزام بمتطلبات الإفصاح.

ويشير التحقيق كذلك إلى أن عتبة الـ250 ألف دولار قد تتيح مرور مساهمات أصغر دون ظهورها في قواعد البيانات، رغم أن هذه المبالغ قد تكون كبيرة بالنسبة إلى مشروع بحثي أو باحث بعينه.

من علاقات متفرقة إلى تعاون مؤسسي

ولا يقف الأمر، بحسب التحقيق، عند منح أكاديمية متفرقة.

فقد وجّه قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2026 وزارة الدفاع إلى إنشاء مجموعة عمل للقاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية الإسرائيلية، للنظر في إدماج “إسرائيل” فيما يُسمى «القاعدة الوطنية الأمريكية للتكنولوجيا والصناعة».

كما طُرح في الكونغرس ضمن مناقشات قانون الدفاع لعام 2027 إنشاء مبادرة أمريكية إسرائيلية للتعاون في التكنولوجيا الدفاعية، بهدف توسيع البحث والتطوير والاختبارات وإنتاج الأسلحة والتعاون الصناعي بين الجانبين.

ويرى التحقيق أنه في حال تحول هذه المقترحات إلى سياسة ثابتة، فإن العلاقات البحثية والمالية التي ظهرت حتى الآن متناثرة بين الجامعات والسجلات الأكاديمية قد تصبح جزءًا رسميًا من بنية القاعدة العسكرية الصناعية الأمريكية.

الجامعات أمام سؤال علاقتها بصناعة الحرب

تأتي هذه الوثائق في وقت تشهد فيه الجامعات الأمريكية منذ الحرب على غزة احتجاجات واسعة حول علاقاتها المالية والأكاديمية بـ”إسرائيل” وبشركات الصناعات العسكرية.

ولا يثبت التحقيق أن كل مشروع علمي مذكور قد استُخدم مباشرة في سلاح أو عملية عسكرية محددة، لكنه يكشف عن بنية تمويل يصعب تتبعها بالكامل، وعن تداخل متزايد بين البحث الأكاديمي الأمريكي ومؤسسات الدفاع الإسرائيلية وصناعة السلاح.

وبينما كانت الجامعات تُقدَّم تقليديًا بوصفها مساحات للبحث العلمي والمعرفة المدنية، تثير السجلات التي كشف عنها التحقيق سؤالًا متزايد الأهمية: إلى أي مدى أصبحت الجامعات الأمريكية نفسها جزءًا من البنية البحثية التي تغذي الصناعات العسكرية والحروب الحديثة؟

والأهم أن القضية لا تتعلق فقط بحجم الأموال، بل بدرجة الشفافية المحيطة بها؛ إذ تكشف المقارنة بين السجلات أن معرفة مصدر الأموال وطبيعة المشروعات والجهة المستفيدة منها قد تحتاج إلى التنقيب في عشرات ملفات التدقيق والأبحاث والوثائق المتفرقة.

وهذا هو الجانب الأكثر دلالة في تحقيق Drop Site: فخلف ملايين الدولارات التي أمكن توثيقها، تبقى أسئلة مفتوحة حول حجم التمويل الذي لم يظهر بعد، وعن مدى تغلغل العلاقات بين المؤسسات الأكاديمية الأمريكية والمنظومة العسكرية الإسرائيلية في الوقت الذي تتزايد فيه المطالب داخل الجامعات نفسها بالكشف عن هذه الروابط ومراجعتها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *