لم تمر سوى ساعات على اجتماع أمني رفيع المستوى جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في الأردن، بوساطة أمريكية، حتى عادت قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى التوغل في جنوب سوريا، في مشهد يعكس الفجوة المتزايدة بين المسار الدبلوماسي الجاري ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
وبينما تركزت المباحثات على وقف الهجمات الإسرائيلية والاعتقالات والتوغلات وإحياء مفاوضات اتفاق أمني بين الطرفين، شهد ريفا درعا والقنيطرة سلسلة جديدة من التحركات العسكرية الإسرائيلية، استمرت حتى الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026، الموافق 12 ربيع الأول 1448هـ.
وكانت التقارير قد سلطت الضوء على تزامن التصعيد الإسرائيلي مع الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومدير جهاز الموساد رومان غوفمان، قبل أن تسجل الساعات التالية توغلات إضافية، ما جعل التطورات الميدانية تتجاوز التوقعات المرتقبة من المفاوضات.
لقاء في الأردن لوقف التصعيد
عُقد الاجتماع السوري الإسرائيلي، الأحد 23 أغسطس/آب، في الأردن بوساطة أمريكية، وشارك فيه من الجانب السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى جانب رئيسي جهازي الاستخبارات العامة والعسكرية، بينما أفادت تقارير بأن الوفد الإسرائيلي ترأسه مدير الموساد رومان غوفمان.
وقالت وكالة الأنباء السورية «سانا» إن المحادثات تناولت وضع «آليات عملية» لوقف الهجمات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف داخل سوريا، وإحياء المفاوضات بشأن اتفاق أمني دائم، إضافة إلى محاولة منع التوتر المتصاعد بين تركيا و”إسرائيل” من التحول إلى مواجهة فوق الأراضي السورية.
وطالبت دمشق، بحسب ما نقلته رويترز، بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت فيها قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وإعادة تطبيق اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 بصورة كاملة، مع تأكيد حق سوريا في إعادة بناء جيشها وتطوير قدراتها وعلاقاتها العسكرية.
غير أن التطورات التي أعقبت الاجتماع مباشرة أظهرت أن المباحثات لم تنعكس حتى الآن على حركة القوات الإسرائيلية في الميدان.
سبعة توغلات خلال 24 ساعة
فجر الاثنين، دخلت قوات إسرائيلية إلى قرية معرية في ريف درعا الغربي، ونفذت عمليات انتشار وتفتيش بالتزامن مع تحليق طائرات مسيّرة.
وفي القنيطرة، توغلت دوريات إسرائيلية في مناطق عدة، بينها صيدا الجولان وصيدا الحانوت، حيث جرى تفتيش مزرعة ومناطق محيطة بها. كما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن قوة إسرائيلية دخلت منطقة المعكر غربي صيدا الحانوت، واحتجزت مجموعة من المدنيين داخل مزرعة لنحو ساعتين قبل الإفراج عنهم والانسحاب.
وبحصيلة أوسع، وثق المرصد السوري سبعة توغلات إسرائيلية في ريفي درعا والقنيطرة خلال 24 ساعة فقط، رافقتها عمليات تفتيش واعتقالات وتحليق للمسيّرات فوق منطقة حوض اليرموك.
وجاء ذلك بعد يوم واحد من احتجاز القوات الإسرائيلية راعيًا قرب بلدة الرفيد في ريف القنيطرة، وفق وسائل إعلام سورية.
التصعيد يستمر في 25 أغسطس
ولم تتوقف التحركات عند يوم الاثنين. ففي أحدث التطورات، توغلت قوة إسرائيلية صباح الثلاثاء 25 أغسطس/آب، تضم نحو خمس آليات عسكرية، باتجاه منطقة «غرفة المجحم» قرب وادي الرقاد، وانتشر الجنود في محيط الموقع وأقاموا حواجز لتفتيش المارة والتحقق من هوياتهم، قبل التحرك باتجاه جسر وادي الرقاد.
ويعني ذلك أن التوغلات استمرت لليوم الثاني على التوالي بعد اجتماع الأردن، رغم أن أحد أبرز أهداف الاجتماع المعلنة كان وضع آلية توقف مثل هذه العمليات.
وتتركز التحركات الإسرائيلية بصورة خاصة في مناطق حوض اليرموك بريف درعا الغربي وريف القنيطرة المتاخم للجولان السوري المحتل، حيث تتكرر عمليات دخول الآليات العسكرية، وإقامة الحواجز المؤقتة، وتفتيش المدنيين والمنازل، إلى جانب أعمال تجريف وشق طرق وتركيب وسائل مراقبة.
تصعيد سبق اجتماع الأردن
ولم تبدأ الموجة الحالية بعد اللقاء الدبلوماسي؛ فقد شهد جنوب سوريا تصعيدًا ملحوظًا منذ مطلع أغسطس/آب.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، جرى توثيق 43 توغلًا وتحركًا عسكريًا إسرائيليًا في درعا والقنيطرة خلال النصف الأول من أغسطس وحده، تركز معظمها في حوض اليرموك ومعرية وجملة ووادي الرقاد، إضافة إلى جباثا الخشب ومحيطها في القنيطرة. ورافقت بعض العمليات اعتقالات ومداهمات وتفتيشًا للمنازل وتجريفًا للأراضي الزراعية والحراجية.
وكان المرصد قد سجل كذلك 64 توغلًا واستهدافًا وانتهاكًا عسكريًا إسرائيليًا في الجنوب السوري خلال يوليو/تموز، ما يشير إلى أن التحركات الحالية ليست حوادث منفصلة بقدر ما تأتي ضمن نمط ميداني متواصل.
ضربة أبو الظهور تفجر الأزمة
جاء اجتماع الأردن أساسًا في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب في 18 أغسطس/آب.
وقالت مصادر سورية إن الغارات وقعت بعد وقت قصير من زيارة وفد تركي للقاعدة، وأصابت المدارج والمنشآت دون تسجيل قتلى. وبررت تل أبيب الهجوم بالقول إنها تحركت لمنع ما تعتبره تمركزًا عسكريًا تركيًا في الموقع، في حين نفت دمشق وأنقرة وجود خطة لإقامة قاعدة عسكرية تركية هناك.
وقال وزير الخارجية السوري لوسائل إعلام إن دمشق أبلغت الجانب الإسرائيلي مسبقًا بعدم وجود خطة لنشر قوات تركية دائمة في أبو الظهور، وإن المنشأة ستبقى تحت السيادة السورية.
كما انتقد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم باراك الهجوم، ووصفه بأنه «تصعيد غير ضروري»، وقال إن الضربة الإسرائيلية لم تُسبق، بحسب روايته، بتحذير أمريكي واضح، محذرًا من خطورة انزلاق التوتر الإسرائيلي التركي إلى مواجهة داخل الأراضي السورية.
وقبل اجتماع الأردن بيوم واحد، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة قرب بيت جن في جنوب سوريا. وقالت تل أبيب إنها استهدفت شخصًا يشكل تهديدًا وشيكًا لقواتها، بينما قالت الخارجية السورية إن الهجوم أصاب سيارة مدنية وأسفر عن إصابات، وأدانته باعتباره انتهاكًا للسيادة السورية.
الجولان وما بعد سقوط الأسد
اتسعت العمليات الإسرائيلية داخل سوريا بصورة كبيرة منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
فقد أعلن الاحتلال الإسرائيلي حينها انهيار اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ودخلت قواته المنطقة العازلة التي كانت تشرف عليها قوات الأمم المتحدة، وسيطرت على مواقع إضافية، بينها مواقع في الجانب السوري من جبل الشيخ.
ومنذ ذلك الحين، نفذت قوات الاحتلال مئات الغارات داخل سوريا إلى جانب عمليات توغل برية متكررة في الجنوب، بينما تقول إنها تهدف إلى منع ظهور تهديدات عسكرية قرب حدودها ومنع وصول أسلحة أو قدرات استراتيجية إلى السلطات السورية الجديدة. في المقابل، تعتبر دمشق هذه العمليات اعتداءً على سيادتها وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها بعد ديسمبر 2024.
تفاوض من جهة وفرض وقائع من جهة أخرى
تكشف التطورات الأخيرة معادلة معقدة في العلاقة بين دمشق وتل أبيب؛ فالمفاوضات الأمنية لم تتوقف نهائيًا، بل تقول دمشق إنها لا تزال مستعدة للعودة إليها رغم انعدام الثقة.
وقال الشيباني، في مقابلة مع رويترز قبيل اجتماع الأردن، إن بلاده ترى إمكانية لاستئناف المفاوضات، لكنه اتهم “إسرائيل” بعدم الالتزام بالتفاهمات السابقة، مؤكدًا أن أولوية دمشق هي وقف الهجمات وتحقيق الانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها “إسرائيل” بعد سقوط النظام السابق.
لكن استمرار التوغلات بعد ساعات فقط من الاجتماع، ثم تجددها في اليوم التالي، يضع علامات استفهام حول قدرة المسار الدبلوماسي على تغيير الواقع الميداني.
فالجنوب السوري يشهد اليوم مسارين متوازيين: اتصالات تتحدث عن خفض التصعيد واتفاق أمني من جهة، وتحركات عسكرية إسرائيلية متواصلة تشمل التوغلات والحواجز والتفتيش والاعتقالات من جهة أخرى.
وقد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت دمشق وتل أبيب ستواصلان التفاوض، وإنما ما إذا كان هذا التفاوض قادرًا فعلًا على وقف التوسع العسكري الإسرائيلي وإعادة العمل باتفاق فض الاشتباك، أم أنه سيستمر بينما تتشكل على الأرض وقائع أمنية وحدودية جديدة يصعب التراجع عنها لاحقًا.





اترك تعليقاً