في كل بلد تُعد حرية التعبير المؤشر الدال على احترام الحقوق، إلا حين يتعلق الأمر بالمسلمين؛ سواء أكانوا أغلبية في ديارهم، أم أقلية في غيرها؛ فنجد أن غير المسلم يرى حرية تعبير المسلم تهديداً له، في حين يرى بأحقيته الكاملة في قمع المسلم.

والحال الأردني حالياً يمثل النموذج الأبرز لهذه الثنائية؛ فبعد وقوع حادثة الكرك وما تلاها، وجدت بعض الأصوات المناهضة، ومن خلفها المناخ الرسمي، الفرصة في تشديد الخناق على الأصوات الإسلامية. وأصبحت المنشورات التي تستهدف بيان الأحكام الشرعية تجاه التصرفات والسلوكيات المنافية لعقيدة المسلمين تُصنّف كمصدر خطر وتهديد من أصحابها، تحتاج لتدخلات السلطات الرسمية لكبحها.

إذ خرجت أصوات علنية في هذا الصدد تتبنى هذا الطرح بالقول:

«لم يمرّ أسبوع على جريمة الكرك، حتى عادت الحسابات نفسها وخاصة المواقع الالكترونية... لممارسة التحريض والتجييش ضد الناس! العنوان الليلة: حفلات الهالوين! وقبلها حفلة عمرو دياب، وقبلها مسلسل روابي..... وإنت كمحرّض، حقك فقط إنك تمتنع إنت وأسرتك عن التواجد بأي مكان أو احتفال يتناقض مع منظومتك الأخلاقية والدينية، مش تتطفّل على المكان!

كل صاحب منشور... يجب التعامل مع منشوره باعتباره محتوى تحريضياً يستدعي التحقق والمساءلة. وحدة الجرائم الإلكترونية عليها الليلة تحديداً مسؤولية كبرى في متابعة هذه الحسابات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وإحنا علينا مسؤولية التبليغ عن المحتوى التحريضي.»

فكلام هذه الأصوات وأمثالها لا يُبيّن إلا عن جهل مُطبق بشعيرة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" عند المسلمين؛ باعتبارها أساس البناء المجتمعي الإسلامي والحفاظ عليه.

فأصبحت كمن يُنصّبُ نفسه -حماسةً وجهلاً- معلماً لمادة لم يطأ لها كتاباً قط؛ فأتت بالعجائب وألبست المسلمين ثوباً غير ثوبهم، رامية إياهم بتهمة "التحريض" الذي تمارسه هي نفسها علانيةً في تدويناتها، داعيةً لتجريم رفع الصوت الإسلامي والاكتفاء بالإنكار القلبي والفعلي الخاص، تحت يافطة مطاطية اسمها "الجرائم الإلكترونية". هكذا اختلط عليهم الأمر؛ فمارسوا التحريض الحقيقي ضد المسلمين، وحاولوا وصمهم بما هم أهله وأصحابه، في تناقض صارخٍ مبين.

وفي مفارقة عجيبة، ينص الدستور الأردني صراحة على إسلامية الدولة، ثم لا نجد قوانين تحفظ هذه الخاصية وتحفظ الأصوات المنادية بحفظها. بينما نجد قوانين الجرائم الإلكترونية هي الوسيلة البارزة لكتمها واقتلاعها تحت بنود فضفاضة وواسعة مربوطة بالشأن السياسي مثل: إثارة النعرات، الخطاب التحريضي...

فباتت كل طلّةٍ لتبيان الحكم الشرعي مستهدفة وموسومة بأنها جريمة إلكترونية تحتاج ردعاً حاسماً لحفظ “السلم الأهلي”!