أظهرت دراسة تحليلية تستند إلى سبعة عقود من بيانات التعداد السكاني في الهند أن المخاوف التي يثيرها حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) بشأن النمو السكاني للمسلمين لا تتوافق مع الاتجاهات الديموغرافية الفعلية، مشيرة إلى أن التحدي السكاني الحقيقي الذي تواجهه الهند ليس زيادة عدد المسلمين، بل شيخوخة السكان وتراجع معدلات الخصوبة.
ويقول الخبير الاقتصادي ديف كار، كبير الاقتصاديين الفخريين في مؤسسة “غلوبال فاينانشال إنتيغريتي” وزميل في جامعة ييل، إن البيانات الرسمية تظهر أن الفجوة في معدلات النمو بين الهندوس والمسلمين تتقلص تدريجيًا، وأن الحديث عن احتمال تغير التركيبة الدينية للهند بسبب النمو السكاني أو الهجرة غير النظامية لا تدعمه الأرقام.
خطاب انتخابي متكرر حول السكان المسلمين
لطالما كان ملف النمو السكاني للمسلمين حاضرًا في الخطاب السياسي الهندي، خصوصًا خلال الحملات الانتخابية لحزب بهاراتيا جاناتا.
ففي عام 2002، وقبل انتخابات ولاية غوجارات، استخدم رئيس وزراء الهند الحالي ناريندرا مودي، الذي كان حينها رئيس حكومة الولاية، عبارة مثيرة للجدل حول حجم الأسر المسلمة، في إشارة إلى أن المسلمين ينجبون أعدادًا أكبر من الأطفال.
وفي السنوات اللاحقة، تكرر هذا الخطاب، إذ دعا بعض مسؤولي الحزب الهندوس إلى زيادة معدلات الإنجاب، كما ربط مسؤولون حكوميون في حملات انتخابية سابقة ارتفاع نسبة المسلمين بـ”التساهل مع الهجرة”، خاصة في ولاية البنغال الغربية، حيث اتهم الحزب وجود مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش بالتأثير على التركيبة السكانية.
لكن السؤال الذي تطرحه البيانات هو: هل تؤدي هذه العوامل فعلًا إلى تغيير ديموغرافي واسع يمكن أن يقلب الأغلبية الدينية في الهند؟
ماذا يقول التعداد السكاني؟

يشير التحليل إلى أن التعداد الهندي لا يحصي المواطنين فقط، بل جميع المقيمين المعتادين في البلاد، سواء كانوا مواطنين أو غير ذلك، ما يعني أن أي موجة هجرة كبيرة ستظهر في البيانات السكانية.
وبحسب بيانات التعداد من عام 1951 حتى 2011، ارتفع عدد الهندوس من نحو 303.7 مليون نسمة إلى 966.3 مليونًا، بينما ارتفع عدد المسلمين من 35.4 مليونًا إلى 172.3 مليونًا.
وخلال هذه الفترة، انخفضت نسبة الهندوس من حوالي 84.1% إلى 79.8% من السكان، بينما ارتفعت نسبة المسلمين من 9.8% إلى 14.2%.
ورغم هذا الارتفاع النسبي، يؤكد التحليل أن الفارق العددي بين الطائفتين لم يتقلص، بل اتسع، بسبب الفارق الكبير في حجم السكان الأساسي.
ففي عام 1951 كان عدد الهندوس يزيد على المسلمين بنحو 268 مليون شخص، بينما وصل الفارق عام 2011 إلى قرابة 794 مليونًا.
ويقول التحليل إن أقلية تنمو بمعدل أسرع لكنها تبدأ من قاعدة سكانية أصغر بكثير لا يمكنها تجاوز الأغلبية خلال أي فترة زمنية واقعية.
لا دليل على تأثير هجرة جماعية من بنغلاديش
ركز جزء كبير من الخطاب السياسي على ولاية البنغال الغربية، التي تقع على الحدود مع بنغلاديش، باعتبارها المنطقة الأكثر تأثرًا بما يُسمى “التسلل غير القانوني”.
لكن بيانات التعداد لا تظهر اختلافًا كبيرًا بين معدل نمو المسلمين في البنغال الغربية وبقية الهند.
فبين عامي 1951 و2011، بقيت حصة البنغال الغربية من إجمالي المسلمين في الهند شبه ثابتة، إذ كانت حوالي 14.4% عام 1951 وأصبحت 14.3% عام 2011.
ويشير التحليل إلى أن وجود هجرة جماعية ضخمة كان سيؤدي إلى ارتفاع واضح في نسبة المسلمين في الولاية مقارنة ببقية البلاد، وهو ما لا تظهره البيانات.
ولا ينفي ذلك وجود حالات هجرة غير قانونية عبر الحدود، لكنه يشير إلى أن الأرقام لا تدعم فكرة تدفق ملايين الأشخاص بما يكفي لتغيير التركيبة الدينية للهند أو حتى ولاية كبيرة مثل البنغال الغربية.
الفجوة في معدلات الإنجاب تتقلص
ويشير التقرير إلى أن السبب الأساسي وراء ارتفاع نسبة المسلمين خلال العقود الماضية هو اختلاف معدلات الخصوبة، وليس الهجرة.
فوفق بيانات المسوح الصحية الوطنية الهندية، انخفض معدل الخصوبة لدى النساء المسلمات من حوالي 4.4 أطفال لكل امرأة عام 1992-1993 إلى 2.36 عام 2019-2021.
أما لدى الهندوس، فقد انخفض المعدل من حوالي 3.3 إلى 1.94 خلال الفترة نفسها.
وبذلك تقلص الفرق بين الطرفين من أكثر من طفل واحد لكل امرأة إلى حوالي 0.4 طفل فقط.
ويرى الباحث أن هذا التقارب يعني أن التغير في التركيبة الدينية يتجه نحو الاستقرار، وليس نحو انقلاب ديموغرافي كما يصور بعض الخطاب السياسي.
التحدي الحقيقي: شيخوخة الهند
بدلًا من الخوف من زيادة السكان المسلمين، يرى التحليل أن الهند تواجه تحديًا مختلفًا تمامًا: انخفاض الخصوبة وارتفاع أعداد كبار السن.
فقد انخفض معدل الخصوبة الوطني في الهند إلى أقل من مستوى الإحلال السكاني، حيث وصل إلى نحو 2.0 طفل لكل امرأة بين 2019 و2021، فيما تشير تقديرات أحدث إلى حوالي 1.9.
وفي ولاية البنغال الغربية نفسها، التي تعد مركز الجدل السياسي حول السكان، وصل معدل الخصوبة إلى مستويات منخفضة جدًا تبلغ نحو 1.3 طفل لكل امرأة.
وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا ستتجاوز 20% بحلول عام 2050، مع تزايد الحاجة إلى أنظمة رعاية صحية واجتماعية ومعاشات لكبار السن.
كما أن الهند تواجه خطر فقدان ما يسمى “العائد الديموغرافي”، وهي الفترة التي تستفيد فيها الدول من ارتفاع نسبة السكان في سن العمل، إذا لم تنجح في توفير وظائف وتعليم ورعاية صحية كافية.
الخلاصة
تظهر بيانات التعداد الهندي على مدى ستة عقود أن تغير التركيبة الدينية في البلاد كان محدودًا، وأن ارتفاع نسبة المسلمين ارتبط أساسًا بفارق سابق في معدلات الخصوبة، وهو فارق يتراجع بسرعة.
كما لا تقدم البيانات دليلًا على أن الهجرة غير القانونية من بنغلاديش أدت إلى تغيير ديموغرافي واسع في الهند.
ويرى التحليل أن قضية “الخطر السكاني للمسلمين” أصبحت أداة سياسية مؤثرة في الانتخابات، لكنها لا تعكس الاتجاهات السكانية الفعلية.
أما التحدي الذي سيحدد مستقبل الهند، فهو ليس تغير التوازن الديني، بل كيفية التعامل مع مجتمع يتجه نحو انخفاض الخصوبة وشيخوخة السكان، والاستفادة من الفرصة الاقتصادية قبل إغلاق نافذة العائد الديموغرافي.





اترك تعليقاً