استعاد مطارا دمشق وحلب الدوليان القدرة على استقبال وتشغيل الرحلات الجوية ليلًا وعلى مدار الساعة، بعد إدخال أنظمة ملاحة جوية حديثة إلى الخدمة، في خطوة تنهي قيودًا فنية استمرت لأشهر. وتقول مصادر إقليمية إن التأخير لم يكن تقنيًا فقط، بل ارتبط باعتراض إسرائيلي على رحلات المعايرة اللازمة لتشغيل الأنظمة في محيط دمشق.
وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية، الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026 (13 ربيع الآخر 1448هـ)، الانتهاء من معايرة واختبار منظومتي ILS/DME وDVOR/DME في مطاري دمشق وحلب ودخولهما الخدمة. وتسمح هذه التجهيزات للطائرات بالاقتراب والهبوط بصورة أكثر أمانًا ليلًا وفي ظروف انخفاض الرؤية والضباب والطقس السيئ، ما يرفع جاهزية المطارين للعمل على مدار 24 ساعة.
وتؤكد بيانات الطيران السورية الحالية أن نظام ILS/DME في مطار دمشق أصبح تشغيليًا، إلى جانب منظومات الملاحة الجديدة، بينما تعمل خدمات المراقبة الجوية في مطاري دمشق وحلب على مدار الساعة.
لماذا تأخر تشغيل الأنظمة؟
بحسب تقرير نشره «ميدل إيست آي» نقلًا عن مسؤولين ودبلوماسيين إقليميين، كانت تجهيزات الملاحة موجودة منذ أكثر من ستة أشهر، لكن تشغيلها كان يتطلب رحلات خاصة لمعايرتها واختبارها في محيط مطار دمشق. وقال مسؤول إقليمي كبير للموقع إن إسرائيل هددت بإسقاط الطائرات الصغيرة إذا نفذت رحلات المعايرة ضمن النطاق الذي كان مقررًا في البداية، وهو نحو 50 كيلومترًا حول المطار. وهذه الرواية لم تعلنها الحكومة السورية رسميًا ولم أجد تأكيدًا إسرائيليًا علنيًا لها، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها معلومات منسوبة إلى مصادر إقليمية.
وتزداد حساسية المسألة بسبب التغيرات العسكرية جنوب سوريا؛ فبعد توسع الوجود الإسرائيلي في مناطق سورية عقب سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، أصبحت القوات الإسرائيلية أقرب جغرافيًا إلى العاصمة السورية مما كانت عليه سابقًا.
حل تقني أنهى الأزمة
ووفق المصادر نفسها، ظهر مخرج عندما توصل الفنيون إلى إمكانية إجراء رحلات المعايرة ضمن نطاق يبلغ نحو 25 كيلومترًا بدلًا من 50 كيلومترًا حول مطار دمشق.
وأبلغ الجانب السوري “إسرائيل” بنيته إجراء الاختبارات وفق الترتيب الجديد، وبحسب مسؤول إقليمي تحدث للموقع، لم تعترض إسرائيل هذه المرة. وبعد ذلك بدأت الهيئة السورية رسميًا رحلات المعايرة في 17 سبتمبر/أيلول، ثم أعلنت في 24 سبتمبر اكتمال الاختبارات ودخول الأنظمة الخدمة.
ولهذا فإن عبارة «إسرائيل رفعت الحظر» الواردة في التقرير تحتاج إلى شيء من الدقة: لا يتعلق الأمر بحظر جوي إسرائيلي معلن رسميًا على الرحلات الليلية السورية، وإنما — وفق المصادر الإقليمية — باعتراض إسرائيلي كان يمنع عمليًا تنفيذ رحلات المعايرة الضرورية لتشغيل أنظمة الملاحة الجديدة، قبل أن تتوقف “إسرائيل” عن الاعتراض على الاختبارات بصيغتها الجديدة.
خلاف أوسع حول المجال الجوي السوري
ولا تبدو القضية منفصلة عن التنافس الأمني الأوسع في الأجواء السورية. فبحسب التقرير، سبق أن اعترضت إسرائيل أيضًا على نشر رادار HTRS-100 في مطار دمشق، وهو نظام تركي الصنع من إنتاج شركة ASELSAN ويستخدم في مراقبة الحركة الجوية المدنية، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تحد أنظمة الرصد الجديدة من حرية عملياتها الجوية فوق سوريا.=
ويربط دبلوماسيون إقليميون التراجع الإسرائيلي الأخير بمحاولات خفض التوتر بين “إسرائيل” وتركيا داخل الساحة السورية، خصوصًا بعد ضربة إسرائيلية استهدفت الشهر الماضي قاعدة جوية سورية قريبة من الوجود التركي وأثارت مخاوف أمريكية من احتمال وقوع احتكاك مباشر بين الطرفين. وهذه قراءة للمصادر الدبلوماسية وليست تفسيرًا إسرائيليًا رسميًا للقرار.
ماذا يعني ذلك لسوريا؟
عمليًا، يمثل تشغيل الأنظمة الجديدة تطورًا مهمًا لقطاع الطيران المدني السوري. فالعمل ليلًا وفي ظروف الرؤية المنخفضة يسمح بزيادة عدد الرحلات، واستقبال مزيد من شركات الطيران، وتقليل القيود التشغيلية المرتبطة بساعات النهار والطقس. وتقول هيئة الطيران السورية إن 17 شركة سورية وعربية ودولية تعمل حاليًا في مطار دمشق، مقابل 14 شركة في مطار حلب.
وبذلك تتجاوز القضية مجرد عودة الرحلات الليلية؛ فهي تكشف أيضًا حجم التشابك بين إعادة بناء البنية التحتية المدنية السورية وبين الواقع العسكري والأمني الجديد في المنطقة، حيث يمكن لمسألة تقنية مثل معايرة نظام هبوط مدني أن تتحول إلى ملف مرتبط بإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة وترتيبات منع الاحتكاك في الأجواء السورية.





اترك تعليقاً