دخل التصعيد العسكري في اليمن مرحلة جديدة مع اتساع المواجهات بين القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية والحوثيين المدعومين من إيران على جبهات تعز ولحج ومأرب والجوف، بالتزامن مع استمرار الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية، وتحول المناطق المحيطة بمضيق باب المندب إلى واحدة من أهم ساحات المعركة.
وخلال الساعات الأخيرة، أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم جديد على الحدود بين تعز ولحج واستهداف مواقع وآليات للحوثيين في كهبوب ومأرب والجوف، بينما قالت السعودية إنها اعترضت هجمات حوثية جديدة باتجاه خميس مشيط والرياض، بعد يومين من اعتراض ستة صواريخ باليستية كانت متجهة إلى الطائف وينبع.
ويأتي التصعيد وسط أزمة إنسانية متسارعة دفعت أكثر من 100 ألف شخص إلى النزوح خلال أسابيع، فيما حذرت الأمم المتحدة من تعرض مخيمات للنازحين ومرافق صحية لهجمات وسقوط مدنيين بينهم أطفال.
تقدم حكومي بين تعز ولحج
أعلنت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، الجمعة 25 سبتمبر/أيلول 2026 (14 ربيع الآخر 1448هـ)، تحقيق تقدم ميداني جديد في المرتفعات الواقعة بين محافظتي تعز ولحج بعد معارك مع الحوثيين المدعومين من إيران.
وقالت قوات «درع الوطن» إنها، بمساندة قوات العمالقة ومقاتلين قبليين، سيطرت على قمة جبل نُمان وتلة دار الكافر المطلتين على مديرية الوازعية بمحافظة تعز ومديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج.
وتكتسب المنطقة أهمية خاصة لقربها من جبهة كهبوب والمرتفعات المشرفة على المناطق المؤدية إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب القوات الحكومية، استهدفت طائرة مسيّرة آلية للحوثيين في جبهة كهبوب، ما أدى، وفق روايتها، إلى مقتل قائد كتيبة ومرافق له، كما استهدفت المدفعية تجمعات حوثية في المنطقة. ولم يصدر تأكيد مستقل لحصيلة القتلى.
وتأتي هذه التحركات بعد المكاسب الواسعة التي حققها الحوثيون على الساحل الغربي خلال التصعيد الحالي، والتي نقلت المعارك إلى المرتفعات المحيطة بباب المندب وجنوب غربي تعز.
معركة كهبوب.. صراع على المرتفعات المطلة على باب المندب

ولا تزال جبال كهبوب تمثل إحدى أكثر جبهات القتال حساسية، إذ تحاول القوات الحكومية منع الحوثيين من تثبيت مواقعهم في المرتفعات التي تمنح من يسيطر عليها قدرة على الإشراف على مساحات واسعة من المناطق المحيطة بالمضيق.
ونشرت القوات الحكومية، السبت 26 سبتمبر/أيلول (15 ربيع الآخر)، مشاهد قالت إنها تظهر استهداف فريق هندسي تابع للحوثيين أثناء محاولته زرع عبوات ناسفة في أحد مواقع جبهة كهبوب.
ولا يتوفر تحقق مستقل من ظروف التصوير أو الخسائر الناتجة عن العملية، ولذلك تبقى المعلومات منسوبة إلى القوات الحكومية.
وفي وقت سابق، حاول الحوثيون التقدم باتجاه طرق تربط تعز بعدن، فيما قالت القوات الحكومية إنها صدت هجمات ليلية استهدفت مناطق قريبة من طريق هيجة العبد، أحد أهم شرايين تعز باتجاه المحافظات الجنوبية.
وباتت المعركة في هذا المحور تتجاوز السيطرة على المرتفعات نفسها، إذ يرتبط بها تأمين طرق الإمداد نحو تعز ولحج وعدن، فضلًا عن الاقتراب من باب المندب.
مأرب والجوف.. المسيّرات تدخل بقوة على خطوط المواجهة
امتدت العمليات العسكرية أيضًا إلى مأرب والجوف.
ونشرت القوات الحكومية مساء الجمعة مشاهد قالت إنها تظهر استهداف آلية عسكرية للحوثيين في جبهة مأرب بواسطة طائرة مسيّرة، دون إعلان حصيلة للخسائر.
كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربة بمسيّرة ضد آليات وتحركات للحوثيين شمالي محافظة الجوف.
وتضاف هذه التطورات إلى المواجهات التي شهدتها جبهات مأرب خلال الأسابيع الأخيرة، ولا سيما المشجح والكسارة ومحيط الزور، في وقت يحاول فيه الحوثيون الضغط على أكثر من محور بالتزامن مع معارك الساحل وتعز ولحج.
ولا تتوفر حتى الآن مؤشرات موثوقة على حدوث تغير واسع في خطوط السيطرة في مأرب أو الجوف خلال الساعات الأخيرة، ولذلك ينبغي الفصل بين عمليات الاستهداف المعلنة وبين إثبات تقدم بري جديد.
الحوثيون يواصلون الهجمات على السعودية

وبالتزامن مع المعارك داخل اليمن، استمرت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية.
وقال التحالف بقيادة السعودية، السبت 26 سبتمبر، إن الدفاعات الجوية اعترضت صاروخًا باليستيًا أطلقه الحوثيون باتجاه خميس مشيط، إضافة إلى طائرتين مسيّرتين كانتا متجهتين نحو الرياض.
وتأتي الهجمات بعد موجة أكبر يوم الخميس، عندما أعلن التحالف اعتراض ستة صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون باتجاه الطائف ومنطقة ينبع على ساحل البحر الأحمر.
وكانت صافرات الإنذار قد أطلقت في عدة مناطق سعودية، بينها مكة والطائف وتبوك وينبع وجدة، قبل إعلان زوال الخطر.
وفي المقابل، قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن الجماعة نفذت عمليات استهدفت ما وصفه بـ«هدف حساس» في الرياض ومنشآت لشركة أرامكو في ينبع، مستخدمة صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة، وزعم أن العمليات حققت أهدافها.
ولم تؤكد السعودية إصابة هدف في الرياض، بينما أكدت اعتراض الصواريخ التي كانت متجهة إلى الطائف وينبع. ولذلك لا يمكن اعتماد الرواية الحوثية بشأن إصابة الأهداف بوصفها حقيقة مثبتة.
كما قال الحوثيون إن السعودية نفذت، الجمعة، 14 غارة وضربة صاروخية في أربع محافظات يمنية. وهذه حصيلة صادرة عن الجماعة ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع المواقع أو النتائج.
العليمي يدعو إلى «التعبئة العامة» ويعرض العفو على المنشقين عن الحوثيين
سياسيًا، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الجمعة، اليمنيين إلى «التعبئة العامة والوطنية» والالتفاف حول القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والانضمام إلى صفوفها عبر القنوات الرسمية.
وقال العليمي، في خطاب بمناسبة الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر، إن هدف الحكومة هو استعادة مؤسسات الدولة وفرض سيادتها على كامل الأراضي اليمنية، بما فيها صنعاء.
وفي خطوة تهدف إلى تشجيع الانشقاقات من الحوثيين، أعلن العليمي أن من يترك الجماعة سيمكن أن يستفيد من عفو عام، على أن يصدر وفق الإجراءات الدستورية والقانونية.
وتكتسب الدعوة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد الخسائر التي تعرضت لها القوات الحكومية على الساحل الغربي والتقدم الحوثي الذي أعاد رسم خطوط المواجهة ووصل بالقتال إلى المناطق القريبة من باب المندب.
تحرك عسكري سعودي تركي باكستاني

وتزامن التصعيد مع اجتماع عسكري رفيع المستوى في الرياض، الجمعة، ضم رؤساء هيئات أركان القوات المسلحة في السعودية وتركيا وباكستان في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
وقالت وزارة الدفاع السعودية إن الاجتماع تناول التهديدات الأمنية التي تواجه المملكة وتعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي وتكامل القدرات في مجالات الردع والدفاع الجماعي.
كما التقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان قائد الجيش الباكستاني، وقال إن الجانبين بحثا الهجمات التي استهدفت المملكة والمنشآت المدنية والاقتصادية، واتفقا على مواصلة العمل المشترك لمواجهتها وفق اتفاقية مكة.
ويأتي الاجتماع في ظل ارتفاع وتيرة الهجمات الحوثية على السعودية وتحول التصعيد اليمني من مواجهة داخلية إلى أزمة أمنية ذات أبعاد إقليمية أوسع.
نحو 80 دولة تحذر من تحركات الحوثيين قرب باب المندب
دوليًا، حذرت نحو 80 دولة من التصعيد الحوثي وتحركات الجماعة باتجاه باب المندب، معتبرة أن استمرار العمليات في المنطقة يهدد الأمن البحري والتجارة والملاحة الدولية.
كما أدان مجلس الأمن هجمات الحوثيين والتهديدات التي تستهدف الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، ودعا إلى وقف التصعيد والهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية.
وتزداد أهمية هذه التحذيرات مع انتقال المعارك إلى جبال ومناطق قريبة من المضيق، الذي تمر عبره حركة تجارية دولية واسعة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
الأمم المتحدة: مخيمات ومرافق صحية تعرضت للهجوم
ومع اتساع رقعة القتال، تتزايد الخسائر التي يتحملها المدنيون.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن مكتبه وثق منذ أغسطس/آب ثلاث هجمات نفذها الحوثيون على مواقع للنازحين داخليًا.
كما قالت وكالات أممية إن مخيمات للنازحين ومراكز صحية تعرضت لهجمات خلال موجة العنف الحالية، محذرة من تزايد عدد الضحايا المدنيين، بمن فيهم الأطفال.
ويمثل التصعيد الحالي أحد أخطر التحولات في الحرب اليمنية منذ الهدنة التي بدأت عام 2022 وخففت لسنوات من حدة القتال على كثير من الجبهات.
أرقام متباينة للنزوح.. وأكثر من 180 ألفًا وفق الحكومة

وتكشف بيانات النزوح عن حجم الأزمة المتسارعة، وإن كانت الأرقام تختلف بحسب الجهة والفترة التي يغطيها كل إحصاء.
فقد قدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها الصادر في 22 سبتمبر أن نحو 128 ألف شخص نزحوا حديثًا منذ تصاعد القتال في سبتمبر، إضافة إلى نحو 5.2 ملايين نازح كانوا موجودين بالفعل داخل اليمن.
وتحدثت تقارير أحدث عن تجاوز العدد 130 ألفًا.
في المقابل، قالت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين التابعة للحكومة اليمنية إن إجمالي المتضررين الذين نزحوا قسرًا جراء التصعيد بلغ 27,413 أسرة تضم 180,513 أشخاص موزعين على عشر محافظات.
وبحسب التقرير الحكومي، استقبلت تعز العدد الأكبر بواقع 13,409 أسر تضم 93,917 شخصًا، تلتها لحج بـ5,782 أسرة، ثم عدن بـ3,741 أسرة، وأبين بـ2,157 أسرة، بينما سجلت الحديدة نزوح 1,471 أسرة، إلى جانب مئات الأسر في مأرب والضالع والمهرة وحضرموت وشبوة.
ولا يوجد بالضرورة تعارض مباشر بين الرقم الحكومي والتقدير الأممي، لاختلاف منهجية وفترة الرصد؛ ولذلك ينبغي نسبة كل رقم إلى مصدره وعدم دمجهما في حصيلة واحدة.
تحذير من نزوح أكثر من 230 ألف شخص
والأخطر أن الأزمة قد تكون في بدايتها.
فقد حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن استمرار التصعيد قد يرفع عدد النازحين الجدد داخل اليمن إلى أكثر من 230 ألف شخص.
كما تستعد المفوضية لاحتمال وصول أكثر من عشرة آلاف شخص إلى جيبوتي عبر البحر الأحمر إذا استمرت المعارك، بعدما بدأ آلاف اليمنيين بالفعل في عبور البحر هربًا من القتال.
ويواجه النازحون نقصًا في المأوى والغذاء والمياه والخدمات الصحية، بينما تعاني الاستجابة الإنسانية أصلًا من فجوة تمويلية كبيرة.
وأعلنت بريطانيا تخصيص 10 ملايين جنيه إسترليني للاستجابة الإنسانية الطارئة في اليمن، تشمل تمويل الغذاء والرعاية الصحية والتغذية والتطعيمات للنازحين والمتضررين.
تعز تحت ضغط عسكري وإنساني متزايد
وتبقى تعز في قلب التطورات الحالية، إذ تتقاطع فيها عدة محاور: القتال في الغرب والجنوب الغربي، محاولة تأمين الطريق نحو عدن، الضغط الحوثي القادم من الساحل، والنزوح الواسع للسكان.
وتشير بيانات الحكومة إلى أن المحافظة تستضيف أكثر من نصف النازحين المسجلين لديها خلال التصعيد الحالي.
كما تتعرض المنشآت الصحية لضغط متزايد مع ارتفاع أعداد المصابين ونقص الوقود والأدوية وتعطل طرق الإمداد في بعض المناطق.
وهكذا لم تعد المعركة في تعز مجرد مواجهة على خطوط تماس محلية؛ بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالصراع على الممرات بين الساحل الغربي وباب المندب ولحج وعدن.
من الساحل الغربي إلى باب المندب.. خريطة الحرب تتغير

تكشف تطورات الأسابيع الأخيرة أن جولة القتال الحالية تختلف عن الاشتباكات المحدودة التي شهدتها الجبهات اليمنية بعد هدنة 2022.
فقد حقق الحوثيون المدعومون من إيران مكاسب واسعة على الساحل الغربي، بينما تحاول القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية تثبيت خطوط دفاع جديدة واستعادة المبادرة في المرتفعات الممتدة بين تعز ولحج.
وأصبحت كهبوب والوازعية والمضاربة ورأس العارة وطريق تعز–عدن نقاطًا مركزية في هذه المواجهة، بالتوازي مع استمرار الضغط في مأرب والجوف.
وفي المقابل، وسع الحوثيون المواجهة عبر الحدود بهجمات متكررة بالصواريخ والمسيّرات على السعودية، وهو ما دفع الرياض إلى تعزيز دفاعاتها وتكثيف التنسيق العسكري مع حلفائها.
وبينما لم تعد خريطة السيطرة مستقرة كما كانت قبل أسابيع، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضررًا: عشرات الآلاف يغادرون منازلهم، ومخيمات النزوح والمرافق الصحية تدخل دائرة الاستهداف، فيما تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار المعارك قد يدفع بمئات الآلاف إلى نزوح جديد ويفتح موجة عبور أكبر عبر البحر الأحمر.
ومع استمرار القتال قرب باب المندب، لم يعد التصعيد اليمني يهدد الداخل اليمني والسعودية فحسب، بل بات يرتبط مباشرة بأمن واحد من أهم الممرات البحرية الدولية، ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المواجهات ستظل جولة تصعيد واسعة أم تتحول إلى عودة كاملة للحرب المفتوحة.






اترك تعليقاً