تتسع رقعة النزوح في غرب السودان مع استمرار القتال في دارفور وتصاعد العمليات العسكرية في إقليم كردفان، حيث وصلت مئات الأسر الجديدة إلى منطقة طويلة في شمال دارفور، بينما تشهد شمال وغرب كردفان تحشيدًا عسكريًا وضربات جوية واستخدامًا متزايدًا للطائرات المسيّرة، وسط تقارير عن اعتقالات وانتهاكات بحق المدنيين في بعض المناطق.
وأعلنت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في دارفور، الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026 (12 ربيع الآخر 1448هـ)، أن 634 أسرة تضم نحو 3,407 أشخاص وصلت إلى منطقة طويلة بولاية شمال دارفور منذ بداية سبتمبر/أيلول الجاري.
وبحسب المتحدث باسم المنسقية آدم رجال، وصلت أحدث دفعة خلال يومي 21 و22 سبتمبر، وضمت 121 أسرة تضم نحو 605 أشخاص، فيما يشكل النساء والأطفال وكبار السن غالبية النازحين الجدد.
وقال رجال إن بعض الأسر تعرضت للنزوح أكثر من ثلاث مرات قبل وصولها إلى طويلة، بعد فرارها من مناطق في شمال دارفور، بينها طرة ودار السلام ودار سميات وعلونة وكفود.
سوء تغذية ومخاوف من انتشار الأمراض
ولا تنتهي معاناة الأسر بوصولها إلى طويلة؛ إذ تقول المنسقية إن الوافدين الجدد يواجهون نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والمياه النظيفة والمأوى والرعاية الصحية، مع تسجيل حالات سوء تغذية بين الأطفال والنساء.
كما أدى نقص المراحيض ومرافق الصرف الصحي إلى انتشار التغوط في العراء، وفق المنسقية، وهو ما يرفع مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، بما فيها الكوليرا والإسهالات المائية الحادة والتيفوئيد. وطالبت المنسقية المنظمات الإنسانية بتوفير الغذاء والأدوية والمياه ومستلزمات الإيواء والصرف الصحي بصورة عاجلة، إضافة إلى خدمات الحماية والدعم النفسي للنساء والأطفال.
وأصبحت طويلة خلال الحرب واحدة من أبرز مناطق استقبال النازحين الفارين من مناطق القتال في دارفور، ما يضع الخدمات والموارد المحدودة في المنطقة تحت ضغط متزايد.
كردفان.. المسيّرات تعود إلى الواجهة
وبالتزامن مع تفاقم الأزمة الإنسانية في دارفور، تستمر العمليات العسكرية في إقليم كردفان، الذي أصبح من أهم جبهات الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، نظرًا إلى موقعه بين وسط السودان ودارفور وأهمية الطرق التي تمر عبره.
وأعلن الجيش السوداني، الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026 (13 ربيع الآخر 1448هـ)، أن دفاعاته الجوية أسقطت طائرة مسيّرة طويلة المدى من طراز FH-95 شمال شرقي منطقة الكوكيتي بولاية شمال كردفان.
ووصف الجيش الطائرة بأنها «معادية» دون أن يحدد في بيانه الجهة التي أطلقتها. وأظهر مقطع مصور تداولته منصات موالية للجيش، وراجعته إذاعة «راديو تمازج»، حطام طائرة مسيّرة وحولها جنود، بينما لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على الواقعة.
ويأتي الحادث في ظل اعتماد متزايد على المسيّرات في جبهة كردفان. وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد وثقت، خلال فترة سابقة بين 6 و28 يونيو/حزيران، 15 ضربة بالمسيّرات في الأبيض ومحيطها أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 45 مدنيًا وإصابة 41، مشيرة إلى استخدام طرفي الحرب المسيّرات وضرب أسواق ومدارس ومحطات وقود ومنشآت مياه ومركبات مدنية.
اعتقالات ونزوح من مناطق شمال كردفان
وفي تطور موازٍ، أفادت مصادر محلية لـ«سودان تربيون» في 24 سبتمبر بأن قوات الدعم السريع تنفذ حملات اعتقال وانتهاكات بحق المدنيين في مناطق غربي وشمال غربي شمال كردفان، بالتزامن مع موجة نزوح من عدد من البلدات.
وتأتي هذه التقارير في وقت يقول فيه الجيش إنه يواصل التقدم باتجاه المناطق الغربية من شمال كردفان وصولًا إلى المحاور المؤدية إلى دارفور. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الانتهاكات التي تحدثت عنها المصادر المحلية، كما لم يظهر رد مفصل من قوات الدعم السريع عليها حتى وقت نشر التقارير.
وكان الجيش قد أعلن في 17 سبتمبر/أيلول استعادة 11 منطقة في شمال كردفان بعد معارك مع قوات الدعم السريع، وهو إعلان عسكري لم يتسن التحقق مستقلًا من كامل تفاصيله.
تراجع القتال البري وتصاعد الغارات الجوية
ميدانيًا، أفادت تقارير الخميس بأن وتيرة الاشتباكات البرية في كردفان تراجعت نسبيًا خلال اليومين الأخيرين، لكن ذلك تزامن مع تكثيف الجيش السوداني غاراته الجوية وهجمات المسيّرات على مواقع وتجمعات قال إنها تابعة لقوات الدعم السريع في شمال وغرب كردفان.
ونقلت «العربية/الحدث» عن مصادرها رصد تحركات لعبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، في محلية ود بندة بغرب كردفان بعد وصوله من نيالا، في مؤشر على استمرار التحشيد وإعادة الانتشار رغم انخفاض وتيرة المواجهات البرية المباشرة. وهذه المعلومات منسوبة إلى مصادر القناة ولم يتسن تأكيدها بصورة مستقلة.
كما أفادت تقارير أخرى بأن الطيران الحربي السوداني استهدف قوافل إمداد قالت مصادر عسكرية إنها تابعة للدعم السريع في المحور الصحراوي قرب الحدود مع جنوب شرقي ليبيا، إلى جانب استمرار ضربات جوية على نيالا في جنوب دارفور. وتبقى تقديرات الخسائر والنتائج العسكرية لهذه الضربات قائمة أساسًا على مصادر مرتبطة بالميدان ولا تتوافر لها حصيلة مستقلة حتى الآن.
المدنيون بين المسيّرات والنزوح
ويظهر أثر التصعيد بوضوح على السكان المدنيين. ففي 20 سبتمبر/أيلول، قالت شبكة أطباء السودان إن شخصين قتلا وأصيب 20 آخرون إثر هجمات بالمسيّرات نسبت الشبكة تنفيذها إلى قوات الدعم السريع واستهدفت عددًا من أحياء مدينة الأبيض في شمال كردفان.
وفي اليوم نفسه، تعرض مستودعان للمواد التعليمية في محلية شيكان لهجمات بالمسيّرات دمرت، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، أكثر من 292 ألف كتاب مدرسي و40 ألف كتاب للمراجعة في مادتي العربية والرياضيات، إلى جانب مواد تعليمية أخرى. ولم تحدد يونيسف الجهة المسؤولة عن الضربات، ولذلك لا يمكن نسب هذا الهجوم إلى أحد طرفي الحرب دون دليل إضافي.
وتكشف التطورات المتزامنة في كردفان ودارفور عن ترابط متزايد بين الجبهتين: فبينما تتحرك القوات على المحاور التي تربط وسط السودان بغربه وتتزايد الضربات الجوية والمسيّرة، تستمر حركة السكان في الاتجاه المعاكس، بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا.
وفي طويلة، حيث وصل أكثر من 3,400 نازح خلال أقل من شهر، لا يعني الوصول بالضرورة انتهاء الخطر؛ إذ تواجه الأسر التي نجت من مناطق الحرب تهديدًا آخر يتمثل في الجوع وسوء التغذية ونقص المياه والرعاية الصحية واحتمال تفشي الأمراض، وسط تحذيرات من أن قدرات الاستجابة الإنسانية لا تواكب حجم الاحتياجات المتزايدة.





اترك تعليقاً