لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على النفوذ بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى كارثة واسعة أعادت رسم خريطة البلاد ودفعت عاصمتها الخرطوم ثمنًا باهظًا. وهذا هو المحور الذي يسلط عليه تقرير «The Economist» المنشور في 6 أغسطس/آب 2026، والذي يرصد آثار المعركة على العاصمة وما خلفته سنوات القتال من دمار واسع.
اندلعت الحرب في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعدما تصاعد الخلاف بين الطرفين بشأن تقاسم السلطة وترتيبات دمج الدعم السريع في الجيش. وسرعان ما تحولت الخرطوم إلى مركز رئيسي للمعارك، قبل أن يستعيد الجيش السيطرة على العاصمة خلال عام 2025، بينما انتقلت ثقل المواجهات تدريجيًا إلى دارفور وكردفان ومناطق أخرى.
الخرطوم.. عاصمة دفعت ثمن الصراع
كانت الخرطوم من أكثر المناطق تضررًا من الحرب. فقد تحولت أحياء واسعة من العاصمة، التي كانت تضم ملايين السكان ومراكز الدولة والاقتصاد، إلى مناطق مدمرة أو شبه خالية، بعد أن شهدت قتالًا عنيفًا وعمليات نزوح واسعة.
وتشير بيانات جمعتها الجزيرة إلى أن الخرطوم سجلت 5,651 هجومًا منذ اندلاع الحرب، أي نحو 42% من إجمالي الحوادث المسجلة، ما يوضح حجم التركيز الذي شهدته العاصمة خلال المراحل الأولى من النزاع.
وبعد استعادة الجيش للمدينة، بدأت مرحلة جديدة أكثر صعوبة: كيف تعود الحياة إلى عاصمة أنهكتها الحرب؟
فحتى بعد تراجع القتال، بقيت آثار الدمار واضحة في المباني والمنشآت العامة والأسواق والبنية التحتية. وأظهر تقرير لوكالة أسوشيتد برس في أبريل/نيسان 2026 أن الخرطوم كانت تستعيد بعض مظاهر الحياة ببطء، لكن أجزاء كبيرة منها بقيت هادئة ومدمرة، مع استمرار الصعوبات المتعلقة بالمياه والكهرباء والخدمات الأساسية.
انتصار عسكري لا يعني نهاية الحرب
استعادة الجيش للخرطوم شكلت نقطة تحول كبيرة في الحرب، لكنها لم تنه الصراع.
فبحسب تقييم الحكومة البريطانية للوضع الأمني في يوليو/تموز 2026، يسيطر الجيش على شرق ووسط السودان وأجزاء واسعة من البلاد، بينما ما زالت قوات الدعم السريع تسيطر على مناطق واسعة في الغرب، خصوصًا دارفور، مع استمرار القتال في كردفان وامتداده إلى النيل الأزرق.
وبذلك انتقلت الحرب من معركة حاسمة على العاصمة إلى صراع أكثر انتشارًا، تتداخل فيه السيطرة على المدن والطرق والمناطق الاستراتيجية مع النزاع على موارد البلاد ومستقبلها السياسي.
والنتيجة أن السودان لا يخرج من الحرب بمنتصر واضح يستطيع ببساطة إعادة بناء الدولة، بل ببلد منهك ومقسم ومثقل بالدمار والنزوح.
من الخرطوم إلى بقية السودان
إذا كانت الخرطوم قد أصبحت رمزًا للدمار الذي خلفته الحرب، فإن الأزمة الإنسانية تجاوزت العاصمة بكثير.
وتشير تقديرات حديثة إلى مقتل عشرات الآلاف في الحرب، مع التأكيد أن أرقام الضحايا يصعب حصرها بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال. كما يحتاج ملايين السودانيين إلى المساعدات الإنسانية، بينما تسببت الحرب في واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم.
وفي الوقت نفسه، أصبحت كردفان إحدى أبرز ساحات الحرب الجديدة، في ظل سعي الطرفين إلى تعزيز مواقعهما والسيطرة على طرق ومراكز ذات أهمية استراتيجية. ويُظهر استمرار القتال هناك أن استعادة الخرطوم لم تكن سوى نهاية مرحلة من الحرب، لا نهاية للحرب نفسها.
المشكلة الأكبر: ماذا بعد المعركة؟
تكمن المأساة السودانية في أن تكلفة الحرب لا تنتهي بانحسار المعارك. فالخرطوم تحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، وعودة ملايين النازحين تتطلب خدمات أساسية ومساكن وبنية تحتية، فضلًا عن استعادة المدارس والمستشفيات والأسواق والمؤسسات التي تعطلت أو دمرت.
كما أن إعادة بناء العاصمة وحدها لن تكون كافية إذا بقيت بقية البلاد عالقة في الصراع.
وهنا تبرز القضية السياسية باعتبارها جوهر الأزمة: لا يمكن إعادة بناء السودان من دون تسوية توقف الحرب، ولا يمكن تثبيت السلام من دون معالجة جذور الصراع على السلطة وبناء مؤسسات دولة قادرة على استيعاب القوى السياسية والعسكرية ضمن نظام مدني مستقر.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن حسم السيطرة على مدينة أو منطقة لا يكفي لإنهاء النزاع؛ فبعد خروج المعارك من الخرطوم، انتقلت إلى مناطق أخرى. ولذلك فإن استمرار الحرب يعني ببساطة انتقال الدمار من مدينة إلى أخرى.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى مشروع إنقاذ شامل يعيد بناء الدولة والمجتمع معًا. فالخرطوم التي خرجت من معركة السيطرة عليها مثقلة بالركام تمثل صورة مصغرة عن بلد دفع صراع النخب العسكرية ثمنه من مدنه ومؤسساته واقتصاده، والأهم من ذلك من حياة الملايين ومستقبلهم.





اترك تعليقاً