لم تعد مشاهد اقتحام المسجد الأقصى في مواسم الأعياد اليهودية حدثًا عابرًا يمكن اختزاله في أرقام المقتحمين أو في جولة تنتهي بخروجهم من باب السلسلة. ما شهده الأقصى خلال ما يسمى يهوديًا «عيد العرش» (سوكوت) في سبتمبر/أيلول 2026 يحمل مؤشرات أكثر خطورة: أعداد كبيرة، صلوات وطقوس جماعية علنية، إدخال أدوات مرتبطة بالشعائر الدينية، مشاركة وزراء ونواب إسرائيليين، وتصريحات تتحدث صراحة عن «السيادة» و«ملكية المكان».
ولهذا وصفت دائرة شؤون القدس التطورات بأنها «تصعيد غير مسبوق»، محذرة من أن الأمر يتجاوز مجرد الاقتحامات إلى محاولة تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.
من الزيارة إلى الصلاة العلنية
تكمن خطورة ما يجري في التحول التدريجي في طبيعة الاقتحامات.
فوفق الترتيبات المعروفة بالوضع التاريخي القائم، يستطيع غير المسلمين زيارة باحات الأقصى في أوقات محددة، بينما تبقى العبادة الإسلامية هي العبادة المسموح بها في الحرم. وحتى وسائل الإعلام الإسرائيلية تؤكد أن اليهود، وفق الوضع القائم رسميًا، غير مسموح لهم بالصلاة هناك.
لكن المشاهد خلال «عيد العرش» أظهرت واقعًا مختلفًا.
فقد أدى مقتحمون صلوات جماعية بصورة علنية، ومارسوا طقوسًا دينية داخل الباحات، واستخدم بعضهم ما يعرف بـ«الأنواع الأربعة» المرتبطة بشعائر سوكوت. وأظهرت تسجيلات نشرتها جهات إسرائيلية مجموعات تؤدي الصلاة علنًا داخل الحرم.
ورصدت محافظة القدس كذلك إدخال «قرابين نباتية» وأداء السجود الجماعي وطقوس دينية أخرى داخل ساحات المسجد. وفي 28 سبتمبر/أيلول وحده، قالت المحافظة إن 1,792 مستوطنًا اقتحموا الأقصى خلال الفترتين الصباحية والمسائية.
أما الأرقام الأوسع فتظهر حجم التحول: قالت محافظة القدس إن 40,661 مستوطنًا اقتحموا الأقصى منذ بداية 2026 وحتى نهاية أغسطس/آب، فيما صدرت نحو 800 حالة إبعاد لفلسطينيين عن المسجد منذ بداية العام وحتى مطلع سبتمبر/أيلول.
هذه المفارقة تختصر جانبًا أساسيًا من المشهد: توسيع قدرة جماعات يهودية على ممارسة شعائرها داخل الأقصى بالتزامن مع تقييد وصول فلسطينيين ومسلمين إليه.
حين يدخل الوزراء إلى المشهد
الأخطر أن هذه الممارسات لم تعد محصورة في جماعات «جبل الهيكل» أو نشطاء دينيين هامشيين.
فقد اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسجد الأقصى خلال «عيد العرش»، وأدى طقوسًا دينية فيه، بينما دخل وزير الدفاع يسرائيل كاتس محيط المسجد بالتزامن مع وجود أعداد كبيرة من المستوطنين.
ومن داخل الأقصى أعلن بن غفير:
«نحن أصحاب المكان في الأقصى».
ثم تحدث صراحة عن الصلاة في المسجد ووصفه بأنه «أهم مكان للشعب اليهودي».
هنا يصبح من الصعب فصل الممارسة الدينية عن المشروع السياسي.
فبن غفير ليس ناشطًا يقف خارج مؤسسات الدولة، بل وزير يشرف على الشرطة الإسرائيلية نفسها، أي المؤسسة التي تحدد عمليًا من يدخل المسجد وكيف تُدار عمليات الاقتحام.
ومن هنا تأتي دلالة المشهد: الجهة التي يفترض أن تطبق القيود القائمة على الصلاة اليهودية هي نفسها الخاضعة سياسيًا لوزير يعلن أن الصلاة في الأقصى أصبحت حقًا ويشارك فيها بنفسه.
بل إن وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت في أغسطس/آب عن السماح للمرة الأولى بإدخال كتب صلاة يهودية إلى الموقع في حالات معينة، بينما يؤكد مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رسميًا أن الوضع القائم لم يتغير.
وبين الخطاب الرسمي والممارسة على الأرض تتسع فجوة يصعب تجاهلها.
ليست المسألة «طقوسًا دينية» فقط

من الخطأ قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد خلاف على حرية العبادة.
فالسؤال الحقيقي هو: من يملك سلطة تحديد طبيعة المسجد وهويته واستخدام ساحاته؟
التغيير في الأماكن المقدسة لا يحدث دائمًا بقرار واحد مكتوب.
قد يبدأ بمجموعات صغيرة تدخل تحت حماية الشرطة، ثم بصلاة فردية، ثم بسجود جماعي، ثم بإدخال أدوات دينية، ثم بمشاركة نواب، ثم بوزير يصلي داخل المكان، ثم يصبح ما كان ممنوعًا بالأمس «واقعًا معتادًا» اليوم.
ولهذا حذرت دائرة شؤون القدس الفلسطينية من أن الخطورة ليست في الأعداد وحدها، وإنما في محاولة فرض واقع ديني وسياسي جديد بالقوة يمكن أن يمهد لتقسيم المسجد زمانيًا ومكانيًا.
واللافت أن مصادر إسرائيلية نفسها توثق هذا التغيير. فقد تحدثت منظمة إسرائيلية تدعو إلى تعزيز الوجود اليهودي في الموقع عن أكثر من ألف يهودي صعدوا إليه في أحد أيام «سوكوت»، بينما أظهرت المقاطع الصلاة بصورة علنية.
أي أن المسألة لم تعد مجرد رواية فلسطينية في مواجهة إنكار إسرائيلي؛ جزء من التحول أصبح موثقًا ومعلنًا من الجهات الإسرائيلية التي تسعى إليه.
الأقصى والحرم الإبراهيمي.. نموذج ينبغي ألا يُنسى
ويكتسب الحديث عن تغيير الوضع القائم حساسية خاصة عند استحضار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل.
فبالتزامن مع اقتحامات الأقصى خلال «عيد العرش»، أغلقت السلطات الإسرائيلية الحرم الإبراهيمي أمام المصلين المسلمين لمدة ثلاثة أيام، ثم اقتحمه بن غفير برفقة مستوطنين وأُديت فيه صلوات يهودية. اخبار الغد
وهنا تظهر دلالة تاريخية لا يمكن تجاهلها: الحرم الإبراهيمي نفسه أصبح، بعد مجزرة 1994، مقسمًا عمليًا بين المسلمين واليهود، مع ترتيبات زمنية ومكانية وقيود أمنية شديدة.
لذلك فإن التحذير الفلسطيني من تقسيم الأقصى زمانيًا ومكانيًا لا يأتي في فراغ، بل يستند إلى تجربة قائمة بالفعل في الخليل.
يا أمة الإسلام.. أين المسلمون؟
أمام هذه المشاهد يفرض السؤال نفسه، لا بوصفه شعارًا انفعاليًا، وإنما سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا ودينيًا:
أين المسلمون مما يحدث في المسجد الأقصى؟
فالأقصى ليس شأنًا فلسطينيًا محليًا فحسب.
قال الله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]
إنه أحد المساجد الثلاثة التي قال فيها رسول الله ﷺ: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وذكر المسجد الحرام ومسجده ﷺ والمسجد الأقصى.
ومع ذلك، أصبح العالم يشاهد وزيرًا إسرائيليًا يدخل ساحاته، ويؤدي فيه شعائره، ثم يعلن من داخله: «نحن أصحاب المكان»، بينما تتوسع الطقوس عامًا بعد عام.
وكيف حين تكون المسؤولية تتعلق بسياسات الحكومة الإسرائيلية، وبالشرطة التي تحمي الاقتحامات، وبالحركات والمنظمات التي تعمل علنًا لتغيير الوضع القائم في الأقصى.
من «الاستفزاز» إلى صناعة الواقع
كلمة «استفزازات» لم تعد كافية لوصف المشهد.
فالاستفزاز حدث مؤقت غايته إثارة رد فعل. أما حين تتكرر الممارسة، وتحميها الشرطة، ويشارك فيها وزراء ونواب، وتتحول المحظورات السابقة إلى ممارسات علنية، فنحن أمام عملية تراكمية لتغيير الواقع.
وهذا تحديدًا ما يجعل «عيد العرش» هذا العام محطة تستحق الوقوف عندها.
المسألة ليست أن 1,000 أو 1,700 أو 3,000 شخص دخلوا الأقصى.
المسألة هي: ماذا أصبح مسموحًا لهم أن يفعلوا داخله مما لم يكن مسموحًا قبل سنوات؟
هذا هو المقياس الأخطر.
الصلاة العلنية، والسجود الجماعي، وإدخال الأدوات الدينية، ومشاركة أعضاء الكنيست والوزراء، والتصريحات عن «السيادة»؛ كل واحدة من هذه الممارسات، إذا تحولت إلى عادة، تجعل الخطوة التالية أسهل.
حين يصبح الصمت جزءًا من المشكلة
صدرت إدانات فلسطينية وعربية وإسلامية، وأدانت رابطة العالم الإسلامي الاقتحامات والاعتداءات المتواصلة على المسجد الأقصى.
لكن السؤال الذي تفرضه الأحداث يتجاوز عدد بيانات الإدانة.
فإذا كان التغيير في الأقصى يجري بالتدرج والتراكم وفرض الوقائع، فإن رد الفعل الذي يتكرر بالطريقة نفسها من دون أن يمنع التغيير يصبح أقل قدرة على التأثير في الواقع.
ولهذا فإن السؤال: «أين المسلمون؟» ليس المقصود منه البحث عن صياغة خطابية جديدة، وإنما السؤال عن الفجوة بين مكانة المسجد الأقصى في وجدان أكثر من مليار مسلم وبين القدرة السياسية والدبلوماسية والقانونية الفعلية على حماية وضعه التاريخي.
فالخطر الحقيقي ليس فقط أن تحدث الانتهاكات.
الخطر أن تتكرر حتى تصبح مألوفة.
وأن يرى جيل جديد الصلاة اليهودية الجماعية داخل الأقصى فيتعامل معها باعتبارها واقعًا قديمًا، بينما هي نتيجة خطوات تراكمية حدثت أمام أعين العالم.
وهنا تكمن معركة الذاكرة بقدر ما تكمن معركة المكان: ألا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ولا الاقتحام إلى حق مكتسب، ولا الواقع الذي فُرض بالقوة إلى «وضع قائم» جديد.
يا أمة الإسلام، إن السؤال الذي يطرحه الأقصى اليوم ليس فقط: ماذا فعل المقتحمون؟ بل: ماذا سنقول غدًا إذا أصبحت الممارسات التي نستنكرها اليوم واقعًا دائمًا لأن العالم اعتاد رؤيتها؟
فالأقصى لا يحتاج إلى غضب موسمي ينتهي بانتهاء «عيد العرش»، بل إلى أن يبقى ما يجري فيه حاضرًا في الوعي، وأن تُوثق كل خطوة تغير وضعه، وأن تُستخدم الوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية والإعلامية السلمية المتاحة لمنع فرض واقع جديد فيه.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمسجد الأقصى ليس أن يُقتحم يومًا؛ بل أن يصبح اقتحامه وتغيير هويته أمرًا عاديًا لا يفاجئ أحدًا.





اترك تعليقاً