تتدهور الأوضاع في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وسط تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة وتضييق الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع، في وقت تتعثر فيه جهود دولية جديدة للتوصل إلى وقف إطلاق نار شامل في السودان.
المدينة، التي تُعد نقطة استراتيجية تربط الخرطوم بإقليم دارفور وتضم قاعدة عسكرية مهمة للجيش السوداني، تحولت إلى ساحة مواجهة مركزية في حرب استنزاف مستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط استمرار تدفق السلاح من أطراف خارجية.
تصعيد ميداني ومعاناة مدنية متفاقمة
خلال الأشهر الأخيرة، شهدت الأُبيّض هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، ما تسبب في سقوط ضحايا مدنيين وتدمير بنى تحتية حيوية، بينما تحذر منظمات دولية من احتمال وقوع مجازر واسعة إذا استمر التصعيد.
وتشير تقارير إنسانية إلى أن مئات الآلاف من النازحين لجأوا إلى المدينة هربًا من القتال في مناطق أخرى، ما جعلها مركزًا مزدوجًا: ساحة قتال ومأوى للمدنيين في آن واحد.
جمود سياسي وتعثر المبادرات الدولية
رغم ضغوط أمريكية متجددة لفرض هدنة شاملة، يواصل طرفا الصراع — الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو — رفض التنازلات، مع تمسك كل طرف بخيار الحسم العسكري بدل الحل السياسي.
ويرى محللون أن الخطاب السياسي في السودان أصبح شديد الاستقطاب، حيث يتبادل الطرفان الاتهامات بشأن استهداف المدنيين واستخدامهم كدروع بشرية، ما يعمّق أزمة الثقة ويعقّد أي مسار تفاوضي.
اتهامات متبادلة وانقسام روايات الحرب
بينما يتهم الجيش قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة وهجمات على منشآت مدنية، تنفي الأخيرة تلك الاتهامات وتؤكد أنها تقاتل من أجل إعادة التوازن السياسي ومعالجة مظالم تاريخية.
وفي المقابل، تتهم أطراف سياسية وإعلامية الجيش بعرقلة إنشاء ممرات آمنة للمدنيين، ما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني في المدينة المحاصرة.
دور الخارج: حرب بالوكالة
يشير خبراء ودبلوماسيون سابقون إلى أن استمرار الحرب يرتبط بشكل مباشر بتدفق الأسلحة والدعم الخارجي، ما يحول النزاع إلى صراع بالوكالة أكثر من كونه حربًا داخلية.
وتُتهم أطراف إقليمية بدعم طرفي الصراع، حيث يُنظر إلى بعض الدول في المنطقة باعتبارها داعمًا للجيش، بينما يُعتقد أن أطرافًا أخرى تقدم دعمًا لقوات الدعم السريع، خاصة عبر تقنيات الطائرات المسيّرة.
هذا الدعم الخارجي، بحسب محللين، هو العامل الأساسي الذي يطيل أمد الحرب ويمنع انهيار أحد الطرفين عسكريًا.
طريق مسدود أمام السلام
في ظل هذا الواقع، تبدو جهود الوساطة الدولية عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي، إذ يصر كل طرف على تحقيق نصر عسكري كامل، بينما تتآكل فرص الحل السياسي تدريجيًا.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى مزيد من الانهيار الإنساني، خصوصًا في مدن مثل الأُبيّض التي باتت رمزًا لحرب تستنزف السودان وتُغذيها مصالح إقليمية متشابكة.
تتحول الأُبيّض إلى نموذج مكثف لأزمة السودان الحالية: قتال داخلي عنيف، انقسام سياسي حاد، ودعم خارجي يطيل أمد الحرب، في وقت تتراجع فيه فرص السلام الحقيقي لصالح منطق “الحسم العسكري” الذي يصر عليه القادة العسكريون.





اترك تعليقاً