السودان بين نزوح جديد وعودة خجولة للمدارس.. الحرب تدفع 200 ألف شخص من منازلهم

thumbs b c 1b7a776c12c599f903b6e368cf9370f9

بينما بدأت بعض مدارس العاصمة السودانية الخرطوم تستقبل الطلاب مجددًا بعد تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية، تتفاقم في مناطق أخرى من البلاد أزمة النزوح مع استمرار القتال والفيضانات، في مشهد يعكس التباين الحاد بين محاولات استعادة الحياة الطبيعية واستمرار تداعيات الحرب التي دخلت عامها الرابع.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إن التصعيد الأخير في السودان أجبر نحو 200 ألف شخص إضافي على النزوح من منازلهم، في وقت تتعرض فيه الاستجابة الإنسانية لضغوط متزايدة بفعل القتال والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والفيضانات الموسمية.

وأضافت المنظمة أن السودان يواجه «ضغوطًا متصاعدة في النزوح والوضع الإنساني»، مشيرة إلى أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ولا سيما عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز، يزيد من صعوبة إيصال المساعدات إلى المتضررين.

نحو 11 ألف نازح في ثلاثة أيام بشمال كردفان

وفي ولاية شمال كردفان، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن قرابة 11 ألف شخص اضطروا إلى مغادرة قريتي أم صميمة وأبو حراز في محلية شيكان خلال الفترة من 16 إلى 18 أغسطس/آب 2026، بسبب تدهور الوضع الأمني.

وانتقلت الأسر النازحة إلى مناطق أخرى داخل محلية شيكان، إلا أن المنظمة حذرت من أن الأوضاع هناك ما تزال متوترة وغير مستقرة.

ويأتي ذلك بعد أيام فقط من إعلان المنظمة نزوح نحو 4,250 شخصًا من ثلاث قرى أخرى في شيكان خلال يومي 14 و15 أغسطس/آب، نتيجة الاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وبحسب المنظمة، ارتفع حجم النزوح في محلية شيكان بنسبة 25% خلال الأشهر الثمانية الماضية، فيما تجاوز عدد النازحين الجدد في إقليم كردفان الأوسع 200 ألف شخص منذ أواخر عام 2025.

وتشهد ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 معارك متصاعدة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في امتداد للحرب التي اندلعت بين الطرفين في أبريل/نيسان 2023.

كما تسببت الضربات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت محول الكهرباء الرئيسي في مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، في انقطاع طويل للتيار الكهربائي، ما انعكس على تشغيل محطات ضخ المياه والمرافق الصحية وشبكات الاتصالات.

الفيضانات تضاعف الأزمة

ولا تقتصر معاناة السودانيين على الحرب، إذ تزامن التصعيد العسكري مع أمطار غزيرة وفيضانات موسمية.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن الأمطار الغزيرة في منطقة طويلة بولاية شمال دارفور دمرت أو ألحقت أضرارًا بنحو 1,350 منزلًا خلال أسبوع، ما أدى إلى نزوح أكثر من ألف أسرة.

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، إن السودان يشهد واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مشيرة إلى أن اجتماع الصراع المسلح وتضرر البنية التحتية والفيضانات يدفع آلاف الأسر إلى ما يتجاوز قدرتها على الاحتمال.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن الحرب السودانية، المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، أودت بحياة عشرات الآلاف ودفعت نحو 13 مليون شخص إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول مجاورة.

في الخرطوم.. الأطفال يعودون إلى المدارس

image 111

وفي مقابل موجات النزوح الجديدة في كردفان ودارفور، بدأت ملامح مختلفة تظهر تدريجيًا في بعض مناطق الخرطوم، حيث شرع الأطفال في العودة إلى المدارس بعد تحسن الوضع الأمني في أجزاء من العاصمة وعودة بعض الأسر النازحة إلى منازلها.

لكن العودة إلى الفصول الدراسية لا تعني انتهاء آثار الحرب على قطاع التعليم.

فقد تعرضت مئات المدارس في الخرطوم للدمار أو لأضرار كبيرة خلال القتال، بينما تعمل المدارس التي بقيت قائمة وسط نقص في المعلمين والكتب والمواد التعليمية وازدحام الفصول.

وقالت مديرة إحدى المدارس، اعتماد القيزولي، إن أعداد الطلاب ما تزال أقل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، إذ لا يزال كثير من الأطفال نازحين داخل السودان أو لاجئين في دول مجاورة.

وأضافت أن المدارس تحاول مساعدة الطلاب نفسيًا وتعليميًا رغم ما مروا به خلال سنوات الحرب.

ثمانية ملايين طفل خارج التعليم

وتعد أزمة التعليم من أكبر التحديات التي تواجه السودان في مرحلة استعادة الاستقرار، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو ثمانية ملايين طفل ما زالوا خارج المدارس.

كما دُمرت أعداد كبيرة من المنشآت التعليمية، فيما تحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين، ولا يزال عدد كبير منها مغلقًا.

ويواجه الطلاب الذين عادوا إلى الدراسة فجوات تعليمية تراكمت على مدى سنوات، إلى جانب الآثار النفسية للحرب والنزوح.

وقال المعلم محمد إلياس إن الأسر والمدارس تحاول تعويض سنوات الدراسة المفقودة خلال وقت قصير، رغم ضعف الإمكانات والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التعليمية.

وأوضح أن الطلاب لا يحتاجون إلى الدروس وحدها، بل إلى جهود تساعدهم على استعادة رغبتهم في التعلم وقدرتهم على التركيز، فضلًا عن الدعم النفسي والاجتماعي.

وبالنسبة إلى الأسر العائدة إلى الخرطوم، تشكل كلفة التعليم عبئًا إضافيًا، إذ يتعين عليها توفير المواصلات والزي المدرسي والكتب وغيرها من الاحتياجات، في وقت ما تزال فيه تعاني من الخسائر الاقتصادية التي خلفتها سنوات النزوح.

وقالت منال علي، وهي أم عادت مع أسرتها إلى الخرطوم بعدما تنقلت بين مناطق عدة خلال العامين الماضيين، إنهم قرروا العودة من أجل منح أبنائهم فرصة أفضل للمستقبل رغم الضغوط المالية الكبيرة.

وهكذا، يبدو المشهد السوداني اليوم محكومًا بمسارين متناقضين: عشرات الآلاف يعودون تدريجيًا إلى بيوتهم ومدارسهم في مناطق استقر فيها الوضع نسبيًا، بينما تُدفع أسر أخرى إلى رحلة نزوح جديدة في كردفان ودارفور.

وبين هذين المسارين، تبقى إعادة بناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء وتهيئة الظروف لعودة ملايين النازحين من أكبر التحديات التي ستواجه السودان، حتى إذا هدأت المعارك في نهاية المطاف.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *