السودان بين تدفق السلاح وخراب المدن.. واشنطن تدفع لتوسيع الحظر وبارا تكشف كلفة الحرب

1f3b6b3b19de7238941697cd92670b19bb09d9aa

بينما تتصاعد الدعوات داخل مجلس الأمن لوقف تدفق الأسلحة إلى السودان، تكشف مدينة بارا في شمال كردفان جانبًا آخر من الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات: مدينة شبه مهجورة، جثث ما تزال في الطرق والمنازل، مخلفات متفجرة تهدد السكان، ومخاوف من تلوث مصادر المياه بسبب تحلل الجثامين.

وفي 24 أغسطس/آب 2026، دعت الولايات المتحدة مجلس الأمن الدولي إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض حاليًا على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، محذرة من أن استمرار الدعم الخارجي لأطراف الصراع قد يدفع مزيدًا من القوى الإقليمية إلى الانخراط في الحرب.

ويأتي التحرك الأمريكي في وقت تتحدث فيه الأمم المتحدة عن دخول أسلحة أكثر تطورًا إلى ساحة القتال، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، بينما أظهر تقرير ميداني نشره موقع «ميدل إيست آي» في اليوم نفسه حجم الدمار الذي خلفته المعارك في مدينة بارا الاستراتيجية.

واشنطن تريد حظر السلاح في كل السودان

قال المبعوث الأمريكي مسعد بولس أمام مجلس الأمن إن واشنطن قدمت مشروع قرار يتضمن عدة إجراءات للحد من استمرار الحرب، أبرزها توسيع حظر الأسلحة من دارفور إلى جميع أنحاء السودان.

وتريد الولايات المتحدة كذلك إدراج الطائرات المسيّرة بصورة واضحة ضمن نظام القيود على الأسلحة، وزيادة عدد الخبراء المكلفين بمراقبة تنفيذ الحظر.

ويرتبط نظام الحظر الحالي بإقليم دارفور منذ أكثر من عقدين، فيما يتطلب توسيعه إلى كامل البلاد موافقة مجلس الأمن.

لكن الاقتراح يواجه اعتراضًا روسيًا؛ إذ حذرت موسكو من إجراءات جديدة يمكن أن تؤثر في قدرة الجيش السوداني، بينما طالب مندوب السودان لدى الأمم المتحدة بالاكتفاء بتمديد «تقني» للنظام القائم دون توسيعه.

وقال المندوب السوداني الحارث إدريس الحارث محمد إن بلاده «تعاني أكثر من غيرها من الأسلحة وتدفقها غير المشروع»، لكنه حذر من أن توسيع العقوبات قد يؤدي، بحسب موقف الخرطوم، إلى إضعاف حماية المدنيين.

أسلحة أكثر تطورًا في ساحة الحرب

جاء المقترح الأمريكي بالتزامن مع تحذيرات أممية من تغير طبيعة الحرب السودانية.

وقالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، إن أحد الجوانب المقلقة في الصراع هو «تزايد تعقيده»، مشيرة إلى أن الأسلحة المتطورة المستخدمة في المعارك تواصل الإشارة إلى وجود دعم خارجي للطرفين.

وأضافت أن الأسابيع الأخيرة شهدت استخدامًا كثيفًا للطائرات المسيّرة إلى جانب معارك برية محلية، رغم الظروف التي تفرضها مواسم الأمطار في أجزاء من البلاد.

وتسيطر القوات المسلحة السودانية على أجزاء واسعة من وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق في دارفور وأجزاء من جنوب وغرب البلاد، وسط استمرار المعارك على عدة محاور.

كما قالت الناشطة السودانية في مجال بناء السلام إيفا خير أمام مجلس الأمن إن أطرافًا خارجية، رغم نفيها الاتهامات، تساهم في استمرار الكارثة من خلال توفير الأسلحة والمرتزقة والمساعدات العسكرية واللوجستية والمالية والدعم السياسي لطرفي الحرب.

وطالبت بتطبيق حظر دارفور بصورة أكثر صرامة ثم توسيعه ليشمل السودان بأكمله.

بارا.. مدينة كان يسكنها نحو 100 ألف شخص

لكن الجدل الدبلوماسي في نيويورك يأتي بعيدًا عن مشاهد أكثر قسوة على الأرض.

فقد نشر «ميدل إيست آي»، في 24 أغسطس/آب، تقريرًا من شمال كردفان استند إلى شهادات أشخاص تمكنوا من دخول مدينة بارا بعد استعادة الجيش السوداني وحلفائه السيطرة عليها من قوات الدعم السريع في يوليو/تموز.

وكان يعيش في المدينة نحو 100 ألف شخص قبل اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

اشتهرت بارا تاريخيًا بأشجار الليمون التي كانت تنتشر في شوارعها، لكن المصادر التي دخلت المدينة بعد المعارك وصفت مشهدًا مختلفًا تمامًا: جثث في الطرق والمنازل، أحياء خالية من سكانها، مبانٍ مدمرة، ومخلفات حرب لم تُزل بعد.

وبحسب أحد أعضاء لجان المقاومة الشعبية المساندة للجيش، لم يعثر الزائرون بعد السيطرة على المدينة إلا على شخصين مسنين ما يزالان يعيشان فيها، رجل وامرأة، بينما نزح معظم السكان إلى الأبيض ومناطق أخرى.

ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من العدد الكامل للضحايا داخل المدينة، لكن مصادر محلية تحدثت للموقع عن احتمال مقتل مئات المدنيين في بارا والقرى المحيطة خلال فترات القتال وسيطرة قوات الدعم السريع.

الجثث تهدد مياه المدينة

لا تنتهي خطورة الوضع بدفن الضحايا.

فقد حذر مهندس يعمل في المنطقة من احتمال وصول آثار تحلل الجثامين إلى مصادر المياه الجوفية، خصوصًا أن عددًا من آبار بارا لا يتجاوز عمقها بين 20 و30 مترًا.

وقال إن اختلاط ملوثات الجثث المتحللة بالمياه يمكن أن يشكل تهديدًا لسكان المنطقة وللثروة الحيوانية.

وتحتاج المدينة، بحسب مصادر محلية، إلى عملية عاجلة لجمع الجثامين ودفنها بصورة آمنة، إلى جانب إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة التي ما تزال منتشرة في المناطق السكنية.

ويواجه السكان في المناطق المحيطة المشكلة نفسها.

ففي أم سيالة، القريبة من بارا، قال متطوع محلي إن هناك ما لا يقل عن 200 جثة لا تزال بحاجة إلى الانتشال، بينما تحدثت مصادر إنسانية عن وجود جثامين أخرى في جبرة الشيخ ومناطق مجاورة.

وتطالب الجهات المحلية بتدخل فرق الدفاع المدني والمشارح والمنظمات الإنسانية والسلطات المختصة للتعامل مع حجم الكارثة.

لماذا كانت بارا مهمة في الحرب؟

لم تكن المعارك على بارا مرتبطة بالمدينة وحدها.

فموقعها يجعلها نقطة استراتيجية على الطريق الذي يصل الخرطوم بكردفان، كما ترتبط بطريق الصادرات الذي تنقل عبره منتجات المنطقة، بما فيها الذهب والصمغ العربي والمحاصيل الزراعية.

وكانت قوات الدعم السريع قد استولت على بارا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد سلسلة من الهجمات، واستخدمت المنطقة، وفق مصادر عسكرية ومحلية، ضمن عملياتها ضد مدينة الأبيض الواقعة على بعد نحو 60 كيلومترًا.

وبعد استعادة الجيش بارا ومناطق أخرى، تمكن من تأمين الطريق باتجاه الأبيض وفتح خط إمداد مهم إلى المدينة التي عانت لفترة طويلة من الضغط العسكري والحصار.

وقال تجار في الأبيض إن الأسواق بدأت تستعيد نشاطها، وإن السلع والإمدادات عادت إلى التدفق بعد فتح الطريق.

كما قالت مصادر موالية للجيش إن الهجمات بالمسيّرات على الأبيض وأم درمان تراجعت بعد خسارة الدعم السريع مواقع في شمال كردفان كانت تُستخدم في العمليات الجوية.

المعركة لم تنته في كردفان

على الرغم من تقدم الجيش، لا تزال مناطق واسعة من كردفان موضع تنازع.

فقد شنت قوات الدعم السريع خلال الأسابيع الأخيرة هجمات مضادة وضربات بالمسيّرات على جبرة الشيخ ومناطق أخرى، ووصلت بعض الضربات إلى أم درمان والدامر وعطبرة، بحسب ما أورده التقرير.

ويقول الجيش إنه صد الهجمات المضادة حول بارا والأبيض وإن قواته تتحرك باتجاه غرب كردفان ودارفور.

لكن مصدرًا مطلعًا على الوضع الميداني حذر من أن مقاتلي الدعم السريع ما يزالون موجودين في منطقتي سودري والمزروب، على مسافة تقارب 100 كيلومتر من بارا، معتبرًا أن مكاسب الجيش يمكن أن تبقى عرضة للانتكاس ما لم تُؤمّن المناطق المحيطة.

معركة السلاح خلف معركة الميدان

تجمع التطورات بين مسارين متداخلين في الحرب السودانية: المعارك على الأرض، والصراع حول مصادر السلاح التي تسمح لهذه المعارك بالاستمرار.

فالمسيّرات والذخائر والأسلحة الأكثر تطورًا لم تعد عنصرًا هامشيًا في الحرب، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من القدرة على مهاجمة المدن وخطوط الإمداد والمواقع البعيدة.

ولهذا تركز المبادرة الأمريكية الجديدة على الدعم الخارجي بقدر تركيزها على الأطراف السودانية نفسها.

لكن توسيع حظر السلاح، في حال إقراره، سيواجه أسئلة كبيرة حول إمكانية تنفيذه في بلد واسع تحيط به سبع دول وتنتشر حوله طرق برية طويلة ومسارات تهريب يصعب ضبطها.

كما أن معارضة الخرطوم وموسكو لتوسيع الحظر تفتح خلافًا آخر حول ما إذا كان فرض القيود على كامل البلاد سيقلص بالفعل قدرة طرفي الحرب على القتال، أم سيؤثر بصورة غير متوازنة في الجيش السوداني الذي يقول إنه يمثل مؤسسات الدولة الرسمية.

وبينما يناقش مجلس الأمن شكل القيود المفروضة على الأسلحة، تقدم بارا صورة لما تتركه هذه الأسلحة بعد انتهاء المعركة: مدينة فرغت من سكانها، جثث تنتظر الدفن، آبار مهددة بالتلوث، وذخائر غير منفجرة تجعل حتى العودة إلى المنزل مخاطرة جديدة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *