الجيش العراقي ينتشر على الحدود السعودية ويحل محل مواقع لفصائل مسلحة.. تحرك لفرض سيطرة الدولة على الصحراء

2290526872

بدأ الجيش العراقي انتشارًا واسعًا على طول الحدود مع السعودية، في خطوة تهدف إلى إحكام السيطرة على المناطق الصحراوية ومنع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات على دول الجوار، وسط ضغوط متزايدة على بغداد لضبط نشاط الفصائل الشيعية المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة.

وبحسب مصادر عسكرية عراقية تحدثت إلى صحيفة العربي الجديد، نشرت بغداد ثلاثة ألوية من الجيش ضمن قيادة جديدة حملت اسم «قيادة عمليات الصحراء»، وتولت القوات مواقع في مناطق السلمان والبصية والشبكة في صحراء النجف، مع دعم من طائرات استطلاع عراقية.

ويأتي الانتشار بعد هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت للطاقة في السعودية أواخر يوليو/تموز، قالت الرياض وواشنطن إنها انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها جماعات شيعية مسلحة موالية لإيران، وهي اتهامات نفتها الفصائل المعنية.

أكثر من 800 كيلومتر من الحدود

ستتمركز قيادة القوة الجديدة في منطقة السلمان بمحافظة المثنى، على امتداد الحدود العراقية السعودية التي يزيد طولها على 800 كيلومتر.

وقال ضابط بارز في قيادة العمليات المشتركة العراقية إن الهدف من الانتشار هو «فرض السيطرة على عمق الصحراء ومنع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد السعودية أو أي دولة مجاورة».

وبحسب الخطة، لن تحل قوات الجيش محل حرس الحدود، بل ستشكل ما يشبه حزامًا أمنيًا ثانيًا خلف الوحدات المنتشرة مباشرة على الخط الحدودي.

وسيواصل حرس الحدود مراقبة الحدود نفسها، بينما تتولى وحدات الجيش السيطرة على المساحات الصحراوية الواسعة والطرق والمسارات المؤدية إلى المناطق الحدودية، ومنها الطرق المؤدية إلى منفذ جميمه.

الجيش يتسلم مواقع كانت بيد فصائل من الحشد

ويحمل الانتشار الجديد دلالة سياسية وأمنية إضافية، إذ أفادت المصادر بأن الجيش تسلم عددًا من المواقع القريبة من الحدود السعودية كانت تتمركز فيها سابقًا فصائل ضمن الحشد الشعبي، من بينها مواقع مرتبطة بكتائب حزب الله وحركة النجباء.

ويمثل انتقال هذه المواقع إلى الجيش محاولة لتعزيز الوجود المباشر للمؤسسات العسكرية الرسمية في منطقة شاسعة لطالما شكّلت صعوبة أمنية بسبب طبيعتها الصحراوية واتساعها وبعدها عن مراكز المدن.

ولا تقتصر أهمية هذا التحول على ضبط الحدود، بل ترتبط أيضًا بملف أوسع تعمل الحكومة العراقية على معالجته، يتمثل في نشاط الجماعات الشيعية المسلحة خارج الإطار المباشر للدولة.

هجمات يوليو ترفع مستوى التوتر

جاءت الخطوة بعد تصعيد حاد شهدته المنطقة في أواخر يوليو/تموز.

وقالت السعودية إنها اعترضت أكثر من 30 طائرة مسيرة خلال ثلاثة أيام، واتهمت جماعات عراقية مرتبطة بإيران باستهداف منشآت في المنطقة الشرقية والعاصمة الرياض.

وبعد ذلك، شنت قوات سعودية وأمريكية ضربات على مواقع داخل العراق قالت إنها تابعة لهذه الجماعات.

وأعلن الحشد الشعبي مقتل ما لا يقل عن 20 من عناصره في الضربات، بينما أدانت الحكومة العراقية الهجمات السعودية ووصفتها بأنها انتهاك لسيادة البلاد.

وبذلك وجدت بغداد نفسها أمام معادلة معقدة: فهي ترفض أي ضربات خارجية على أراضيها، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطًا لمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقًا لعمليات عسكرية ضد دول أخرى.

مهلة 30 سبتمبر تقترب

يتزامن الانتشار الحدودي مع اقتراب موعد 30 سبتمبر/أيلول، الذي حددته السلطات العراقية مهلة للفصائل من أجل وضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة.

وقال مسؤولون عراقيون إن النشاط المسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية بعد هذا التاريخ قد يُتعامل معه بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

وتجري مناقشة آلية يمكن بموجبها تسليم الأسلحة إلى الحشد الشعبي وتسجيلها وتخزينها تحت إشراف حكومي، إلا أن عددًا من أبرز الجماعات الموالية لإيران، ومن بينها كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وحركة النجباء، أبدت مقاومة لمطالب نزع السلاح.

وتكتسب المهلة أهمية إضافية لأنها تتزامن مع الموعد المقرر لانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق، ما يضع بغداد أمام مرحلة أمنية جديدة ستكون فيها مسؤولية ضبط الأراضي والنشاط المسلح أكثر ارتباطًا بالمؤسسات العراقية وحدها.

هل تستطيع بغداد فرض سيطرتها على الصحراء؟

يبقى التحدي الأكبر هو قدرة القوات العراقية على تحويل الانتشار الجديد إلى سيطرة فعلية ودائمة على مناطق صحراوية واسعة ومعقدة جغرافيًا.

وقال الخبير العسكري جمال الكناني إن الجيش بدأ إنشاء نقاط مراقبة وثكنات ومراكز قيادة على امتداد المنطقة الحدودية، لكنه أشار إلى أن بناء شبكة الإمداد والخدمات اللازمة لدعم قوة كبيرة في منطقة بعيدة عن المدن الرئيسية قد يحتاج إلى عدة أشهر.

وأضاف أن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة القيادة الجديدة على منع النشاط غير القانوني داخل هذه المناطق.

وهنا تتجاوز القضية مجرد نشر وحدات إضافية على الحدود؛ إذ يتعلق الأمر بمدى قدرة الدولة العراقية على مراقبة الطرق الصحراوية، ومنع نقل الطائرات المسيرة أو الصواريخ أو الأسلحة، وفرض سلطة موحدة في مناطق كانت تتحرك فيها تشكيلات متعددة.

خطوة حدودية ضمن معركة أوسع على السلاح

يمكن قراءة انتشار الجيش على الحدود السعودية باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني العراقي.

فانتقال مواقع كانت تسيطر عليها فصائل شيعية مسلحة إلى الجيش، بالتزامن مع مهلة حكومية لحصر السلاح، يشير إلى رغبة بغداد في تقليص مساحة العمل العسكري المستقل خارج مؤسسات الدولة، خصوصًا عندما يؤدي هذا النشاط إلى إدخال العراق في أزمات مع دول الجوار أو يعرض أراضيه لضربات خارجية.

لكن نجاح هذا المسار لن يتحدد بعدد الألوية المنتشرة وحده، بل بقدرة الحكومة على تطبيق القواعد نفسها على جميع القوى المسلحة، ومنع تحويل الصحراء العراقية إلى ساحة تستخدم في صراعات إقليمية لا تملك بغداد السيطرة عليها.

وبين حماية السيادة العراقية ومنع الاعتداء على دول الجوار، تواجه بغداد اختبارًا مزدوجًا: أن تمنع الآخرين من ضرب أراضيها، وأن تمنع في الوقت نفسه أي قوة داخلية من استخدام هذه الأراضي لجر العراق إلى مواجهة جديدة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *