لاتزال الكنائس تصدمنا يوماً بعد يوم بمفاجآت أخلاقية مدوية تمس أهم حق للمرأة وهو عرضها، فقد أعلن الفاتيكان في بيان له عن تنحي مؤقت للكاردينال الإسباني “كريستوبال لوبيز روميرو” (74 عاماً)، رئيس أساقفة الرباط وأحد الأسماء التي رُشحت سابقاً لمنصب البابوية، وذلك بسبب الاتهامات المنسوبة إليه بقيامه بـ”سلوكيات غير لائقة” واعتداءات جسدية مفترضة قدمتها خمس نساء بالغات أمام السفارة البابوية. ليتعرض الرجل الذي لبس ثوب حامي المستضعفين والوجه الأبرز للحوار الديني إلى المساءلة الكنسية المغلقة.
وهنا نتساءل: أين تقف حدود هذه الازدواجية الغربية الصارخة؟ وكيف يفسر الإسلام هذا الانهيار السلوكي البنيوي في منظومة رهبانية حاربت الفطرة فابتلعتها الأزمات؟
لقد نصّب الغرب نفسه حكماً أخلاقياً على البلاد والعباد، يقيمهم حسب مزاجه، مستخدماً لغة الأخلاق والحقوق، تاركاً نفسه منشغلاً بغيره؛ فلا يترك حدثاً إلا وتجد له فيه استنكاراً وتقييماً وتدخلاً مباشراً أو غير مباشر لابساً ثوب الأستاذية، محاولاً فرض إيديولوجياته ومسح هوية البلاد المسلمة.
لكن هذا الانشغال جعله يهمل مؤسساته، لتأتي قضية أسقف الرباط لتكشف عن صدع أخلاقي عميق في قلب الجسد الغربي وتآكل داخلي مرعب.
إن الكاردينال “كريستوبال لوبيز روميرو” لم يكن مجرد رجل دين في الرباط؛ بل كان يمثل — في نظر الغرب — “الوجه الناصع” للحضور الكنسي. لقد كان الرجل الذي يتردد اسمه في أروقة الفاتيكان كمرشح للمنصب الأول، والمهندس الذي صاغ زيارة البابا التاريخية، والمدافع الشرس عن المهاجرين، والرمز الذي طالما استُخدم في واجهات “الحوار الديني” لتقديم صورة مثالية عن المؤسسة الكاثوليكية.
إن محاصرة هذا الرمز المسيحي بهذه الاتهامات لا تدل على مجرد فضيحة شخصية, بل هي فضيحة عالمية للمؤسسة الكاثوليكية، وسقوط مدوٍ للقناع الغربي. إنها تكشف التناقض الصارخ بين خطاب الوعظ الذي يطالب العالم بالالتزام بمعايير التحضر، وبين واقع مؤسساته التي تعجز داخل أسوارها المحصنة عن حماية منتسبيها أو الالتزام بأدنى مستويات الأخلاق التي تنظر بها على الآخرين.
إن الاستعلاء القيمي الذي يمارسه الغرب ليس سوى غطاء سياسي وإعلامي؛ إذ يتبين بوضوح أن المؤسسات التي تدعي احتكار الحق في التوجيه الأخلاقي هي الأولى بافتقاد هذا الحق، وأن من يحاول رسم معالم الطريق للآخرين، قد ضلّ في دهاليز أزماته الخاصة.
وفي الوقت الذي تُطرح فيه هذه القضية الحساسة على أرض مغربية، يلاحظ المتابع غياباً تاماً لأي تدخل من القضاء المغربي أو الأجهزة المحلية؛ وهو غيابٌ يفسره الاستغلال الكنسي الخبيث للحصانات الدبلوماسية كدروع واقية.
فتقديم الشكاوى داخل أسوار السفارة البابوية تم استخدامه كـ “ملاذ آمن” لتهريب القضية كلياً من يد القضاء المدني وإخضاعها حصرياً للاختصاص الداخلي للفاتيكان. هذا التغييب المتعمد للعدالة المدنية المحلية يُترجم عقيدة الكنيسة التي لا تزال تتعامل بمنطق الفوقية والاستعلاء حتى على سيادة الدول وقوانينها الدنيوية.
وكما يوثق الكاتب الاستقصائي جيسون بيري في كتابه (نذور الصمت): “إن القوانين السرية للفاتيكان كانت صريحة: حماية سمعة الكنيسة والكرسي الرسولي تفوق أي اعتبار قانوني أو مدني. الكنيسة تتصرف كدولة فوق الدول، تُحاكم مجرميها في دهاليز مغلقة ومحاكم روحية، معتبرةً أن الكاهن أو الأسقف لا يخضع لسلطة القضاء الدنيوي، مما جعل المجتمعات المحلية في غفلة تامة عن الجناة الذين يعيشون بينهم.”
وهذا التستر ليس تاريخياً فحسب، بل هو عقيدة إدارية مستمرة تؤكدها أحدث البيانات الفاتيكانية؛ إذ كشفت التقارير المقدمة في “المؤتمر الدولي لحماية القاصرين والضعفاء” المنعقد بالجامعة الغريغورية بروما في 1447هـ (يونيو 2026م) كيف لا تزال ثقافة “السر الصارم” تطبق بثقلها داخل أسوار الكنيسة، حيث ترفض الكثير من الراهبات والنساء المتدينات التبليغ عن الاعتداءات تفضيلاً لـ “عدم نشر الغسيل المتسخ” وحرصاً على سمعة المؤسسة على حساب العدالة والضحايا.
وعندما تفشل الجدران المغلقة في إخفاء الجريمة، تظهر الكلفة المادية المروعة لسياسة التستر؛ حيث كشف أحدث تقرير سنوي لحماية الأطفال الصادر عن مجلس الأساقفة الأمريكيين في 1447هـ (مايو 2026م) أن الإبرشيات الكنسية اضطرت لدفع تعويضات خيالية لتسوية قضايا الاعتداءات الجنسية والجسدية بلغت 390 مليون دولار خلال عام واحد فقط (بزيادة قياسية بلغت 61% عن العام السابق)، مما دفع إبرشيات كبرى لإعلان إفلاسها رسمياً لعجزها المالي عن تغطية فداحة الفضائح المتراكمة.
إن هذه الحادثة ماهي إلا أثر مادي لخلل في البناء التنظيمي الكاثوليكي: الرهبانية أو ما يسمى بالتبتل؛ إذ هو فعلاً ابتداع ابتُدع ابتداء في تقدير أصحابه لنيل رضوان الله لكنهم ما رعوه حق رعايته لينحرف بهم إلى الفساد الذي يُسخط الله.
فهذه المثالية الكنسية التي ألزمت المؤسسة الكاثوليكية أعضاءها بها جعلتهم يشذون عن الفطرة ويتحاربون معها فينهزمون أمامها فيتمثلون حقاً مصادمة الفطرة، لأنه لا يمكن للإنسان أن يغلب طبيعته التي خلقه الله عليها، ولا أن يخرج على سنة الله ثم يربح.
وهذا الاصطدام العقيم بنواميس الكون ليس مجرد تنظير شرعي، بل تثبته لغة الأرقام الصارخة؛ حيث سجل ذات التقرير الصادر في مايو الماضي أكثر من 1,070 بلاغ اعتداء جنسي جديد قدمها 973 ضحية جديدة خلال عام واحد. هذه البلاغات المتدفقة تؤكد بصورة علمية قاطعة أن كبت الغريزة قسراً لا يقتلها، بل يحرفها لتنفجر كسلوكيات شاذة واعتداءات مدمرة بالسر والعلانية خلف الستار الكنسي.
لذا كان الإسلام مهذباً لهذه الفطرة مرسخاً للزواج ليكون هو القناة المشروعة فقط لتلبية الحاجة الإنسانية التي فُطر عليها. فلا هو كبتها وضيق عليها حتى تنفجر في غياهب الفضائح، ولا هو أطلق العنان لها لتشيع الفوضى، بل رعاها ويسر سبلها بالحلال والاعتدال.
وفي الختام، إن هذه الفضيحة ماهي إلا نزر من كثير مضمر، ورسالة صريحة للغرب مفادها أن يُنزل نفسه من كرسي الأستاذية والوصاية لأن المؤسسات التي تعجز عن المواءمة بين شعاراتها وواقعها تفقد الأهلية لهندسة المسارات الأخلاقية لغيرها.





اترك تعليقاً