أذربيجان و”إسرائيل” .. تحالف السلاح والنفط في ظل علمانية تُضيّق على المسلمين

96ec2c07023a50a5e50571e1893f97b5

في بلد تتجاوز نسبة المسلمين فيه 95% من السكان، تُمنع طالبات ومعلمات من دخول المدارس بسبب حجابهن، وتُفرض رقابة حكومية على المساجد والخطباء والأنشطة الدينية، بينما تتوسع الشراكة العسكرية والأمنية والاقتصادية مع كيان “إسرائيل” إلى مستويات غير مسبوقة. فما طبيعة العلاقة التي تربط باكو بتل أبيب؟ وكيف تطورت إلى تحالف استراتيجي يشمل الأسلحة والنفط والتكنولوجيا الأمنية؟ وما الصلة بين هذا التحالف وبين نموذج العلمانية القسرية الذي تفرضه السلطات الأذربيجانية على المجتمع؟

لم يعد التقارب الأذربيجاني الإسرائيلي مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين، بل أصبح شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تقوم على تبادل المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية، وتعززها حسابات إقليمية تتعلق بإيران والقوقاز وبحر قزوين.

وفي الداخل الأذربيجاني، تتبنى حكومة الرئيس إلهام علييف نموذجًا صارمًا لإخضاع المؤسسات الدينية لإشراف الدولة، يمتد من إدارة المساجد وتعيين الأئمة إلى مراقبة التجمعات الدينية وتنظيم المظاهر الإسلامية في المدارس.

وقد أعادت القيود الأخيرة على الحجاب، التي أثارت احتجاجات في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تسليط الضوء على التناقض بين الهوية الإسلامية للمجتمع الأذربيجاني والسياسات التي تتبناها حكومته، بالتزامن مع تعميق علاقاتها بالاحتلال الإسرائيلي.

غير أن فهم هذه العلاقة يستلزم التمييز بين أمرين: المصالح السياسية والأمنية الموثقة التي تجمع باكو بتل أبيب، والجذور التاريخية والداخلية للسياسات العلمانية الأذربيجانية، التي سبقت كثيرًا من مراحل تطور التحالف الإسرائيلي.

من العلاقات الدبلوماسية إلى التحالف الاستراتيجي

تعود العلاقات الرسمية بين أذربيجان وإسرائيل إلى 7 أبريل/نيسان 1992، بعد أشهر من انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال أذربيجان.

وكانت “إسرائيل” من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال الجمهورية الجديدة، وافتتحت سفارتها في باكو عام 1993.

لكن أذربيجان تأخرت ثلاثة عقود قبل افتتاح سفارتها في تل أبيب، التي بدأت عملها في مارس/آذار 2023.

ولم يكن هذا التأخر دليلًا على ضعف العلاقات، بل جرى بناء تعاون واسع في مجالات الدفاع والطاقة والاستخبارات قبل افتتاح السفارة بسنوات طويلة.

فقد احتاجت أذربيجان إلى تطوير قدراتها العسكرية في مواجهة أرمينيا خلال النزاع على إقليم قره باغ، بينما وجدت إسرائيل في الدولة الواقعة شمال إيران شريكًا يتمتع بموقع جغرافي حساس، وموارد نفطية مهمة، وسوقًا كبيرة للصناعات العسكرية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باكو، والتقى الرئيس إلهام علييف، في محطة بارزة لتوسيع العلاقات.

وفي مايو/أيار 2023، زار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أذربيجان، فيما واصل البلدان تبادل الزيارات السياسية والأمنية رفيعة المستوى.

ولم تتراجع هذه العلاقات بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل استمر تطوير التعاون الاقتصادي والعسكري.

وفي 26 يناير/كانون الثاني 2026، استقبل علييف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في باكو.

وأكد بيان رسمي لوزارة الخارجية الأذربيجانية أن العلاقات بين البلدين تحمل طابع الشراكة الاستراتيجية القائمة على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة، مشيرًا إلى آفاق توسيع التعاون في الدفاع والأمن والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

وهكذا انتقلت العلاقة من التعاون المحدود في التسعينيات إلى شبكة مصالح تشمل قطاعات أساسية في الأمن القومي والاقتصاد لدى الطرفين.

“إسرائيل” مورد رئيسي للسلاح الأذربيجاني

image 86

يمثل التعاون العسكري أحد أعمق جوانب العلاقة بين باكو وتل أبيب.

فبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري» (SIPRI)، شكّلت إسرائيل مصدر 69% من واردات أذربيجان من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة من 2016 إلى 2020.

ولا تشير هذه النسبة إلى القيمة المالية للعقود، بل إلى حجم الأسلحة الرئيسية المنقولة وفق منهجية المعهد.

وذكر المعهد أن صادرات الأسلحة إلى أذربيجان مثّلت 17% من إجمالي صادرات “إسرائيل” من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة نفسها، ما جعل باكو زبونًا بالغ الأهمية للصناعات العسكرية الإسرائيلية.

وكان علييف قد أعلن عام 2016 أن بلاده اشترت معدات عسكرية إسرائيلية بقيمة خمسة مليارات دولار.

وشملت المشتريات أنظمة دفاع جوي وصواريخ موجهة وطائرات مسيّرة وذخائر جوالة، بينها منظومات «هاروب» (Harop) الانتحارية، وصواريخ «لورا» (LORA) الباليستية التكتيكية، ومنظومة الدفاع الجوي «باراك-8».

وقد اكتسبت هذه الأسلحة أهمية خاصة خلال حرب قره باغ عام 2020، عندما اعتمد الجيش الأذربيجاني على الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة لضرب مواقع عسكرية أرمينية، وتعطيل أنظمة دفاع جوي ومعدات ثقيلة.

وكان لتلك القدرات دور مهم في التفوق العسكري الأذربيجاني، إلى جانب الأسلحة التركية والتنظيم العملياتي وعوامل أخرى.

لكن استخدام الأسلحة الإسرائيلية أثار أيضًا انتقادات حقوقية.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2020، أعلنت منظمة العفو الدولية أنها وثقت استخدام ذخائر عنقودية إسرائيلية الصنع من طراز M095، يبدو أنها أُطلقت بواسطة القوات الأذربيجانية على مناطق سكنية في ستيباناكيرت.

كما وثقت المنظمة انتهاكات ارتكبتها القوات الأرمينية خلال الحرب نفسها.

وتكشف هذه الوقائع أن العلاقات العسكرية لم تكن صفقات تجارية فقط، بل ساهمت في تعزيز القدرات القتالية الأذربيجانية والتأثير في نتائج الصراع الإقليمي.

النفط الأذربيجاني.. شريان حيوي للاقتصاد الإسرائيلي

image 88

إذا كانت “إسرائيل” تزود أذربيجان بالسلاح، فإن أذربيجان توفر لـ”إسرائيل” موردًا بالغ الأهمية: النفط.

ويمثل خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان أحد أهم مسارات تصدير النفط الأذربيجاني إلى الأسواق العالمية.

ويمتد الخط من أذربيجان عبر جورجيا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، حيث يجري تحميل النفط على الناقلات المتجهة إلى وجهات مختلفة، بينها فلسطين المحتلة.

ووفقًا لتحقيق نشرته وكالة رويترز في 21 يناير/كانون الثاني 2026، ارتفعت واردات “إسرائيل” من النفط الأذربيجاني عبر جيهان بنسبة 31% خلال عام 2025، لتبلغ نحو 94 ألف برميل يوميًا.

وشكّل النفط الأذربيجاني 46.4% من إجمالي واردات “إسرائيل” النفطية خلال عام 2025، وفق بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع تجارة الطاقة.

وكانت هذه أعلى حصة يسجلها النفط الأذربيجاني في واردات “إسرائيل” خلال العقد الحالي.

واللافت أن الارتفاع حدث رغم إعلان تركيا وقف تجارتها المباشرة مع “إسرائيل” بسبب الحرب على غزة.

وذكرت رويترز أن بعض الناقلات التي غادرت جيهان متجهة إلى “إسرائيل” أوقفت أنظمة التعرف الآلي على السفن، أو أبلغت عن وجهات مختلفة قبل تفريغ حمولاتها في الموانئ الإسرائيلية.

وفي أغسطس/آب 2024، كشف تحقيق لمنظمة «أويل تشينج إنترناشونال»، تناولته صحيفة الغارديان، أن أذربيجان كانت من أبرز موردي النفط الخام إلى “إسرائيل” خلال الأشهر الأولى من الحرب على غزة.

وهنا تظهر أهمية العلاقة بالنسبة إلى “إسرائيل”؛ فهي لا تعتمد على باكو في الحصول على منظومات عسكرية، بل تستفيد كذلك من إمدادات نفطية تساعد على استمرار تشغيل اقتصادها.

من توريد النفط إلى الاستثمار في الغاز الإسرائيلي

لم يتوقف التعاون عند بيع الخام.

ففي فبراير/شباط 2025، أعلنت شركة النفط الحكومية الأذربيجانية «سوكار» (SOCAR) التوصل إلى اتفاق للاستحواذ على حصة تبلغ 10% في حقل تمار للغاز الطبيعي قبالة الساحل الإسرائيلي.

وفي مارس/آذار من العام نفسه، حصل ائتلاف تقوده الشركة الأذربيجانية على ترخيص للتنقيب عن الغاز في المياه الاقتصادية الإسرائيلية.

ويعكس ذلك انتقال العلاقة من تبادل الطاقة إلى الاستثمار المباشر في قطاع الطاقة الإسرائيلي، بما يعزز المصالح الاقتصادية طويلة الأجل بين البلدين.

إيران.. المصالح الأمنية التي تقرّب باكو وتل أبيب

لا يمكن فهم عمق التحالف دون النظر إلى الموقع الجغرافي لأذربيجان.

فهي تتشارك حدودًا طويلة مع إيران، وتتمتع بعلاقات وثيقة مع تركيا، وتطل على بحر قزوين، وتقع في منطقة تشهد تنافسًا بين روسيا وتركيا وإيران والقوى الغربية.

وبالنسبة إلى “إسرائيل”، تحمل العلاقة مع دولة مجاورة لإيران أهمية استخباراتية واستراتيجية واضحة.

وقد تناولت تقارير إعلامية غربية، منذ عام 2012، احتمال وجود تعاون إسرائيلي أذربيجاني يتعلق بجمع المعلومات عن إيران، بل واحتمال الاستفادة من المنشآت الجوية الأذربيجانية في عمليات عسكرية.

ونقلت وكالة رويترز آنذاك عن مصادر مطلعة على السياسة العسكرية الأذربيجانية أن الجانبين بحثا كيفية الاستفادة من القواعد الجوية والطائرات المسيّرة في سيناريوهات مرتبطة بمهاجمة إيران.

لكن هذه التقارير لم تثبت بصورة قاطعة وجود اتفاق يسمح باستخدام الأراضي الأذربيجانية لشن هجمات إسرائيلية.

وفي يونيو/حزيران 2026، رفضت وزارة الخارجية الأذربيجانية بصورة قاطعة تقارير تحدثت عن استخدام أراضي البلاد لعمليات إسرائيلية عسكرية واستخباراتية ضد إيران، وأكدت أنها لم تسمح ولن تسمح باستخدام أراضيها لشن عمليات عدائية ضد دولة أخرى.

وفي المقابل، تتهم باكو السلطات الإيرانية بدعم أنشطة أمنية معادية داخل أذربيجان.

وفي مارس/آذار 2026، أعلنت السلطات الأذربيجانية إحباط مخططات قالت إنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، استهدفت منشآت بينها خط باكو–تبليسي–جيهان والسفارة الإسرائيلية ومواقع يهودية.

وتعكس هذه التطورات أهمية إيران في الحسابات المشتركة بين “إسرائيل” وأذربيجان.

فـ”إسرائيل” ترى في العلاقة مع باكو مكسبًا استراتيجيًا على الحدود الشمالية لإيران، بينما تستفيد القيادة الأذربيجانية من التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، في ظل توتر علاقاتها مع طهران.

لكن أذربيجان ليست مجرد امتداد للسياسة الإسرائيلية؛ فلها مصالح مستقلة مع تركيا وروسيا وإيران والغرب، وتسعى إلى تجنب التحول إلى ساحة حرب مباشرة بين القوى الإقليمية.

العلمانية الأذربيجانية.. من الفصل بين الدين والدولة إلى إخضاع الدين للسلطة

تقدم السلطات الأذربيجانية نموذجها السياسي بوصفه نموذجًا لدولة علمانية متعددة الأديان، تفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الحكم، وتمنع استغلال الدين في السياسة.

لكن تقارير حقوقية مستقلة تشير إلى أن التطبيق العملي يتجاوز الفصل بين الدين والدولة، ليصل إلى تدخل واسع في إدارة الحياة الدينية نفسها.

ولهذه السياسات جذور تاريخية قديمة.

فقد تأسست جمهورية أذربيجان الديمقراطية عام 1918، وكانت من أوائل الجمهوريات ذات النظام البرلماني العلماني في العالم الإسلامي.

ثم خضعت البلاد للحكم السوفيتي عام 1920، وشهدت خلال العقود التالية سياسات شيوعية استهدفت تقليص تأثير المؤسسات الدينية وإخضاعها لرقابة الدولة.

وبعد الاستقلال عام 1991، لم تعد أذربيجان إلى النموذج السوفيتي المعادي للأديان من الناحية الأيديولوجية، لكنها احتفظت بجزء مهم من تقاليد السيطرة الإدارية والأمنية على النشاط الديني.

وقد توسع هذا النهج في عهد حيدر علييف، ثم ابنه إلهام علييف، مع ترسيخ سلطة سياسية شديدة المركزية.

وهنا يظهر الفرق بين العلمانية التي تضمن حياد مؤسسات الدولة تجاه الأديان، وبين السياسات التي تجعل ممارسة الشعائر والأنشطة الدينية خاضعة لتصاريح وتوجيهات حكومية.

وتؤكد السلطات أن هذه التدابير ضرورية لمنع التطرف والتدخلات الأجنبية وحماية الاستقرار.

لكن منظمات حقوقية ترى أنها تُستخدم أيضًا لتقييد الممارسات الدينية السلمية التي لا تتوافق مع التوجهات الحكومية.

المساجد والخطباء والأنشطة الإسلامية تحت الرقابة

وفقًا للجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF)، تفرض أذربيجان نظامًا شديد التقييد على المؤسسات الدينية، يمنح الدولة سلطة واسعة في تسجيل الجمعيات الدينية والإشراف على رجال الدين ومراجعة المواد الدينية.

وأشار التقرير السنوي للجنة لعام 2026 إلى استمرار الانتهاكات الجسيمة للحريات الدينية خلال عام 2025، موصيًا بالإبقاء على البلاد ضمن قائمة المراقبة الخاصة.

وبحسب منظمة «فوروم 18» المتخصصة في الحريات الدينية، يجب أن تتبع المجتمعات الإسلامية في أذربيجان الإدارة الدينية لمسلمي القوقاز الخاضعة لإشراف الدولة، ولا يسمح بوجود مساجد مستقلة خارج هذا الإطار.

كما يواجه المسلمون قيودًا على تنظيم الاجتماعات الدينية في المنازل أو التجمعات غير المسجلة رسميًا.

وفي تقرير نشرته المنظمة في 17 سبتمبر/أيلول 2026، وثقت 57 ملاحقة إدارية لأشخاص بسبب أنشطة دينية غير معتمدة خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى منتصف سبتمبر/أيلول.

ومن بين الحالات الموثقة تغريم ثمانية مسلمين في العاصمة باكو بسبب تنظيم لقاءات دينية داخل منزل خاص، إلى جانب محاكمة 26 شخصًا في منطقة مهدي آباد على خلفية اجتماع ديني غير مرخص.

وتصل بعض الغرامات إلى ما يعادل عدة أشهر من متوسط الأجور.

ولا تستهدف القيود المسلمين وحدهم؛ فقد وثقت المنظمة أيضًا ملاحقات لأتباع طوائف نصرانية، بما يؤكد أن القضية ترتبط بسيطرة الدولة على النشاط الديني المستقل بصورة عامة.

لكن المسلمين يتأثرون بصورة خاصة بحكم كونهم الغالبية السكانية، ولأن المساجد والمؤسسات الإسلامية تخضع لنظام إداري مركزي أكثر صرامة.

التضييق على المساجد السنية

image 89

شهدت أذربيجان خلال العقود الماضية إغلاق عدد من المساجد السنية، بينها مسجد أبو بكر في باكو، ومسجد الشهداء، والمسجد الألباني في كنجة.

وقد وثقت منظمة «فوروم 18» هذه الحالات، مشيرة إلى أن السلطات استخدمت مبررات مختلفة، بينها غياب التسجيل الرسمي أو متطلبات السلامة أو إجراءات الترميم.

الحجاب.. حين يصبح التعليم مشروطًا بالتخلي عن المظهر الديني

في سبتمبر/أيلول 2026، عادت قضية الحجاب إلى واجهة النقاش في أذربيجان بعد إقرار تعديلات جديدة على قواعد الزي المدرسي.

ففي 21 سبتمبر، أقر مجلس الوزراء تعديلات تحظر استخدام عناصر ملابس تتعارض مع الزي المدرسي الموحد أو مع مبدأ علمانية التعليم.

ولم يتضمن القرار حظرًا صريحًا لكلمة «الحجاب»، لكن تطبيقه أدى إلى منع طالبات محجبات من دخول بعض المدارس.

وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول، أقرت السلطات متطلبات جديدة تتعلق بملابس المعلمين، تشترط أن تتوافق مع الطابع العلماني للتعليم العام.

وأثارت هذه الإجراءات احتجاجات في مدارس ومناطق مختلفة، بعدما انتشرت مقاطع مصورة لطالبات ومعلمات يبكين عقب منعهن من الدخول.

ووثقت منصة «ميدان تي في» احتجاج طلاب مدرسة باكو رقم 69، الذين رفضوا حضور الدروس تضامنًا مع زميلاتهم المحجبات.

ونقلت الجزيرة الإنجليزية عن المعلمة زهراء حسنوفا أنها أُبلغت بعدم السماح لها بمواصلة ارتداء الحجاب داخل المدرسة، مؤكدة أن ارتداءه قرار شخصي ينبغي أن يبقى بيد المرأة نفسها.

وأثارت هذه التطورات تساؤلًا بشأن التناقض بين النص الدستوري الذي يضمن حرية الدين والمعتقد، وبين الإجراءات الإدارية التي يمكن أن تؤدي إلى إقصاء طالبات أو معلمات بسبب التزامهن الديني.

ولا تعد هذه أول أزمة من نوعها في البلاد.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2010، أصدر وزير التعليم الأذربيجاني توجيهًا بمنع الطالبات من ارتداء الحجاب في المدارس، استنادًا إلى قواعد الزي الموحد والطابع العلماني للتعليم.

وقد أدى القرار آنذاك إلى احتجاجات واعتقالات، قبل أن يتراجع تطبيقه في بعض المراحل.

وتكشف عودة القضية عام 2026 عن استمرار الخلاف حول مفهوم العلمانية وحدود تدخل الدولة في الملبس الديني.

فالحجاب، بالنسبة إلى المسلمات، ليس مجرد إضافة إلى الزي المدرسي، وإنما جزء من ممارسة معتقدهن.

ولهذا فإن منعهن من التعليم أو العمل بسببه يجعل المسألة متعلقة بحرية المعتقد وتكافؤ الفرص، لا بتنظيم الملابس فقط.

التكنولوجيا الإسرائيلية وأجهزة الرقابة الأذربيجانية

يبرز جانب آخر من العلاقة بين “إسرائيل” وأذربيجان يتجاوز السلاح التقليدي، ويتعلق بتكنولوجيا المراقبة الرقمية.

ففي يوليو/تموز 2021، كشف تحقيق دولي ضمن «مشروع بيغاسوس»، شارك فيه مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، عن استخدام برنامج التجسس «بيغاسوس» الذي طورته شركة «إن إس أو» الإسرائيلية ضد صحفيين ونشطاء أذربيجانيين.

وأثبت التحليل الجنائي الرقمي إصابة هواتف صحفيين أذربيجانيين بالبرنامج، بينهم الصحفية الاستقصائية خديجة إسماعيلوفا، التي سبق أن سُجنت بسبب عملها الصحفي.

كما ظهر أكثر من مئتي اسم أو رقم مرتبط بأذربيجان في قائمة مسربة لأهداف محتملة للمراقبة، شملت صحفيين ومحامين ونشطاء وشخصيات معارضة.

ويستطيع برنامج بيغاسوس، عند اختراق الهاتف، الوصول إلى الرسائل والمكالمات والملفات والموقع الجغرافي، وتشغيل أدوات التسجيل دون علم المستخدم.

وخلص التحقيق إلى وجود أدلة قوية على استهداف معارضين وصحفيين بتكنولوجيا إسرائيلية، لكنه أوضح أن القائمة المسربة وحدها لا تثبت اختراق جميع الأشخاص الواردة أسماؤهم.

كما لم يقدم دليلًا قاطعًا على أن الحكومة الأذربيجانية كانت العميل المتعاقد في كل حالة.

وهذه التفاصيل مهمة لفهم العلاقة بين التعاون التكنولوجي والممارسات القمعية.

فثبوت استخدام برنامج تجسس إسرائيلي ضد صحفيين ونشطاء أذربيجانيين يوضح أن التقنيات الإسرائيلية وصلت إلى بيئة شهدت انتهاكات للحريات المدنية.

ونثير هذه الوقائع أسئلة مشروعة بشأن الضوابط الحقوقية المفروضة على تصدير تكنولوجيا المراقبة الإسرائيلية إلى الدول التي تتهمها منظمات مستقلة بقمع المعارضة وتقييد الحريات.

هل أسهم التحالف الإسرائيلي في تشديد العلمانية ضد الإسلام؟

تُظهر الوقائع السابقة وجود ثلاثة مسارات متوازية في أذربيجان: تعميق الشراكة العسكرية والأمنية مع “إسرائيل”، وترسيخ نموذج سياسي مركزي يقيّد الحريات المدنية، واستمرار التدخل الحكومي الواسع في الحياة الدينية.

لكن هل يمكن القول إن العلاقات مع “إسرائيل” هي السبب المباشر في هذه السياسات؟

تاريخيًا، لا تؤيد الأدلة هذا الاستنتاج بصورته المطلقة.

فالسياسات العلمانية الأذربيجانية تعود إلى ما قبل إقامة العلاقات مع “إسرائيل”، وتقوم على إرث سوفيتي طويل، وعلى تصور حكومي يعتبر المؤسسات الدينية المستقلة مصدرًا محتملًا للتحدي السياسي أو التدخل الخارجي.

كما أن أزمة الحجاب الأولى عام 2010 سبقت افتتاح السفارة الأذربيجانية في “إسرائيل” عام 2023، وإن كانت العلاقات الثنائية قائمة حينها.

لكن هذا لا يعني غياب التأثيرات غير المباشرة.

فالشراكة العسكرية والتكنولوجية تمنح السلطات الأذربيجانية وسائل إضافية لتعزيز قدراتها الأمنية، كما تمنحها شبكة علاقات خارجية قوية في ظل التنافس الإقليمي مع إيران.

ويظهر الجانب الموثق من هذه الصلة في استخدام برامج مراقبة إسرائيلية ضد صحفيين ونشطاء داخل أذربيجان.

أما العلاقة بين التعاون الأمني وبين سياسات الحجاب وإدارة المساجد والأنشطة الإسلامية، فلا يستبعد وجود دور إسرائيلي مباشر فيها.

ويمكن تفسير استمرار التشدد الديني الداخلي بعامل آخر بالغ الأهمية: رغبة السلطة في احتكار المجال السياسي والاجتماعي، وعدم السماح بنشوء قوى مستقلة تستطيع تعبئة المجتمع خارج المؤسسات الحكومية.

وفي هذا الإطار، قد يتعرض الناشط الإسلامي والمعارض العلماني والصحفي المستقل والمجموعة الدينية غير المسجلة لأشكال مختلفة من التضييق، وإن اختلفت الأدوات القانونية والأمنية المستخدمة ضد كل منهم.

وتُظهر هذه الصورة أن جوهر المشكلة ليس مجرد علاقة الدولة بـ”إسرائيل”، بل طبيعة النظام السياسي الذي ينظم هذه العلاقة، ويحدد في الوقت نفسه حدود الحرية المتاحة للمجتمع.

فلسطين بين الموقف الدبلوماسي والشراكة مع “إسرائيل”

يثير استمرار التعاون الأذربيجاني الإسرائيلي خلال الحرب على غزة إشكالية إضافية.

فأذربيجان عضو في منظمة التعاون الإسلامي، وتؤكد رسميًا دعمها لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على أساس حل الدولتين.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية أن بلادها قدمت مساعدات إنسانية للفلسطينيين بقيمة مليوني دولار منذ اندلاع الحرب عام 2023.

كما استقبل الرئيس علييف رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في يوليو/تموز 2026، وجدد دعمه لقيام الدولة الفلسطينية.

لكن هذه المواقف الدبلوماسية ترافقها علاقات اقتصادية وعسكرية واسعة مع “إسرائيل”.

ففي الوقت الذي أعلنت فيه باكو تأييدها لوقف إطلاق النار في غزة، واصلت “إسرائيل” استيراد النفط الأذربيجاني بكميات كبيرة، واحتفظ الجانبان بعلاقات استراتيجية في قطاع الدفاع والطاقة.

وتثير هذه الازدواجية تساؤلات بشأن مدى تأثير المواقف السياسية المعلنة على القرارات الاقتصادية والأمنية.

فالدعم الإنساني للفلسطينيين شيء، والحفاظ على تدفق النفط والاستثمارات إلى “إسرائيل” شيء آخر.

هوية إسلامية وتحالفات استراتيجية وسلطة تتحكم في الدين

تكشف التجربة الأذربيجانية عن نموذج سياسي يجمع بين مجتمع ذي أغلبية مسلمة، وحكومة علمانية ذات سلطة مركزية واسعة، وتحالف استراتيجي متنامٍ مع “إسرائيل”.

وقد استفادت باكو من هذه العلاقة في تطوير جيشها وتعزيز قدراتها العسكرية، بينما حصلت “إسرائيل” على شريك إقليمي مهم، وسوق للأسلحة، ومصدر رئيسي للنفط، وفرص للتعاون الأمني والتكنولوجي.

أما في الداخل، فقد بقيت الحياة الدينية خاضعة لرقابة مشددة، وشملت القيود مساجد مستقلة وجماعات دينية واجتماعات خاصة وأنشطة تعليمية، وصولًا إلى منع محجبات من دخول بعض المدارس خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وتكشف هذه الوقائع أن شراكة الاحتلال الإسرائيلي مع أذربيجان تتطور في ظل نظام تثير ممارساته انتقادات حقوقية واسعة.

والسؤال الأكثر أهمية هو كيف يمكن لدولة ينص دستورها على حرية الدين، ويعتنق الإسلامَ معظم سكانها، أن تجعل ممارسة بعض الشعائر والمظاهر الدينية سببًا للغرامة أو الإقصاء من التعليم والعمل.

إن الفصل بين الدين والدولة لا يقتضي بالضرورة منع المتدين من التعبير عن معتقده، ولا تحويل المدرسة إلى مؤسسة يُستبعد منها الطالب أو المعلم بسبب مظهره الديني.

وهنا تتضح المفارقة الأذربيجانية: دولة توسع خياراتها في شراء السلاح والتكنولوجيا وإقامة التحالفات الخارجية، لكنها تضع قيودًا صارمة على خيارات مواطنيها في ممارسة شعائرهم والتعبير عن معتقداتهم.

وبينما تتجه العلاقات مع “إسرائيل” نحو مزيد من التشابك الاقتصادي والأمني، يبقى الاختبار الحقيقي في الداخل الأذربيجاني هو قدرة المجتمع على ممارسة دينه بحرية، دون أن تتحول العلمانية من مبدأ لتنظيم العلاقة بين الدولة والدين إلى أداة لإخضاع الدين نفسه لسلطة الدولة.

هل تتعلم أذربيجان من حليفتها “إسرائيل”؟

image 90

تبدو المفارقة أشد وضوحًا حين ننظر إلى “إسرائيل” نفسها؛ فالدولة التي اختارتها باكو حليفًا استراتيجيًا لا تخجل من إعلان هويتها اليهودية، بل كرّستها في قانون أساسي، وجعلت السبت والأعياد اليهودية جزءًا من نظامها الرسمي، وتدعم مؤسسات التعليم الديني والحاخامات، حتى إنها أقرت في يوليو/تموز 2026 قانونًا أساسيًا يعتبر دراسة التوراة قيمة جوهرية في تراث الشعب اليهودي والدولة.

وفي المقابل، تتعامل السلطات الأذربيجانية مع مظاهر التدين الإسلامي في مجتمع ذي أغلبية مسلمة باعتبارها مشكلة ينبغي ضبطها؛ فتُقيّد استقلال المساجد، وتُخضع النشاط الديني لرقابة الدولة، وتُقصى طالبات ومعلمات من المدارس بسبب حجابهن. وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن تواجهه باكو: إذا كانت حليفتها “إسرائيل| تعتز بهويتها اليهودية وتوظف مؤسسات الدولة في ترسيخها، فلماذا يُحرم المسلمون في أذربيجان من حق إظهار هويتهم الإسلامية وممارسة شعائرهم بحرية؟

وكيف يصبح التمسك بالدين اليهودي جزءًا من الهوية الوطنية لدى الحليف، بينما يُعامل التمسك بالدين الإسلامي باعتباره تهديدًا للعلمانية لدى من يتحالف معه؟

إن كانت باكو حريصة على الاستفادة من التجربة الإسرائيلية، فأولى ما ينبغي أن تدركه أن التقدم العسكري والتكنولوجي لا يستلزم محاربة الهوية الدينية للشعب، وأن احترام حرية المسلمين في التمسك بدينهم ليس نقيضًا لبناء دولة حديثة.


المصادر والمراجع

  1. معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI): Arms Transfers to Conflict Zones: The Case of Nagorno-Karabakh، 2021، وتقارير نقل الأسلحة الدولية.
  2. وكالة رويترز: Israel’s imports of Azerbaijani oil via Turkey jump despite Ankara’s trade ban، 21 يناير 2026.
  3. وزارة الخارجية الأذربيجانية: بيان لقاء وزيري خارجية أذربيجان وإسرائيل، 26 يناير 2026.
  4. السفارة الأذربيجانية في إسرائيل: تاريخ العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين.
  5. الجزيرة نت: بكاء واحتجاجات.. ماذا يحدث للمحجبات في مدارس أذربيجان؟، 10 أكتوبر 2026.
  6. وكالة APA الأذربيجانية: تعديلات الزي المدرسي الصادرة في 21 سبتمبر 2026، ومتطلبات ملابس المعلمين الصادرة في 6 أكتوبر 2026.
  7. اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF): التقرير السنوي لعام 2026، وفصل أذربيجان.
  8. منظمة Forum 18: More than 50 prosecutions in 2026 for unapproved religious meetings، 17 سبتمبر 2026.
  9. مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP): Life in Azerbaijan’s Digital Autocracy، تحقيق مشروع بيغاسوس.
  10. منظمة العفو الدولية: تقارير استخدام الذخائر العنقودية خلال حرب قره باغ، 2020، والتحقيقات المتعلقة ببرنامج بيغاسوس، 2021.
  11. وزارة الخارجية الأذربيجانية: بيانات السياسة تجاه فلسطين، 2025، وبيان نفي استخدام الأراضي الأذربيجانية لعمليات عسكرية ضد إيران، يونيو 2026.
  12. وزارة الخارجية الأمريكية: تقارير الحرية الدينية في أذربيجان، ولا سيما توجيهات الحجاب الصادرة في ديسمبر 2010.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *