تشهد فرنسا موجة احتجاجات متصاعدة تقودها شريحة واسعة من طلاب المدارس الثانوية، بدأت من ضواحي باريس قبل أن تمتد إلى مدن عدة، في تحرك تحوّل خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الطلابي التي تشهدها البلاد منذ عقود.
وتتركز مطالب المحتجين على تحسين أوضاع التعليم، وتوفير عدد كافٍ من المعلمين، وتقليص اكتظاظ الفصول، وإصلاح المباني المدرسية المتضررة، إلى جانب الاعتراض على طول اليوم الدراسي ونظام القبول الجامعي «باركورسوپ». كما يطالب المحتجون بزيادة الإنفاق على التعليم وإنهاء ما يرونه سنوات من تراجع الاستثمار في المدارس العامة.
أكثر من ربع مليون متظاهر
وفي أحدث تحرك واسع، الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خرج أكثر من 266 ألف شخص في أنحاء فرنسا، بينهم نحو 56 ألفًا في باريس، وفق أرقام وزارة الداخلية الفرنسية، بينما قدّر منظمو الاحتجاجات العدد بنحو 450 ألفًا على مستوى البلاد.
وشاركت في المظاهرات إلى جانب الطلاب، مجموعات من المعلمين وأولياء الأمور والنقابات وطلاب الجامعات، في مؤشر على اتساع الحركة من مطالب طلابية محددة إلى حالة أوسع من الاستياء تجاه أوضاع التعليم والسياسات الحكومية.
وترافقت الاحتجاجات مع إغلاق أو تعطيل مئات المدارس، فيما أفادت وزارة التعليم بتعليق الدراسة كليًا أو جزئيًا في 891 مدرسة ثانوية يوم الثلاثاء. كما امتدت التحركات إلى مدن من بينها مرسيليا وليون ورين وليل وستراسبورغ وتولوز. (Le Monde.fr)
مواجهات مع الشرطة وإصابات بين الطلاب
ورغم أن العديد من المسيرات جرت بصورة سلمية، شهدت بعض المدن مواجهات بين متظاهرين وقوات الشرطة، خصوصًا في باريس. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه ووسائل تفريق أخرى، فيما ألقى بعض المحتجين الحجارة والألعاب النارية وأضرموا النيران في بعض المواقع.
وبحسب السلطات، أُصيب أكثر من 215 طالبًا و85 من العاملين في المدارس، إضافة إلى أكثر من 700 من أفراد الشرطة منذ بدء الاحتجاجات. كما جرى توقيف مئات الأشخاص خلال تحرك الثلاثاء، بينما تجاوز عدد الموقوفين منذ بداية الحركة 6500 شخص، معظمهم من القاصرين.
وزادت حدة الانتقادات الموجهة إلى الشرطة عقب إصابة فتى يبلغ 15 عامًا وفقدانه يده خلال احتجاج في مدينة لانس. وعلى خلفية الحادث، أعلنت وزارة الداخلية تعليق استخدام القنابل الصوتية خلال احتجاجات طلاب المدارس مؤقتًا إلى حين اتضاح ملابسات الواقعة.
الحكومة بين الاحتواء والأزمة المالية
وتواجه حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ضغوطًا متزايدة لاحتواء الاحتجاجات، في وقت تعاني فيه فرنسا من أزمة مالية وارتفاع كبير في الدين العام، ما يضيّق هامش الحكومة لتنفيذ مطالب تتطلب زيادة الإنفاق.
ووعدت الحكومة بالنظر في مطالب الطلاب المتعلقة بتوفير بدلاء للمعلمين الغائبين، وإصلاح المدارس المتضررة، ومراجعة ساعات الدراسة وفترات الراحة، إلا أن المحتجين يطالبون بإجراءات ملموسة بدلًا من الوعود.
وفي المقابل، تحاول السلطات الفصل بين الاحتجاجات السلمية وأعمال العنف التي رافقتها في بعض المدن، بينما تتهم جهات حقوقية الحكومة باستخدام القوة بصورة مفرطة ضد القاصرين، وهو ما تنفيه السلطات وتؤكد أن الشرطة تتعامل مع أعمال الشغب وحماية الممتلكات العامة.
احتجاج يتجاوز أسوار المدارس
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحركة لم تعد مجرد احتجاج طلابي على أوضاع المدارس، إذ انضمت إليها نقابات وأسر ومعلمون وطلاب جامعات وقطاعات من المجتمع المدني.
وبذلك تحولت أزمة التعليم إلى ساحة أوسع للتعبير عن الغضب الاجتماعي في فرنسا، في وقت تعيش فيه البلاد انقسامًا سياسيًا وضغوطًا اقتصادية متزايدة، ما يجعل استمرار الاحتجاجات وتوسعها اختبارًا جديدًا لقدرة الحكومة على إدارة الشارع واحتواء المطالب قبل تحولها إلى أزمة سياسية أوسع.
ومع استمرار الدعوات إلى مزيد من الاحتجاجات، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الحكومة الفرنسية في تهدئة الشارع عبر إصلاحات حقيقية في قطاع التعليم، أم تتحول موجة الاحتجاج الطلابي إلى حراك اجتماعي أوسع يتجاوز المدارس إلى ملفات سياسية واقتصادية أكثر تعقيدًا؟



