من «تنظيف المساجد» إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي .. ماذا يكشف تصريح كوشنر عن إعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية؟

585896 555392956

«لقد نظّفنا الكثير من المساجد، وعملنا مع شركائنا في المنطقة، وما فعلناه اليوم سيجعل تطبيع علاقات “إسرائيل” مع العالم العربي أسهل بكثير».

بهذه الكلمات، تحدث جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومهندس «صفقة القرن»، خلال مقابلة مع شبكة CNN في 28 يناير/كانون الثاني 2020، عن جهود واشنطن مع حلفائها لإعادة توجيه الخطاب الديني والفكري، رابطًا ذلك مباشرة بتسهيل التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي.

ولعل أخطر ما يكشفه التصريح هو أن كوشنر لم يتحدث عن التطبيع باعتباره اتفاقًا دبلوماسيًا فحسب، بل ربطه أيضًا بالتأثير في البيئة الدينية والفكرية داخل المجتمعات العربية.

فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية توسعًا في إخضاع المساجد والخطباء للرقابة الحكومية، وتقييد استقلال بعض المؤسسات الدينية، بالتزامن مع تحولات اجتماعية وترفيهية واسعة، ومساعٍ أمريكية لإدماج الاحتلال الإسرائيلي في شبكة من الشراكات الاقتصادية والأمنية العربية.

وتكشف التقارير الرسمية الأمريكية، على سبيل المثال، عن إشراف السلطات السعودية على موضوعات خطب الجمعة ومراقبة الأئمة، بينما شهدت المملكة توسعًا كبيرًا في الحفلات والمهرجانات والأنشطة الترفيهية، ضمن برنامجها للتحول الاقتصادي والاجتماعي.

ويطرح تصريح كوشنر سؤالًا مهمًا عن العلاقة بين تغيير الخطاب الديني، وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والاجتماعية، وتهيئة الظروف لتقبّل العلاقات مع ما يسمى “إسرائيل”.

وبعد أقل من ثمانية أشهر من المقابلة، وقّعت الإمارات والبحرين اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي برعاية إدارة ترامب، دون اشتراط إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية قبل إقامة العلاقات.

وهنا تظهر المفارقة: بينما تحتفظ “إسرائيل” بهويتها اليهودية وتمنح الدين اليهودي مكانة رسمية في مؤسساتها وتشريعاتها، تتعرض مؤسسات إسلامية في بعض الدول العربية لقيود حكومية متزايدة على استقلال خطابها الديني.

إن مكافحة التحريض على العنف لا تقتضي تجريد المساجد من دورها في التوجيه الديني، كما أن الإصلاح لا يستلزم إقصاء العلماء المستقلين أو تقييد حرية التعبير السلمي عن القضايا الإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين.

والسؤال الذي يفرضه تصريح كوشنر: لماذا رأى أحد أبرز مهندسي التطبيع أن التدخل في الخطاب الديني داخل المساجد يساعد على تسهيل علاقات “إسرائيل” بالعالم العربي؟ وهل يُراد للتطبيع أن يبقى قرارًا سياسيًا بين الحكومات، أم أن يمتد أثره إلى إعادة تشكيل وعي المجتمعات ومواقفها وهويتها؟

المصادر: مقابلة جاريد كوشنر مع كريستيان أمانبور، CNN، 28 يناير 2020؛ تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الحرية الدينية في السعودية لعام 2020؛ وثائق البيت الأبيض الخاصة باتفاقيات إبراهيم، سبتمبر 2020.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *