الأويغور: من البصمة الجينية إلى التهمة الأمنية

ac06314d 9ee3 4357 94b3 6572b3d9924e

في عالمٍ يُهتم فيه بالمصادقة على القوانين أكثر من التشديد على تطبيقها، تصول الصين وتجول في تركستان الشرقية المحتلة (إقليم شينجيانغ)؛ إذ حولته إلى مختبرٍ سريري تمارس فيه ”تفريغاً أخلاقياً” بحق الأويغور—تجمع جيناتهم وتستغلها لتطوير خوارزميات التتبع الجنائي، رافعةً بذلك مستويات الإخضاع والاستعمار الداخلي إلى أقصى درجاتها تحت غطاء: ”أمننة الأجساد” (Securitization).

إن هذه الفاشية البيولوجية، المعنية بإنشاء ”بصمة عرقية رقمية” وتوثيقها لدى السلطات المركزية، تُوجَّه حصراً لجعل ملامح الإيغوري وثقافته وجيناته ”شبهة أمنية” تلقائية أينما تحرك، مما يسهل تتبعه، مراقبته، وتدجينه.

وبسبرِ أغوار التفاصيل الميدانية لهذا ”التفريغ الأخلاقي”، يتكشفُ لنا الخرقُ الصارخ لإعلان هلسنكي بشأن ”الموافقة المستنيرة”، والذي يعتبر أي موافقة باطلة إذا أُخذت في بيئة إكراهية. وهو ما تتضافرُ الأدلةُ الميدانية والأكاديمية على إثباته؛ إذ تشهدُ على ذلك أولاً الشهادات الحية لمعتقلين سابقين وأطباء أويغور فروا من تركستان الشرقية والموثقة في تقرير ”محكمة الأويغور” المستقلة (Uyghur Tribunal)، حيث وصفوا كيف كان يُساق المواطنون والمحتجزون طوابيرَ لسحب عينات الدم وإجراء التحاليل دون طلب موافقتهم أو توضيح طبيعة الفحص، وفي ظل تصنيف أي محاولة للرفض أو التساؤل فوراً كعصيان وتطرف أمني.

أما الدليلُ الأكاديمي، فيقف على رأسِهِ عالم الجينات البلجيكي ”إيفز مورو” (Yves Moreau)، الذي قادَ حملةَ تدقيقٍ كشفت استغلالَ المؤسسات البحثية والشرطية الصينية لعينات الإيغور في إعداد أبحاثٍ حول ”الطب الشرعي الجيني” (Forensic Genetics) ونشرها في مجلات عالمية مرموقة، معتمدةً على إقرارات شكليّة تُزيف وجود ”موافقة طوعية”.

إلا أن ”مورو”—وبمعرفته الدقيقة بالواقع السياسي في تركستان الشرقية—أدرك استحالة حصول باحثين على ”موافقة حرة” من مشاركين يرزحون تحت الاحتجاز أو الرقابة الشديدة. وعلى إثر ذلك، فتحت الدوريات العلمية تحقيقاتٍ رسمية طالبت فيها الباحثين الصينيين بتقديم استمارات ”الموافقة المستنيرة” الموقعة فردياً من المشاركين. وهنا وقع الباحثون في العجز التام؛ إذ لم يستطيعوا تقديم وثيقة واحدة تُثبت موافقة المشاركين على أبحاث التتبع الجنائي، واكتفوا باللجوء إلى إقراراتٍ شكلية صادرة عن لجان أخلاقية تابعة لأجهزة الأمن ومستشفيات الشرطة.

لتنكشف بذلك السلسلة الكاملة للتزوير المؤسسي: إذ تبيّن أن تلك الأبحاث اعتمدت ميدانياً على تغليف جمع العينات بغطاء ”الفحوصات الطبية الروتينية” (Checkups for All) الخالية من أي إشارة للاستخدام الشرطي للـ DNA، وعبر وثائق حكومية كُتبت بلغة صينية معقدة لا يفهمها القرويون الإيغور.

ولم تتوقف الأدلة عند هذا الحد، بل جاء المعيار الإحصائي ليحسم الجدل؛ فبينما تسجل الممارسات العلمية الطبيعية نسبة رفضٍ منتظمة بين المشاركين، أظهرت البيانات المنشورة نسبة مشاركةٍ من الأويغور بلغت 100% تقريباً دون تسجيل حالة رفضٍ واحدة! وهو توافقٌ خيالي في منطقةٍ مضطربة أمنياً، يُشكلُ برهاناً إحصائياً قاطعاً على الإكراه الشامل لا التطوع.

وفي الختام، فإن هذا التكشف أمام العالم وسحب الأوراق العلمية لم يُوقف السعي الصيني نحو فرض سيطرته البيومترية؛ إذ لم تكن عملية جمع العينات الجينية سوى مرحلة تمهيدية لتطوير خوارزميات التتبع الرقمي؛ لتغدو المسؤولية الجمعية تجاه قضية الإيغور واجبًا أكثر من أي وقت مضى.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *