«حواضر الإسلام عبر التاريخ 29»: نيسابور.. حاضرة خراسان التي أنجبت أئمة العلم والحديث

1

في قلب خراسان، بين طرق العراق وبلاد فارس وما وراء النهر، قامت نيسابور واحدة من أعظم الحواضر الإسلامية التي عرفها المشرق.

لم تكن نيسابور مدينة سياسية عابرة، ولا محطة تجارية على طريق القوافل فحسب.. بل كانت، خصوصًا في القرنين الرابع والخامس الهجريين، من أهم مراكز العلم السني في العالم الإسلامي، وخرج منها أو أقام فيها أئمة في الحديث والفقه والتفسير واللغة والأدب.

وقد وضعها المؤرخون والجغرافيون ضمن المدن الكبرى الأربع لخراسان إلى جانب بلخ ومرو وهراة، بينما تؤكد الدراسات التاريخية أن المدينة بلغت ذروة ازدهارها في عصور السامانيين والغزنويين والسلاجقة.

من مدينة خراسانية إلى حاضرة إسلامية

كانت نيسابور مدينة قديمة تعود جذورها إلى العصر الساساني، ويرجح أن تأسيسها أو إعادة بنائها ارتبط بالملك الساساني شابور الأول في القرن الثالث الميلادي.

لكن موقعها الجغرافي هو الذي منحها لاحقًا أهمية استثنائية، فقد كانت تقع على طرق تصل خراسان بالعراق وفارس وما وراء النهر، وترتبط عبر مرو وبلخ ببخارى وسمرقند وطرق التجارة المتجهة إلى الصين، كما تصل جنوبًا إلى هراة والهند، وغربًا إلى الري وهمدان.

دخلت نيسابور ضمن النطاق الإسلامي في القرن الأول الهجري، وأصبحت مع اتساع الدولة الإسلامية جزءًا من إقليم خراسان الذي تحول إلى إحدى أهم مناطق الحضارة الإسلامية في الشرق.

ومنذ ذلك الوقت بدأت المدينة تخرج تدريجيًا من كونها مركزًا إقليميًا إلى حاضرة واسعة التأثير.

نيسابور في العصر الساماني

شهدت نيسابور ازدهارًا كبيرًا خلال العصور التي سبقت السلاجقة، وخاصة في عهد السامانيين.

وفي هذه المرحلة تطورت الزراعة والتجارة والصناعات، وأصبحت المدينة مركزًا لإنتاج المنسوجات والخزف، كما نشأت فيها طبقة قوية من التجار والحرفيين وأعيان المدينة.

وكان للمؤسسة الدينية حضور بارز في الحياة العامة، فقد أصبحت نيسابور موطنًا للفقهاء والمحدثين، وبرز فيها علماء من المذهبين الحنفي والشافعي.

وتشير المصادر إلى أن النخبة الدينية في المدينة كانت من أكثر الفئات نفوذًا، وأن نيسابور احتفظت بمكانتها مركزًا سنيًا بارزًا في المشرق الإسلامي.

نيسابور.. مدينة الحديث

إذا كان لنيسابور اسم يميزها في تاريخ العلوم الإسلامية، فهو الحديث النبوي.

فقد أصبحت المدينة مقصدًا للمحدثين والطلاب، وانتشرت فيها حلقات الرواية والدراسة، وخرج منها عدد كبير من العلماء الذين أسهموا في حفظ السنة ونقلها وتصنيفها.

ومن أشهر أعلامها الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، صاحب «الصحيح»، الذي توفي سنة 261هـ/875م، وكان صحيح مسلم أحد أعظم كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، وأصبح مع صحيح البخاري من أهم دواوين السنة النبوية.

ولا يمكن فهم مكانة نيسابور العلمية من خلال عالم واحد، فالمدينة كانت بيئة علمية كاملة، يتجاور فيها المحدثون والفقهاء والمفسرون واللغويون.

الحاكم النيسابوري

ومن كبار أعلام الحديث في نيسابور محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المتوفى سنة 405هـ/1014م، وهو كان من كبار حفاظ الحديث، ومن أشهر كتبه «المستدرك على الصحيحين»، الذي جمع فيه أحاديث رأى أنها على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما ولم يخرجاها.

وأهمية الحاكم لا تكمن في كتابه فقط، بل في موقعه داخل المدرسة الحديثية النيسابورية التي حافظت على تقاليد الرواية والإسناد والتصنيف.

وهكذا أصبحت نيسابور إحدى الحلقات الأساسية في شبكة المراكز الحديثية التي امتدت من الحجاز والعراق إلى خراسان وما وراء النهر.

الجويني.. مدرسة الفقه والكلام

لم تكن نيسابور مدينة حديث فقط، ففيها ازدهر الفقه الشافعي بصورة خاصة، وظهر فيها الإمام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، المعروف بإمام الحرمين، المتوفى سنة 478هـ/1085م.

كان الجويني من أبرز علماء أصول الفقه والعقيدة في القرن الخامس الهجري، ودرّس في نيسابور، ثم ارتبط اسمه بالمدرسة النظامية التي أسسها الوزير نظام الملك.

ومن خلال الجويني وتلاميذه أصبحت نيسابور مركزًا مهمًا في تطور علم أصول الفقه والجدل الكلامي السني.

الغزالي.. تلميذ نيسابور الكبير

وكان من أشهر من تتلمذ على الجويني أبو حامد محمد الغزالي، المتوفى سنة 505هـ/1111م.

ينحدر الغزالي من طوس القريبة من نيسابور، لكنه ارتبط بالمدينة علميًا بصورة وثيقة، فقد درس على إمام الحرمين، ثم عاد إليها بعد سنوات، وتولى التدريس في المدرسة النظامية فيها.

وكان وجود الغزالي في نيسابور جزءًا من مرحلة مهمة في حياته العلمية قبل انتقاله إلى بغداد.

وهكذا كانت المدينة في القرن الخامس الهجري تجمع بين كبار الفقهاء والمحدثين والأصوليين، وتوفر لهم مؤسسات علمية منتظمة.

النظامية.. مؤسسة علمية صنعتها الدولة

كان تأسيس المدرسة النظامية في نيسابور جزءًا من المشروع التعليمي للوزير السلجوقي نظام الملك، وأنشئت المدرسة للفقه الشافعي، وأصبحت من أهم مؤسسات التعليم في المدينة.

وتكشف تجربة النظامية عن التحول الذي شهدته الحواضر الإسلامية في القرن الخامس الهجري، إذ لم تعد حلقات العلم مقتصرة على المساجد ومجالس العلماء، وإنما ظهرت مدارس ذات أوقاف ومناهج ومدرسين وطلاب.

وكانت نيسابور من المدن التي احتضنت هذا النموذج مبكرًا، إلى جانب بغداد وغيرها من حواضر المشرق.

وتذكر المصادر أن المدرسة النظامية في نيسابور ارتبطت بإمام الحرمين، ثم بالغزالي وغيره من كبار العلماء.

نيسابور والتجارة

لم يكن العلم منفصلًا عن اقتصاد المدينة، فموقع نيسابور على طرق التجارة جعلها واحدة من أهم مراكز الحركة الاقتصادية في خراسان.

كانت القوافل القادمة من ما وراء النهر تمر عبرها باتجاه غرب العالم الإسلامي، بينما اتصلت طرقها بهراة جنوبًا وبالري والعراق غربًا.

كما اشتهرت المدينة بصناعاتها، ومنها الخزف والمنسوجات، وكانت الزراعة المحيطة بها مصدرًا مهمًا لثروتها.

وتؤكد الدراسات الأثرية أن نيسابور في العصر الإسلامي الوسيط كانت في الوقت نفسه مركزًا للسكن والإنتاج الاقتصادي، ولم تكن مجرد مدينة إدارية أو عسكرية.

نيسابور وملوك السلاجقة

مع قيام الدولة السلجوقية أصبحت نيسابور واحدة من أهم مدن خراسان.

دخل طغرل بك نيسابور سنة 429هـ/1037م، واتخذها مركزًا مهمًا في بدايات الدولة السلجوقية.

ثم استمرت مكانتها في عهد ألب أرسلان وملكشاه، وإن كان السلطان سنجر قد جعل مرو مركز حكمه في خراسان، نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي على الحدود الشرقية.

ومع ذلك لم تفقد نيسابور دورها العلمي أو الاقتصادي، وظلت المدينة مركزًا سنيًا كبيرًا.

وتشير المصادر إلى أن الفقهاء والمحدثين كانوا يمثلون عنصرًا مهمًا من النخبة الاجتماعية في المدينة، وأن المذهبين الحنفي والشافعي كانا الأكثر حضورًا في الحياة العلمية.

نيسابور في زمن الفتن

لم تكن الحياة العلمية كافية لحماية المدينة من الاضطرابات، حيث شهدت نيسابور خلال القرون المختلفة صراعات بين جماعات اجتماعية ومذهبية، واضطرابات سياسية، ومنافسات بين القوى الحاكمة.

وسجل المؤرخون كذلك توترات بين الحنفية والشافعية، وظهور جماعات دينية أخرى، لكن هذه الصراعات لم تمنع المدينة من الحفاظ على مكانتها الأساسية كمركز للعلم السني في خراسان خلال العصر السلجوقي.

وهذه الصورة مهمة لفهم تاريخ المدينة بعيدًا عن التوصيف المثالي، فالحاضرة العلمية الكبرى كانت أيضًا مدينة حية تتفاعل فيها المدارس والمذاهب والطبقات الاجتماعية المختلفة.

المغول.. الضربة التي غيرت وجه نيسابور

جاءت واحدة من أعظم الكوارث في تاريخ المدينة مع الغزو المغولي في القرن السابع الهجري.

دخل المغول نيسابور سنة 618هـ/1221م تقريبًا، وتعرضت المدينة لدمار هائل.

وترتبط الكارثة في المصادر بمقتل عدد كبير من سكانها، بعد مقتل طغاجار، أحد قادة المغول وصهر جنكيز خان، أثناء العمليات العسكرية.

وقد كان الدمار الذي أصاب نيسابور من العوامل الأساسية في انهيار مكانتها القديمة.

ثم تكررت الاضطرابات في المنطقة، ولم تستطع المدينة أن تستعيد الوزن الحضري والسياسي الذي كانت تتمتع به في القرنين الرابع والخامس الهجريين.

المدينة القديمة والمدينة الحديثة

أدت الكوارث المتعاقبة إلى انتقال مركز العمران بعيدًا عن الموقع التاريخي القديم.

ولهذا فإن نيسابور التي نعرفها اليوم ليست ببساطة المدينة نفسها التي وصفها الجغرافيون في العصر السلجوقي، فالمدينة التاريخية القديمة أصبحت منطقة أثرية واسعة تقع على مسافة تقارب كيلومترين جنوب شرق المدينة الحديثة.

وتكشف الحفريات عن طبقات عمرانية وصناعية تعود إلى مراحل مختلفة من تاريخها الإسلامي.

وتساعد هذه الآثار على إعادة تصور مدينة كانت ذات أسواق وأحياء ومناطق إنتاج ومؤسسات علمية ودينية واسعة.

نيسابور.. حاضرة السنة والعلم

تكمن خصوصية نيسابور في أنها لم تكن مجرد عاصمة سياسية، فحتى عندما انتقل مركز الحكم في خراسان إلى مرو، بقيت نيسابور مركزًا للعلم والفقه والحديث والأدب.

وفيها اجتمع المحدثون والفقهاء، ودرّس إمام الحرمين، وأقام الغزالي، وخرج منها الإمام مسلم والحاكم وغيرهما من كبار علماء الأمة، كما ارتبط اسمها بطريق طويل من نقل العلم بين العراق والحجاز وخراسان وما وراء النهر.

ولهذا فإن تاريخ نيسابور يمثل جانبًا مهمًا من تاريخ الحضارة الإسلامية السنية: مدينة لم تصنع قوتها بالسيف وحده، وإنما صنعت شهرتها بالحديث والفقه والمدارس والعلم والتجارة.

ماذا بقي من نيسابور؟

بقيت المنطقة الأثرية لنيسابور القديمة واحدة من أهم الشواهد على المدن الإسلامية في خراسان، وتكشف الحفريات عن الأحياء السكنية ومناطق الإنتاج والخزف والطرق والمنشآت التي تعطي صورة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة.

لكن أعظم ما بقي من نيسابور ليس حجرًا واحدًا؛ بل تراث علمي امتد تأثيره إلى مختلف أقاليم العالم الإسلامي.

فحين يُذكر الإمام مسلم والحاكم النيسابوري وإمام الحرمين والغزالي، فإن اسم نيسابور يحضر معهم بوصفها واحدة من البيئات العلمية التي صنعت جزءًا كبيرًا من الذاكرة الإسلامية للمشرق.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *