الهند.. فيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي تدخل على خط أزمة «المسجد الشاهي» وتشعل الشائعات

Screenshot 2026 09 29 131811

لم تبق أزمة «المسجد الشاهي» في مدينة أوجين بولاية ماديا براديش الهندية نزاعًا على الأرض حول إزالة جزء من مسجد تاريخي لتوسعة طريق، بل انتقلت سريعًا إلى الفضاء الرقمي، حيث انتشرت مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي توحي بأن السلطات تهدم المسجد كاملًا، قبل أن تتحول الشائعة إلى عامل إضافي في توتر انتهى بمواجهات بين محتجين والشرطة.

وقالت شرطة أوجين إن التحقيقات الأولية أظهرت أن مقاطع مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب منشورات ومعلومات مضللة على مواقع التواصل، انتشرت قبل اضطرابات الاثنين 28 سبتمبر/أيلول 2026 (17 ربيع الآخر 1448هـ)، وقدمت صورة غير صحيحة لما كان يجري في المسجد. وبحسب الشرطة، ساعدت تلك المواد على حشد أشخاص وإثارة المخاوف من أن المسجد بأكمله يتعرض للهدم.


ما الذي كان يحدث بالفعل؟

تعود الأزمة إلى مشروع تنفذه السلطات في أوجين لتوسعة أحد الطرق إلى عرض 15 مترًا ضمن استعدادات المدينة لاستضافة مهرجان «سيمهاستا» الهندوسي عام 2028.

ويقع جزء من «المسجد الشاهي» ضمن المسار الذي حددته البلدية للتوسعة. وكانت إدارة المسجد وأفراد من المجتمع المسلم يعارضون إزالة هذا الجزء، مؤكدين أن المسجد ينبغي استثناؤه من المشروع أسوة بالمطالبة بالحفاظ على المواقع الدينية.

ويقول إمام المسجد محمد إبراهيم إن المسجد يعود إلى عام 1390، أي إن عمره يتجاوز ستة قرون. وهذه المعلومة مصدرها إدارة المسجد، وليست تأريخًا أثريًا مستقلًا.

أما السلطات فتقول إن المشروع لا يستهدف المسجد وحده، وإن أعمال التوسعة طالت منشآت دينية أخرى. ووفق حكم سابق للمحكمة العليا في ماديا براديش، كانت البلدية قد اتخذت إجراءات مست منشآت دينية أخرى على الطريق نفسه، بينها معابد هندوسية، وهو ما استندت إليه المحكمة في رفض الادعاء بأن المسجد استُهدف لكونه منشأة إسلامية.

وتقول إدارة أوجين إن الجزء المتأثر من المسجد محدود، بينما نقلت Hindustan Times عن الشرطة أن إدارة المسجد وافقت ليلة الأحد على إزالة جزء يمثل أقل من 10% من الموقع. وفي تقرير آخر، قالت السلطات إن الجزء الواقع في مسار الطريق يبلغ نحو 9 أقدام طولًا و4 أقدام عرضًا.

فيديوهات تظهر هدم المسجد كاملًا

لكن ما وصل إلى مستخدمي مواقع التواصل كان مختلفًا.
فبحسب شرطة أوجين، ظهرت مقاطع فيديو مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي تصور، على نحو زائف، المسجد الشاهي وكأنه يُهدم بالكامل.

وانتشرت معها رسائل ومنشورات تزعم أن السلطات ماضية في إزالة المسجد بأكمله، وهو ما نفته الشرطة والإدارة المحلية.

وقال قائد شرطة أوجين براديب شارما إن بعض المؤثرين المحليين ومستخدمي مواقع التواصل نشروا معلومات تزعم أن المسجد كله سيُهدم، بينما كان النزاع متعلقًا بإزالة جزء منه ضمن مسار توسعة الطريق.

وهنا تبرز أهمية القضية من زاوية مختلفة: الذكاء الاصطناعي لم يُستخدم هذه المرة لصناعة صورة مضللة عن حدث بعيد فحسب، بل تقول السلطات إن المحتوى المصطنع انتقل من الشاشة إلى الشارع وساهم في تعبئة الناس في قضية دينية شديدة الحساسية.

ومع ذلك، لا توجد أدلة تسمح بالقول إن الفيديوهات الاصطناعية كانت السبب الوحيد في الاضطرابات؛ فالاحتجاج على إزالة جزء من المسجد كان قائمًا بالفعل قبل انتشارها، وكان المئات قد تجمعوا في المسجد ومحيطه واعتصم بعضهم داخله طوال الليل اعتراضًا على المشروع.

ليلة داخل المسجد قبل المواجهات

وكان التوتر قد بدأ يتصاعد قبل أحداث الاثنين.
ففي يوم الأحد، تجمع عدد كبير من المسلمين في المسجد، وأعلن بعضهم أنهم سيبقون داخله طوال الليل لمنع إزالة الجزء المتنازع عليه.

وقال محمد ذاكر، عضو لجنة تمثل المسلمين في المدينة، إن المجتمع يريد الحفاظ على المسجد وإن السكان تجمعوا داخله لهذا الغرض. وفي الوقت نفسه، نشرت السلطات قوات أمنية كبيرة وحاولت التفاوض مع إدارة المسجد.

ووصل الخلاف إلى القضاء؛ إذ كانت إدارة المسجد قد طعنت في قرار البلدية، بينما قضت المحكمة في وقت سابق بأن الإجراءات القانونية اللازمة لمشروع التوسعة قد اتُّبعت. وشهد الملف تطورات قضائية جديدة الاثنين بعد تفاهم بين أطراف النزاع والبلدية.


الحجارة والغاز المسيل للدموع

وفي صباح الاثنين، تحولت حالة التوتر إلى مواجهات.

وتظهر مقاطع موثقة من المكان حشودًا وقوات أمن قرب المسجد، قبل وقوع رشق بالحجارة واشتباكات، فيما أطلقت الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع واستخدمت الهراوات لتفريق المحتجين.

وقالت الشرطة إن عددًا من عناصرها أصيبوا، بينما انتشرت قوة أمنية كبيرة في المنطقة. وأفادت Hindustan Times بأن نحو 2,500 عنصر أمني نُشروا في أوجين عقب الاضطرابات.

ولاحقًا، خرجت أعداد من النساء المسلمات للاحتجاج في الموقع والمطالبة بوقف عملية الإزالة.


التحقيق يصل إلى صناع المحتوى

وبعد المواجهات، تحولت أنظار الشرطة إلى ما حدث على شبكات التواصل قبلها.
وذكرت India Today، الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول (18 ربيع الآخر 1448هـ)، أن الشرطة سجلت ثماني قضايا ضد 20 شخصًا في ثلاث دوائر شرطية على خلفية الأحداث، وأن من بين الأسماء الواردة خمسة من صناع المحتوى الذين تحقق السلطات في دورهم في نشر المعلومات المضللة.

كما أفادت تقارير هندية بأن 15 شخصًا اعتُقلوا على خلفية الاضطرابات، فيما قالت الشرطة إن التحقيق يشمل أشخاصًا تتهمهم بنشر الشائعات وإثارة التوتر عبر مواقع التواصل.

تكشف أحداث أوجين جانبًا متزايد الخطورة في التعامل مع الفيديوهات القادمة من مناطق التوتر.

ولا ينبغي أن يؤدي كشف الفيديوهات المزيفة إلى إنكار أصل القضية نفسها: هناك بالفعل عملية لإزالة جزء من المسجد الشاهي، وهناك مسلمون اعترضوا عليها واحتجوا ضدها، ووقعت مواجهات فعلية مع الشرطة. ما كان مضللًا هو تصوير الأمر في بعض المواد الاصطناعية باعتباره هدمًا كاملًا للمسجد.

وهنا تصبح قاعدة التحقق أكثر أهمية من أي وقت مضى: وجود حدث حقيقي لا يعني أن كل فيديو متداول عنه حقيقي أيضًا.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *