في شمال غربي الأناضول، عند السفوح الجنوبية لجبل أولوداغ، نشأت بورصة بوصفها مدينة ذات جذور قديمة، لكنها دخلت مرحلة جديدة تمامًا عندما أصبحت جزءًا من الدولة العثمانية في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. ومنذ فتحها سنة 726هـ/1326م، تحولت المدينة إلى مركز سياسي وعمراني وتجاري للدولة الناشئة، ومنها بدأت ملامح العاصمة الإسلامية العثمانية تتشكل: المسجد في قلب المدينة، والمدرسة إلى جواره، والسوق والخان لخدمة التجارة، والتكية والمطبخ الخيري لخدمة المجتمع، ثم المدافن السلطانية التي حفظت ذاكرة الأسرة الحاكمة.
ولهذا تحتل بورصة موقعًا خاصًا في تاريخ المدن الإسلامية، فهي لم تكن مجرد مدينة فتحها العثمانيون، وإنما كانت المجال الذي جرى فيه اختبار نموذجهم الحضري الأول، قبل أن ينتقل مركز الدولة تدريجيًا إلى أدرنة، ثم إلى إسطنبول بعد 857هـ/1453م.
من مدينة بيزنطية إلى مركز للعثمانيين
كانت بورصة، المعروفة في المصادر القديمة باسم بروسا، مدينة مهمة في إقليم بيثينيا، واحتفظت بمكانتها خلال العصر البيزنطي.
بدأ الضغط العثماني عليها في عهد عثمان بن أرطغرل، وتذكر المصادر أن الحصار بدأ بصورة فعلية بعد هزيمة حاكم بورصة المتحالف مع حكام المنطقة أمام القوات العثمانية سنة 708هـ/1308م تقريبًا.
ولم يكن الاستيلاء على المدينة سريعًا، فقد استمر الضغط عليها سنوات طويلة، بينما اعتمد العثمانيون على تطويقها وقطع طرق الإمداد عنها.
وتولى أورخان بن عثمان تشديد الحصار، حتى تم الاتفاق على تسليم المدينة في ربيع سنة 726هـ/1326م، ودخلتها القوات العثمانية في 6 أبريل 1326م. وتنقل المصادر تفاصيل الاتفاق، ومنها ضمان سلامة السكان الذين يختارون المغادرة، وعدم تعرض المدينة للنهب، وهي تفاصيل مهمة لفهم طبيعة الانتقال السياسي للمدينة.
وكان فتح بورصة نقطة تحول في تاريخ الدولة العثمانية، إذ أصبحت المدينة مركزًا حضريًا أكثر ملاءمة لإدارة الدولة من المراكز الحدودية الصغيرة التي سبقتها.
أورخان غازي وبناء المدينة الإسلامية
بعد الفتح لم يكتفِ العثمانيون بالسيطرة العسكرية على بورصة، بل بدأوا في إعادة تشكيلها عمرانيًا.
أنشأ أورخان غازي مجموعة من المؤسسات التي ارتبطت ببداية التحول الإسلامي للمدينة، ومن بينها المسجد والمدرسة والإمارة والمرافق الخيرية، ثم ظهر حول هذه المؤسسات مركز عمراني جديد أخذ يتوسع مع نمو السكان والتجارة.
وتشير المصادر إلى أن أورخان أنشأ في بورصة مجمعًا عمرانيًا كبيرًا في الفترة 740هـ/1339–1340م تقريبًا، ضم عناصر دينية واجتماعية وتجارية. وكان «إمير خان» جزءًا من هذا المشروع، وأصبح مع الوقت نواة مهمة لمنطقة الأسواق التي اشتهرت بها بورصة.

وهنا يظهر أحد أهم ملامح المدينة الإسلامية العثمانية المبكرة: لم يكن المسجد مبنى منفصلًا عن الحياة اليومية، بل كان جزءًا من منظومة تشمل التعليم والإطعام والتجارة والإقامة والخدمات الاجتماعية.
بورصة.. أول عاصمة كبرى للدولة العثمانية
بعد فتحها أصبحت بورصة مركز الدولة العثمانية، واستمرت كذلك خلال مرحلة التوسع الأولى، مع احتفاظ الدولة بمراكز أخرى بحسب التطورات العسكرية والإدارية.
وتحولت المدينة خلال عهد أورخان ثم مراد الأول وبايزيد الأول إلى مركز لصناعة مؤسسات الدولة الجديدة.
وفي بورصة بدأت ملامح التنظيم الإداري والاقتصادي تظهر بصورة أوضح، كما توسعت شبكة الأوقاف، وأصبح للأمراء والسلاطين أحياء ومجمعات عمرانية تحمل أسماءهم.
ولم تكن هذه المؤسسات رموزًا سياسية فقط؛ فقد كان الوقف يوفر موارد مستمرة للمساجد والمدارس والمطابخ الخيرية والخانات وغيرها، وهو ما جعل العمران مرتبطًا بالنظام الاقتصادي والاجتماعي للمدينة.
وكانت بورصة، باستثناء فترة الاضطرابات التي صاحبت الفتنة الداخلية بعد وفاة بايزيد الأول، مركزًا للدولة حتى انتقل الثقل السياسي إلى أدرنة. وتوضح المصادر العثمانية أن فتح أدرنة سنة 762هـ/1361م تقريبًا، مع وجود خلاف تاريخي حول السنة الدقيقة، جعلها مركزًا ثانيًا مهمًا في أوروبا، بينما بقيت بورصة مركزًا رئيسيًا في الأناضول.
المدارس وبداية الحياة العلمية العثمانية
ارتبطت بورصة منذ بدايات الحكم العثماني بالحياة العلمية، فبعد فتح المدينة بوقت قصير أنشأ أورخان غازي مدرسة عرفت باسم المدرسة الأورخانية، وكانت من أوائل المؤسسات التعليمية التي أقامها العثمانيون في بورصة. أما أقدم مدرسة عثمانية يُشار إليها عادةً في المصادر باسم أول مدرسة عثمانية، فهي مدرسة إزنيق التي تأسست سنة 731هـ/1331م تقريبًا، ثم تطورت شبكة المدارس في بورصة بعد ذلك.
ومع توسع الدولة، أصبحت بورصة تستقطب الفقهاء والمدرسين والقضاة، وتداخلت حياتها العلمية مع الشبكة العلمية الكبرى في الأناضول.
ثم ازداد ثراء المدينة العلمي والعمراني في عهود السلاطين اللاحقين، وخاصة مراد الأول وبايزيد الأول ومحمد الأول ومراد الثاني.
العمارة تتحدث عن مراحل مختلفة
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها عند قراءة بورصة الإسلامية أن تُنسب جميع معالمها الشهيرة إلى الفترة الأولى بعد الفتح، فالمعالم العمرانية في المدينة تمثل مراحل متتابعة من التاريخ العثماني.
فمجمع أورخان غازي يعود إلى 740هـ/1339–1340م تقريبًا، بينما بدأ مجمع مراد الأول «خداوندكار» في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، وأقيمت منشآت يلدريم بايزيد في أواخر القرن نفسه، ثم جاء مجمع المسجد الأخضر في عهد محمد الأول خلال القرن التاسع الهجري. وتوضح الدراسات المتخصصة في العمارة العثمانية أن هذه المجمعات المتعاقبة أسهمت في توسع المدينة وتكوين أحيائها.

أما الجامع الكبير «أولو جامع» الذي أصبح من أشهر رموز بورصة، فيرتبط بعهد السلطان يلدريم بايزيد في أواخر القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، وليس بمرحلة فتح المدينة الأولى.
وهذا التفريق الزمني مهم، لأن بورصة لم تُبنَ في مرحلة واحدة، وإنما تشكلت طبقاتها الإسلامية على مدى أكثر من قرن.
بورصة وطرق التجارة
كان الموقع الجغرافي أحد أسباب ازدهار المدينة، فبورصة تقع على شبكة طرق تصل الأناضول الشرقي بموانئ بحر مرمرة، وتربط الطرق القادمة من إيران بوسط وغرب الأناضول.
وأصبح طريق تبريز ــ أرضروم ــ توكات ــ بورصة أحد المسارات المهمة التي حملت الحرير الإيراني إلى المدينة، ثم اتصلت بورصة بالتجارة المتجهة إلى الموانئ والأسواق الأوروبية.
وتوضح الدراسات الاقتصادية أن تجارة الحرير أصبحت من أهم مصادر ثروة بورصة، وأن التجار الإيرانيين والأوروبيين، ومنهم تجار جنويون وفينيسيون وفلورنسيون، شاركوا في الحركة التجارية التي ازدهرت في المدينة. كما أصبحت الخانات والأسواق جزءًا أساسيًا من بنيتها الاقتصادية.
وكان «إمير خان» من أقدم الخانات الحضرية العثمانية، وأسهم في تكوين النواة الأولى لمنطقة الأسواق، ثم اتسعت شبكة الخانات والبدستانات والأسواق مع نمو المدينة.
وهكذا ارتبطت هوية بورصة الاقتصادية بثلاثة عناصر متداخلة: الموقع، والقوافل، والحرير.
من بورصة إلى أدرنة
مع اتساع الدولة العثمانية في البلقان، تغير مركز الثقل السياسي، ففتح أدرنة في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي منح الدولة قاعدة استراتيجية في الجانب الأوروبي، وأصبحت المدينة مركزًا مهمًا للعمليات العثمانية في البلقان.
لكن بورصة لم تفقد مكانتها؛ فقد ظلت مركزًا رئيسيًا في الأناضول، واستمرت مؤسساتها الدينية والتعليمية والتجارية في التطور.
وعندما فتح العثمانيون القسطنطينية سنة 857هـ/1453م، انتقلت العاصمة السياسية إلى المدينة الجديدة، لكن بورصة بقيت واحدة من أهم المدن العثمانية، وظلت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأسرة العثمانية وبالذاكرة الأولى للدولة.

المدافن السلطانية وذاكرة الدولة
تحتفظ بورصة بمكانة خاصة لأنها تضم قبور عدد من أفراد الأسرة العثمانية الأوائل.
فقد دفن عثمان غازي في بورصة بعد فتحها، تنفيذًا لوصيته، ثم دفن أورخان غازي بجواره. وتؤكد المصادر أن أورخان هو الذي نقل قبر والده إلى الموقع المعروف داخل المدينة بعد فتحها.
أما الأبنية الحالية للضريحين فقد أعيد بناؤها في العصر العثماني المتأخر بعد الزلزال الكبير الذي ضرب بورصة سنة 1271هـ/1855م، ولذلك ينبغي التمييز بين موقع الدفن التاريخي وبين المباني الحالية التي تنتمي إلى مرحلة عمرانية لاحقة.
وهذه نقطة تكشف طبيعة بورصة بوصفها مدينة للذاكرة العثمانية، لا مجرد مدينة للعمارة.
بورصة وحضارة الوقف
كان الوقف من أهم الأدوات التي ساعدت على بناء المدينة الإسلامية، فالمجمعات لم تكن مباني منفردة، وإنما منظومات تضم المسجد والمدرسة والإمارة والمطبخ والخان والحمام والمتاجر، وتخصص عوائد الأوقاف لتمويل هذه المؤسسات.
وقد أسهم هذا النظام في تحويل العمران إلى شبكة اجتماعية متكاملة، بحيث ارتبط توسع المدينة بإنشاء المؤسسات الدينية والتعليمية والخيرية والتجارية.
ومن هنا يمكن فهم بورصة باعتبارها إحدى المدن التي ظهر فيها النموذج العثماني المبكر للمدينة الإسلامية بصورة واضحة: مركز ديني، ومركز علمي، وسوق تجاري، ومؤسسات وقفية، ومجمعات سلطانية، وأحياء جديدة تنشأ حولها.
بورصة بعد انتقال العاصمة
لم يكن انتقال العاصمة إلى أدرنة ثم إلى إسطنبول نهاية الدور التاريخي لبورصة، بل استمرت المدينة مركزًا اقتصاديًا مهمًا، خصوصًا في صناعة الحرير وتجارته.
وتشير الدراسات إلى أن بورصة أصبحت منذ القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي من أهم مراكز تجارة الحرير الدولية، وارتبطت طرقها التجارية بإيران وبلاد الشام والأناضول وأوروبا. كما بقيت المدينة حتى العصور اللاحقة مركزًا مهمًا لصناعة النسيج والحرير.
ولهذا فإن تاريخ بورصة لا ينتهي بخروج العاصمة منها؛ فقد انتقلت من كونها مركزًا سياسيًا للدولة الناشئة إلى كونها واحدة من أهم عواصم التجارة والحرف والثقافة العثمانية.
ماذا بقي من بورصة الإسلامية؟
بقيت في بورصة طبقات عمرانية متعددة تعكس مراحل تطور الدولة العثمانية.
ومن أبرزها مجمع أورخان غازي، وإمير خان، وجامع أولو جامع، ومجمع خداوندكار، ومجمع يلدريم بايزيد، والمسجد الأخضر، ومجمع مرادية، إضافة إلى أسواق المدينة وخاناتها ومدافن عثمان وأورخان.

وتكشف هذه المعالم مجتمعة عن تطور المدينة من عاصمة للدولة العثمانية الناشئة إلى مركز تجاري وثقافي واسع الصلات.
كما أن بقاء شبكة الخانات والأسواق والمساجد والمدارس والمدافن يجعل بورصة واحدة من المدن التي يمكن من خلالها قراءة نشأة العمارة العثمانية وتطورها، لا باعتبارها أسلوبًا فنيًا فقط، بل باعتبارها انعكاسًا لنظام سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل.





اترك تعليقاً