«حواضر الإسلام عبر التاريخ 20»: غرناطة.. آخر حصون الأندلس وملاذ القادمين من المدن التي سقطت

Z9dWrgTxEVYnkrkkBfEtgs jOpIzP4ATsQ GzS8X3QAAsj3E bepeh8NoadFwXVxfQOobOqCFffrAInspEsM87zQGhlKLq5HDWSWqZ nT8bC s4 bIuKnQfSQDg2MWhe0j yoT

حين سقطت قرطبة سنة 633هـ/1236م، ثم سقطت إشبيلية سنة 646هـ/1248م، بدا أن صفحة الإسلام في الأندلس تتجه نحو نهايتها.. لكن الأندلس لم تنتهِ آنذاك.

ففي جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية ظهرت غرناطة لتصبح آخر دولة إسلامية كبرى في الأندلس، وتستمر قرابة قرنين ونصف، من 635هـ/1238م إلى 897هـ/1492م. وكانت الدولة النصرية آخر كيان إسلامي سياسي في شبه الجزيرة الإيبيرية، واتخذت من غرناطة مركزًا للحكم والعلم والعمران والتجارة.

ولهذا تحتل غرناطة مكانة خاصة في خريطة «حواضر الإسلام عبر التاريخ»، فالقيمة التاريخية للمدينة تأتي من كونها حاضرة إسلامية كاملة حافظت على دولة ومجتمع ومؤسسات علمية واقتصادية وعمرانية في زمن كان فيه الوجود الإسلامي بالأندلس ينكمش بصورة متسارعة.

من غرناطة الزيرية إلى الحاضرة النصرية

لم تبدأ قصة غرناطة الإسلامية مع بني نصر، فقد ظهرت كحاضرة مهمة في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، عندما انتقل بنو زيري إلى المدينة وأقاموا فيها دولتهم بعد سقوط الخلافة الأموية في قرطبة.

وفي عهدهم أصبحت غرناطة عاصمة إحدى ممالك الطوائف، وازدهرت المدينة حول المسجد الجامع والأسواق والأسوار.

وتكشف الدراسات الحديثة لتاريخ المدينة أن المسجد الجامع الكبير في غرناطة أُنشئ في العصر الزيري في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وكان قلب المدينة الديني والمدني والتجاري طوال قرون، حتى سقوط غرناطة سنة 897هـ/1492م.

ثم دخلت غرناطة في دولتي المرابطين والموحدين، قبل أن يبدأ فصل جديد تمامًا مع تفكك الحكم الموحدي في الأندلس.

محمد بن يوسف بن نصر.. مؤسس آخر دولة إسلامية

في النصف الأول من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، كان ميزان القوى يميل بقوة لمصلحة ممالك قشتالة وأراغون.

وفي هذه الظروف ظهر محمد بن يوسف بن نصر، المعروف بابن الأحمر، الذي أصبح مؤسس الدولة النصرية.

وتثبت الدراسات الحديثة أن قيام الدولة النصرية ارتبط بعام 635هـ/1238م، وأن ابن الأحمر نجح في تثبيت سلطته في غرناطة، بينما كانت المدن الإسلامية الكبرى في الأندلس تسقط واحدة تلو الأخرى.

ولم يكن بقاء غرناطة نتيجة القوة العسكرية وحدها؛ فقد اعتمدت الدولة النصرية على مزيج معقد من التحالفات والدبلوماسية والموارد الاقتصادية، إلى جانب التحصينات الجبلية التي جعلت السيطرة على أراضيها أكثر صعوبة.

وهكذا أصبحت غرناطة ملاذًا لعدد كبير من المسلمين القادمين من المدن التي سقطت، فتحولت المدينة إلى مركز يستوعب موجات بشرية وثقافية جديدة.

الحمراء.. مدينة فوق الجبل

حين استقر ابن الأحمر في غرناطة، أدرك أن هضبة سبِيكة المطلة على المدينة يمكن أن تتحول إلى مركز للحكم والتحصين.

فبدأ في 635هـ/1238م تقريبًا إعادة بناء القلعة الموجودة هناك، لتتحول تدريجيًا إلى الحمراء؛ المدينة الملكية التي ستصبح لاحقًا أشهر رمز مادي باقٍ على الحضارة الإسلامية في الأندلس.

ولم تكن الحمراء قصرًا واحدًا.. كانت مدينة سلطانية متكاملة تضم القصور، والتحصينات، والمساجد، والمرافق الإدارية، ومساكن الحاشية، والثكنات، وشبكة متقدمة من قنوات المياه.

ومع مرور الزمن توسعت الحمراء وأعيد تشكيلها في عهد سلاطين بني نصر، حتى بلغت مرحلة من النضج العمراني والفني خصوصًا في عهد يوسف الأول ومحمد الخامس خلال القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي.

Z9dWrgTxEVYnkrkkBfEtgs jOpIzP4ATsQ GzS8X3QAAsj3E bepeh8NoadFwXVxfQOobOqCFffrAInspEsM87zQGhlKLq5HDWSWqZ nT8bC s4 bIuKnQfSQDg2MWhe0j yoT cI11rBbyu3W2t61um910xBZz3ZMEqWfBiLSMkoM3LcMuiP
قصر الحمراء .. المدينة السلطانية التي أصبحت قلب الدولة النصرية ومقر سلاطين غرناطة.

الماء.. سر عمران غرناطة

من أهم ما يميز غرناطة الإسلامية أن الماء لم يكن عنصرًا جماليًا فقط، بل كان جزءًا من هندسة المدينة واقتصادها وحياتها.

فقد أنشأ النصريون شبكة من القنوات والمنشآت المائية لنقل المياه من الجبال إلى الحمراء والقصور والحدائق.

وكان نهر دارّو ومصادر المياه الجبلية أساسًا مهمًا في استمرار الحياة العمرانية، بينما سمحت أنظمة الري بتطوير الزراعة في المناطق المحيطة بالمدينة.

وفي الحمراء أصبح الماء جزءًا من العمارة نفسها؛ يدخل إلى الأفنية، ويتحرك في القنوات، ويملأ البرك، ويربط بين العمارة والحدائق.

ولهذا تخصص الدراسات الحديثة عن غرناطة الإسلامية فصولًا مستقلة لتاريخ المياه باعتبارها عنصرًا أساسيًا في فهم المدينة الإسلامية، وليس مجرد تفصيل جمالي.

12Iw4FcbUvl BvzuEahVUrUpZ Oe0Bga956UwGxo mBFaar7JxJSijWOkhglaChUVwLIRc SnW2gTEN ztdVcrnokmg2mJ0ZVa0PJ4rvFmo5xQKh4wRXDwIU0 AnIU8j xUwkD4G9 qjDC3eQhbwR3ceiNzkz1wYrIFQ2Um3wrcn6UF3VO9r
فناء الريحان في قصور بني نصر .. نموذج للعمارة السلطانية التي ازدهرت في غرناطة خلال القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي.

دولة مالكية ومؤسسات علمية

كان المذهب المالكي هو الإطار الفقهي السائد في الأندلس، واستمر حضوره في غرناطة النصرية.

ولذلك لم تكن غرناطة مجرد دولة عسكرية تحاول البقاء أمام التوسع القشتالي، بل امتلكت منظومة من المساجد والمدارس والقضاء والتعليم الشرعي.

ومن أهم مؤسساتها المدرسة النصرية أو المدرسة اليوسفية، التي أسسها السلطان يوسف الأول، واكتمل بناؤها في 750هـ/1349م.

وتكشف النقوش المؤسسة للمدرسة أنها أنشئت بوصفها «دار علم»، كما ارتبطت بتدريس العلوم الدينية واللغة وغيرها من العلوم. وتشير الدراسات إلى أن عددًا من أبرز علماء وأدباء غرناطة ارتبطوا بها مدرسين أو طلابًا.

ومن هنا يمكن فهم غرناطة باعتبارها حاضرة إسلامية حقيقية: جامع، ومدرسة، وقضاء، ومكتبة، وسوق، وقصر، ووقف، ومؤسسات علمية.

images 3
المدرسة النصرية أو المدرسة اليوسفية

ابن الخطيب.. عقل الدولة وقلم الحاضرة

من أعظم أعلام غرناطة لسان الدين ابن الخطيب، المولود سنة 713هـ/1313م والمتوفى سنة 776هـ/1374م.

كان ابن الخطيب عالمًا وأديبًا ومؤرخًا وطبيبًا ورجل دولة، وتولى منصب الوزارة في الدولة النصرية.

لكن أهميته بالنسبة إلى تاريخ غرناطة تتجاوز الوظيفة السياسية؛ فقد ترك كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة» سجلًا ضخمًا لأعلام المدينة وتاريخها ومجتمعها وحياتها السياسية والثقافية.

وقد تناولت الدراسات الحديثة ابن الخطيب باعتباره أحد أهم المؤرخين والأدباء المرتبطين بغرناطة النصرية، وجزءًا من شبكة العلماء والكتّاب الذين صنعوا ثقافتها السياسية والفكرية، كما ارتبط اسمه بالمدرسة اليوسفية وبالحياة العلمية في غرناطة.

images 1 1
المدرسة اليوسفية في غرناطة.

ابن زمرك.. الشعر المنقوش على جدران الحمراء

ومن أبرز شعراء غرناطة ابن زمرك، الذي عاش في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، وقد ارتبط شعره بعمارة الحمراء، حيث نُقشت قصائده على جدران عدد من قصورها وأفنيتها.

لكن قيمة ابن زمرك ليست في الزخرفة وحدها؛ فهو يعكس العلاقة التي نشأت في غرناطة بين الأدب والسلطة والعمارة، حيث تحولت الكتابة العربية إلى جزء من تكوين الفضاء السياسي للدولة النصرية.

فالزائر للحمراء اليوم لا يرى الحجر وحده، بل يقرأ على الجدران لغة الدولة وأدبها وصورتها عن نفسها.

غرناطة.. مدينة العلم والطب

شهدت غرناطة حركة علمية واسعة في الفقه والحديث واللغة والأدب والطب.

وتشير الدراسات المتخصصة إلى وجود نشاط في العلوم والمعارف، وإلى ارتباط المدرسة النصرية بشخصيات علمية وأدبية وفقهية، من بينها علماء في الفقه والطب واللغة والقراءات القرآنية.

ومن أعلام البيئة الغرناطية ابن خاتمة الأنصاري، المتوفى سنة 770هـ/1369م تقريبًا، الذي عُرف بالطب والأدب.

كما كان ابن الخطيب نفسه مثالًا على تعدد العلوم في الحاضرة؛ فقد جمع بين التاريخ والأدب والطب والسياسة.

وهذا التنوع يؤكد أن غرناطة لم تكن مدينة قصور فحسب، بل كانت مجتمعًا علميًا متكاملًا.

التجارة.. الحرير الذي أطال عمر الدولة

كان الاقتصاد أحد أسباب قدرة غرناطة على الاستمرار، فالمملكة النصرية استفادت من موقعها الجغرافي، ومن الأراضي الزراعية الخصبة، ومن التجارة عبر موانئ مثل مالقة والمرية، ومن علاقاتها التجارية مع مدن المتوسط.

وكان الحرير من أهم منتجاتها الاقتصادية، إلى جانب السكر والفواكه المجففة وغيرها من السلع.

وتوضح دراسة أكاديمية منشورة لدى Brill أن اقتصاد الدولة النصرية لم يكن مجرد اقتصاد زراعي، بل كان نظامًا متنوعًا تشكلت داخله الصناعات والأسواق والتجارة الدولية، وكان الحرير من أبرز المنتجات التي وصلت إلى الأسواق الأوروبية.

كما كشفت الدراسات عن حضور تجار من جنوة وأراغون وكتالونيا في أسواق المملكة النصرية، ما يوضح مدى اتصال غرناطة بشبكات التجارة المتوسطية.

غرناطة.. آخر حاضرة إسلامية

بعد سقوط قرطبة وإشبيلية، أصبحت غرناطة آخر مركز سياسي كبير للمسلمين في الأندلس.

وكان بقاؤها مرتبطًا بقدرتها على المناورة بين القوى المسيحية في الشمال، وبقوة التحصينات، وبمواردها الاقتصادية، وبالتحالفات المتغيرة.

واستمر الحكم النصري من 635هـ/1238م إلى 897هـ/1492م، أي أكثر من قرنين ونصف، وخلال هذه الفترة شهدت غرناطة أزمات وصراعات داخلية، وتبدلت علاقاتها مع قشتالة والمغرب، لكنها ظلت قائمة رغم سقوط معظم الأندلس.

وكان هذا الاستمرار الاستثنائي أحد أسباب تحولها إلى مركز لاستقبال المسلمين المهجّرين من المدن الأندلسية التي سقطت.

897هـ/1492م.. سقوط غرناطة

في أواخر القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، وصلت الدولة النصرية إلى مرحلتها الأخيرة.

واندلع الصراع الداخلي، ثم اشتدت الحرب مع قشتالة وأراغون، حتى حُوصرت غرناطة، وفي 897هـ/1492م انتهى الحكم الإسلامي السياسي في الأندلس بسقوط المدينة وتسليمها إلى الملكين الكاثوليكيين.

وكان ذلك حدثًا مفصليًا في تاريخ المسلمين؛ فقد انتهت بذلك الدولة الإسلامية التي بقيت في الأندلس أكثر من قرنين ونصف بعد سقوط معظم المدن الكبرى.

ولم يكن سقوط غرناطة مجرد انتقال سلطة؛ بل كان نهاية مرحلة طويلة من التاريخ الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

غرناطة بعد سقوطها.. ماذا بقي؟

بقيت الحمراء، والقصبة، والحدائق، وأحياء المدينة القديمة، وبقايا الحمامات والمساجد والمدارس والأسواق، شاهدًا على مرحلة طويلة من التاريخ الإسلامي.

لكن قراءة غرناطة لا ينبغي أن تختزل في قصر الحمراء. فخلف القصر كانت هناك مدينة إسلامية كاملة: أسواق، ومؤسسات تعليمية، وقضاء، ومجتمع، وصناعة، وزراعة، وشبكات تجارة، ونظام مياه، وطبقة من العلماء والأدباء والفقهاء.

وهذا هو سبب وجود غرناطة في هذه السلسلة.

فنحن لا نتحدث عن مدينة جميلة ترك المسلمون فيها مباني فحسب، بل عن حاضرة أثرت في التاريخ الإسلامي وحافظت على كيان سياسي وثقافي إسلامي في آخر قرون الأندلس.

الحاضرة السنية والعلمية.. لا مجرد شهرة القصر

والمنهج الذي تسير عليه هذه السلسلة واضح: نحن نبحث عن حواضر صنعت التاريخ الإسلامي، ونقرأها من خلال دولها ومؤسساتها العلمية والفقهية وعمرانها واقتصادها وآثارها.

وكانت غرناطة في إطارها الديني العام مدينة أندلسية مالكية، وازدهرت فيها علوم الفقه والحديث واللغة والقراءات إلى جانب الطب والأدب وغيرها.

أما الاتجاهات الصوفية وغيرها من التيارات الفكرية التي ظهرت في البيئة الأندلسية والمغاربية، فهي جزء من دراسة تاريخ المجتمع، لكن وجود شخصية أو تيار في المدينة لا يعني أن إنجاز الحاضرة يُنسب إليه؛ فالذي نبحث عنه هنا هو الأثر العام للمدينة في تاريخ الإسلام، ومؤسساتها وحضارتها ودورها السياسي والعلمي.

وبذلك تبقى غرناطة في مكانها الصحيح على خريطة السلسلة: حاضرة إسلامية سنية الملامح الفقهية، صنعت آخر دولة إسلامية في الأندلس، وحافظت على العلم والعمران والتجارة حتى نهاية الحكم الإسلامي سنة 897هـ/1492م.

Comments

رد واحد على “«حواضر الإسلام عبر التاريخ 20»: غرناطة.. آخر حصون الأندلس وملاذ القادمين من المدن التي سقطت”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *