بعد ثلاث سنوات من الحرب.. نصف مليون طالب في غزة يعودون إلى الدراسة بين الركام والخيام

000 C8R72VD 1.jpg

عاد مئات الآلاف من أطفال قطاع غزة إلى مقاعد الدراسة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، لكن كثيرًا منهم لم يجدوا مدارس أو فصولًا دراسية بالمعنى المعتاد، بل خيامًا مؤقتة أقيمت بين مخيمات النزوح والركام، في ظل دمار واسع طال المنشآت التعليمية ونقص حاد في المقاعد والمياه والمستلزمات الأساسية.

وبحسب تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، عاد نحو 500 ألف طالب إلى التعليم في قطاع غزة مع انطلاق العام الدراسي الجديد، بينهم نحو 350 ألف طالب في المدارس الحكومية و150 ألفًا في مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا».

وتأتي العودة بعد انقطاع واسع عن التعليم النظامي منذ بدء الحرب عام 2023. وتقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن نحو 700 ألف طالب حُرموا من التعليم الرسمي خلال هذه الفترة.

مدارس دمرتها الحرب وفصول داخل الخيام

لا تشبه البيئة التعليمية التي عاد إليها الأطفال تلك التي عرفوها قبل الحرب.

فوفقًا لليونيسف، تعرض نحو 98% من مدارس قطاع غزة لأضرار، بينها نحو 80% أصيبت بصورة مباشرة. كما تحولت مبانٍ مدرسية متبقية إلى مراكز لإيواء النازحين، الأمر الذي قلّص بصورة كبيرة عدد المنشآت المتاحة لاستئناف الدراسة.

ودفع ذلك وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع جهات بينها اليونيسف والأونروا، إلى إنشاء فصول محدودة داخل مراكز الإيواء وخيام مصنوعة من الأغطية البلاستيكية، يفتقر كثير منها إلى الطاولات والكراسي والخدمات الأساسية.

وفي أحد هذه الفصول بمنطقة الكتيبة في حي الرمال الجنوبي غربي مدينة غزة، يجلس طلاب الصف السابع على فرش رقيقة فوق الأرض، بينما لا يضم الفصل سوى سبورة كبيرة وكرسي واحد للمعلم.

ومن بين هؤلاء أكرم حلس، البالغ من العمر 13 عامًا، الذي عاد إلى الدراسة بعد فترات طويلة من الانقطاع.

وقال والده محمد حلس إن أسرته ما تزال غير مصدقة أن ابنها تمكن أخيرًا من الالتحاق بمدرسة بعد ما مرت به خلال سنوات الحرب، موضحًا أن أكرم وإخوته واجهوا صعوبة كبيرة في متابعة التعليم الإلكتروني أو الالتحاق بمدارس خاصة.

الخوف من القصف يحدد مكان المدرسة

gaza school tent mee

ولا تقتصر المشكلة على العثور على مكان متاح للدراسة، إذ تحاول الأسر تسجيل أطفالها في أقرب نقطة تعليمية ممكنة إلى أماكن إقامتها.

وقال حلس إن أسرته بحثت عن مدرسة قريبة من مخيمها خشية حدوث قصف مفاجئ، ولأنها تريد أن يبقى الأطفال بالقرب منها، فضلًا عن ارتفاع تكاليف المواصلات أو عدم توفرها.

كما تواجه الأسر صعوبة في شراء أبسط الاحتياجات المدرسية.

وقال الأب، الذي فقد عمله خلال الحرب وأصبح يساعد شقيقه في بسطة صغيرة، إنه لم يعد قادرًا على شراء كل ما يحتاج إليه أطفاله الثلاثة من ملابس وحقائب وقرطاسية، واضطر إلى الاكتفاء بالضروريات.

ثلاثة أيام فقط من الدراسة أسبوعيًا

ومع النقص الهائل في القدرة الاستيعابية، اضطرت وزارة التعليم إلى اعتماد نظام تناوبي.

وبحسب التقرير، يدرس الطلاب الذكور أيام السبت والاثنين والأربعاء، فيما تدرس الطالبات أيام الأحد والثلاثاء والخميس، كما يُقسم اليوم الدراسي إلى ثلاث فترات لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الأطفال.

وبذلك لا يحصل الطالب على أكثر من ثلاثة أيام من الحضور المدرسي أسبوعيًا.

ومع ذلك، لا تزال آلاف الأسر عاجزة عن إيجاد مقاعد لأطفالها.

ويقول أسامة عيطة، وهو أب لطفلين يبلغان ثمانية و11 عامًا، إنه لم يتمكن من تسجيلهما في مدرسة حكومية مجانية قريبة، بينما يخشى إرسالهما إلى مناطق بعيدة بسبب عدم استقرار الوضع الأمني والاجتماعي.

أما المدارس الخاصة التي افتُتح العشرات منها منذ وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، فتظل خارج قدرة كثير من الأسر بسبب ارتفاع الرسوم.

208 مدارس فقط.. والحاجة إلى ثلاثة أضعاف العدد

وتكشف أرقام وزارة التعليم حجم الفجوة التي تواجه القطاع.

فقد أعيد افتتاح 208 مدارس حكومية فقط، بينما تقول الوزارة إنها تحتاج إلى نحو ثلاثة أضعاف هذا العدد حتى تتمكن من استيعاب جميع الطلاب.

وتعمل الوزارة مع شركاء دوليين على إنشاء مدارس مؤقتة ومساحات تعليمية إضافية، إلا أن المدارس التي بدأت العمل بالفعل تواجه اكتظاظًا شديدًا ونقصًا في التجهيزات.

وتقول وفاء مقاط، مديرة مدرسة بلدية غزة الإعدادية، إن المدرسة تستقبل أكثر من 350 طالبًا في الفترة الواحدة، فيما يتجاوز مجموع المسجلين فيها 2,100 طالب.

لكن هؤلاء جميعًا لا يتوفر لهم سوى أربعة حمامات.

وتعاني المدرسة كذلك نقص المياه، ولا تمتلك خزانًا مخصصًا لمياه الشرب، بينما يفتقر الطلاب إلى الطاولات والكراسي والخزائن.

الشتاء يهدد فصول الخيام

2026 09 19T000000Z 2120289822 MT1NURPHO0009A30IJ RTRMADP 3 ISRAEL PALESTINIAN CONFLICT 1

ومع اقتراب الشتاء، تظهر مشكلة أخرى أمام المدارس المؤقتة.

فالفصول المقامة داخل الخيام لا تتوفر فيها الكهرباء، فيما تتسرب مياه الأمطار إلى الأرضيات خلال فصل الشتاء، وهو ما يجبر الطلاب أحيانًا على النهوض عن الفرش التي يجلسون عليها ومتابعة دروسهم واقفين.

وتزيد هذه الظروف من صعوبة المهمة الملقاة على المعلمين، الذين لا يواجهون فقط مشكلة تدريس المناهج، بل يحاولون أيضًا تعويض سنوات من الفاقد التعليمي لدى أطفال عاشوا فترات طويلة بعيدًا عن المدارس.

وقالت مديرة المدرسة إن المطلوب في هذه المرحلة هو تعويض المهارات التعليمية المفقودة وسد الفجوة التي تراكمت لدى الطلاب، لكن الواقع يفرض على المدارس التعامل في الوقت نفسه مع مشكلات أساسية مرتبطة بالبقاء والخدمات.

كما تشير وزارة التعليم إلى نقص القرطاسية والسبورات، فضلًا عن ضعف المقابل المالي الذي يحصل عليه المعلمون، باعتبارها عقبات إضافية أمام استعادة العملية التعليمية.

وبينما يمثل رجوع نحو نصف مليون طفل إلى التعليم خطوة كبيرة بعد سنوات من الانقطاع، تكشف الخيام المكتظة والجلوس على الأرض ونقص المياه والحمامات عن حجم الدمار الذي ما يزال يفصل أطفال غزة عن العودة إلى حياة مدرسية طبيعية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *