لم يكن السؤال، وفق شهادات عسكريين وضباط استخبارات إسرائيليين في الفيلم الوثائقي الجديد «NAZA»، ما إذا كان مدنيون سيقتلون في بعض الغارات على قطاع غزة فحسب، بل كم مدنيًا يُتوقع أن يقتلوا، وما إذا كان هذا العدد سيُقبل مقابل استهداف الشخص المطلوب.
هذه هي القضية المركزية التي يطرحها الفيلم الإسرائيلي، الذي أخرجه الصحفيان يوفال أبراهام وراشيل زور، واعتمد على شهادات 24 شخصًا خدموا في جيش الاحتلال والاستخبارات الإسرائيلية وشارك بعضهم في منظومات المراقبة وتحديد الأهداف خلال الحرب على غزة.
ويقدم الفيلم، الذي عُرض في مهرجان البندقية السينمائي في سبتمبر/أيلول 2026، صورة من داخل منظومة الاستهداف الإسرائيلية، ويقول مخرجاه إن الشهادات تكشف أن الخسائر المدنية المتوقعة لم تكن دائمًا نتيجة مجهولة تظهر بعد الغارة، بل كانت في حالات كثيرة معلومة تُقدّر مسبقًا وتدخل ضمن عملية اتخاذ القرار.
«نازا».. حين يتحول المدنيون المتوقع قتلهم إلى رقم
حتى اسم الفيلم يلخص القضية التي يسعى إلى كشفها.
فـ«NAZA» مصطلح تستخدمه الاستخبارات الإسرائيلية، وفق الفيلم، للإشارة إلى «الأضرار الجانبية» المتوقعة، أي عدد المدنيين الذين يُتوقع أن يقتلوا نتيجة ضربة عسكرية.
وبحسب الشهادات التي جمعها المخرجان، كانت أجهزة الاستخبارات تعمل على تقدير عدد المدنيين الموجودين حول الهدف قبل تنفيذ بعض الضربات، ثم يصبح هذا التقدير جزءًا من ملف الهدف الذي يُرفع للحصول على الموافقة.
وهكذا، بحسب رواية الفيلم، لم يكن وجود المدنيين مجهولًا بالضرورة لحظة اتخاذ القرار، بل كانت المنظومة في بعض الحالات تعرف أن المنزل المراد قصفه يضم عائلة وأطفالًا، وتقدّر مسبقًا عدد الأشخاص الذين قد يقتلهم القصف.
وتقول صحيفة «الغارديان»، التي شاركت في إنتاج الفيلم، إن عددًا من الشهود وصفوا استخدام أنظمة قائمة على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد أعداد كبيرة من الأشخاص الذين اعتبرتهم “إسرائيل” أهدافًا، ومن بينهم عناصر منخفضو الرتبة في حركة حماس، ثم استهداف بعضهم في منازلهم ليلًا مع معرفة أن أفراد أسرهم قد يكونون موجودين معهم.
«يعرفون أن المنزل مليء بالأطفال»

إحدى النقاط الأساسية التي يركز عليها الفيلم هي استهداف المطلوبين داخل المنازل السكنية.
وبحسب الشهادات، لم يكن وجود الأسرة داخل المنزل يؤدي بالضرورة إلى إلغاء الضربة. ويقول مخرجا الفيلم إن بعض العاملين في المنظومة كانوا يعرفون، من خلال وسائل المراقبة والاستخبارات، أن الأشخاص داخل المبنى يمارسون حياتهم اليومية قبل إعطاء الإذن بالقصف.
ويروي أحد الضباط، بحسب المخرجين، أنه كان على علم في الوقت الفعلي بمئات الحالات التي كانت فيها عائلات تمارس حياتها الطبيعية داخل المنازل: رجل يتحدث مع زوجته، صوت تلفاز، صلاة، أو بكاء طفل، ثم تُعطى الموافقة على الضربة.
وعندما سُئل عن سبب ذلك، قال بحسب شهادته في الفيلم: «أنت تفهم أن الهدف هو التدمير».
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من كل حالة يرويها الشهود المجهولون، لكن أهمية الفيلم تكمن في أن الروايات لا تأتي من مراقبين خارجيين، بل من أشخاص يقول المخرجان إنهم عملوا داخل وحدات عسكرية واستخباراتية مرتبطة بمنظومة الاستهداف نفسها.
إحدى النقاط الأساسية التي يركز عليها الفيلم هي استهداف المطلوبين داخل المنازل السكنية.
هل يمكن قبول مئات المدنيين مقابل هدف واحد؟
أكثر الشهادات إثارة للجدل جاءت عندما سُئل أحد العاملين السابقين في الاستخبارات عن أكبر عدد من المدنيين المتوقع قتلهم الذي شاهده يُقبل ضمن عملية واحدة.
وقال الشاهد إنه لا يعرف عدد من قُتلوا بالفعل لأن النتائج، بحسب روايته، لم تكن تُراجع دائمًا، لكنه قال إنه شاهد في إحدى الحالات موافقة على ضربة كان التقدير فيها يصل إلى 500 مدني.
ويعني ذلك، أن احتمال مقتل هذا العدد كان معروفًا قبل تنفيذ العملية وليس مجرد حصيلة اكتُشفت بعد القصف.
الذكاء الاصطناعي وتوسيع دائرة الأهداف
ويكشف الفيلم جانبًا آخر من منظومة الحرب: توظيف تقنيات معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي للمساعدة في إنتاج الأهداف بوتيرة واسعة.
وبحسب الشهادات والتحقيقات التي استند إليها الفيلم، استُخدمت أنظمة لتحليل كميات ضخمة من البيانات والإشارات واقتراح أشخاص أو مبانٍ باعتبارها أهدافًا محتملة.
وتصف الشهادات منظومة يمكن فيها أن يبدأ المسار ببيانات تُحلل إلكترونيًا، ثم ينتقل الهدف عبر سلسلة من العاملين في الاستخبارات وصولًا إلى قرار الضربة.
ويؤكد جيش الاحتلال الإسرائيلي، في المقابل، أن الذكاء الاصطناعي لا يتخذ قرار القصف، وأن اختيار الأهداف والموافقة على الضربات يتمان بواسطة بشر ووفق قواعد الجيش والقانون الدولي على حد تعبيره.
وهذه نقطة مهمة في فهم ما يكشفه الفيلم: الادعاء الأساسي ليس أن «آلة» ضغطت زر القصف من تلقاء نفسها، وإنما أن التكنولوجيا ساعدت البشر على إنتاج ومعالجة أعداد كبيرة من الأهداف، بينما بقي قرار الموافقة النهائي بشريًا.
من المسؤول عندما تُجزأ عملية القتل؟

ويلفت «NAZA» كذلك إلى تقسيم عملية الاستهداف بين عدد كبير من العاملين.
فأحدهم يجمع البيانات، وآخر يطور النظام التقني، وثالث يراقب الهدف، وآخر يحسب الخسائر المدنية المتوقعة، ثم تنتقل المعلومات عبر سلسلة أخرى قبل تنفيذ الضربة.
ويقول أحد العاملين في المنظومة في الفيلم: «دوري تقني»، بينما يصف آخر نفسه بأنه مجرد «ترس صغير».
وهذه البنية هي إحدى القضايا التي أراد المخرجان إبرازها: عندما تُجزأ العملية إلى عشرات المهام التقنية والإدارية، يمكن لكل مشارك أن يرى نفسه مسؤولًا عن خطوة محدودة فقط، بينما تكون النتيجة النهائية قصف منزل وسقوط مدنيين.
القضية أوسع من رقم «500»

ربما يكون رقم 500 هو أكثر ما أثار الانتباه في الفيلم، لكنه ليس بالضرورة أهم ما يكشفه «NAZA».
فجوهر القضية التي يطرحها الفيلم هو وجود منظومة تقول الشهادات إنها كانت قادرة، في بعض الحالات، على معرفة أن مدنيين موجودون في مكان الاستهداف، وتقدير عدد من قد يقتلون منهم، ثم إدخال ذلك العدد ضمن عملية الموافقة على الضربة.
وهنا يصبح المدني، في اللغة البيروقراطية التي يناقشها الفيلم، رقمًا ضمن خانة «الأضرار الجانبية المتوقعة».
ولهذا اختار المخرجان «NAZA» عنوانًا لفيلمهما: ليس فقط باعتباره مصطلحًا عسكريًا، بل باعتباره، في رؤيتهما، تعبيرًا عن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها حياة عائلة كاملة إلى رقم يظهر على شاشة قبل إسقاط القنبلة.
ويقول المخرجان إنهما أرادا توثيق «النظام» لا حالات فردية لجنود خالفوا الأوامر: الأوامر والسياسات وآليات العمل واللغة التي استخدمت في اتخاذ القرارات.
أما جيش الاحتلال الإسرائيلي فيرفض هذه الخلاصة، ويزعم أن مقتل المدنيين ليس هدفًا للعمليات وأن إجراءاته مصممة لتقليل الخسائر بينهم.
وبين الروايتين، يضع «NAZA» أمام الجمهور شهادات أشخاص يقولون إنهم كانوا داخل منظومة الاستهداف نفسها، ويطرح سؤالًا يتجاوز الأرقام النهائية للقتلى: ماذا يعني أن يكون موت المدنيين المتوقع معروفًا ومحسوبًا قبل تنفيذ الضربة، ثم تُنفذ الضربة مع ذلك؟





اترك تعليقاً