قُتل ما لا يقل عن 92 شخصًا في انهيار منجمين للذهب في السودان خلال أيام، في حصيلة تعيد تسليط الضوء على المخاطر القاتلة التي يواجهها آلاف العاملين في التعدين التقليدي، بينما تدفع الحرب وانهيار الاقتصاد مزيدًا من السودانيين إلى البحث عن الذهب باعتباره أحد مصادر الدخل القليلة المتبقية.
وفي أحدث الحوادث، انهار منجم للذهب، الأحد 20 سبتمبر/أيلول 2026م (9 ربيع الآخر 1448هـ)، في منطقة عوني شمالي السودان قرب الحدود مع مصر، ما أدى إلى مقتل عشرة أشخاص على الأقل وإصابة 21 آخرين.
وقال ناجون إن فرق الإنقاذ انتشلت عشر جثث و21 مصابًا، فيما استمرت عمليات البحث عن أشخاص يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض، دون توفر رقم مؤكد لعدد المفقودين.
وجاء الحادث بعد أيام فقط من كارثة أكبر في منجم «الزراعة» قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان، حيث أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ما لا يقل عن 82 شخصًا إثر انهيار المنجم.
وبذلك يرتفع عدد القتلى المعلن في الحادثين إلى 92 شخصًا على الأقل خلال فترة قصيرة.
منجم الزراعة.. عشرات الضحايا في ساعات
وقعت كارثة منجم الزراعة في منطقة خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع قرب النهود، وأفادت شبكة أطباء السودان بأن انهيار المنجم أدى إلى مقتل 82 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى إصابة آخرين.
وقالت الشبكة إن غياب وسائل السلامة والإشراف الفني في مواقع التعدين التقليدي يعرض حياة العاملين للخطر، وطالبت باتخاذ إجراءات لحماية المعدّنين.
وأظهرت الكارثة مجددًا حجم المخاطر في المناجم التقليدية، حيث يعمل المعدّنون في حفر وأنفاق بدائية قد تنهار دون سابق إنذار، مع محدودية معدات الإنقاذ والرعاية الطبية في المناطق النائية.
لماذا يخاطر السودانيون بحياتهم بحثًا عن الذهب؟
لا يمكن فصل تزايد الإقبال على التعدين عن الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
فقد دمرت الحرب قطاعات واسعة من الاقتصاد، وعطلت الزراعة والتجارة والصناعة، وشردت ملايين السكان، بينما فقد الجنيه السوداني جانبًا كبيرًا من قيمته.
وقبل اندلاع الحرب، كان الدولار يساوي نحو 570 جنيهًا سودانيًا، بينما تجاوز سعره 3,500 جنيه بحلول أبريل/نيسان 2026، في انهيار انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والوقود والنقل والاحتياجات الأساسية.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن السودان خسر نحو 6.4 مليارات دولار من ناتجه المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، أي نحو ربع الناتج البالغ قرابة 26 مليار دولار في ذلك العام.
وفي ظل تقلص فرص العمل وانهيار مصادر الدخل التقليدية، أصبح التعدين الأهلي خيارًا اقتصاديًا لعدد متزايد من السودانيين، رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط به.
وقال جوزيف تاكر، الباحث المتخصص في القرن الأفريقي لدى «مجموعة الأزمات الدولية»، إن الأزمة الاقتصادية تزيد الطلب على الذهب واستعداد المعدّنين للعمل في ظروف سيئة حتى مع ما تنطوي عليه من مخاطر قاتلة.
مناجم بدائية بلا وسائل حماية كافية

تنتشر معظم عمليات التعدين الأهلي في مناطق نائية، وتعتمد على وسائل بدائية للحفر واستخراج الخام ومعالجته.
وأوضح تاكر أن كثيرًا من هذه المناجم غير رسمي وغير منظم، ويفتقر إلى التكنولوجيا الحديثة والبنية التحتية المناسبة ومعدات السلامة المتخصصة.
وهذه ليست المرة الأولى التي تسقط فيها أعداد كبيرة من الضحايا في مناجم السودان.
ففي السنوات الماضية، سجلت مناطق التعدين سلسلة انهيارات وحوادث ناجمة عن انهيار الآبار والأنفاق، فيما تتضاعف صعوبة عمليات الإنقاذ بسبب بُعد المواقع عن المدن وضعف الإمكانات الطبية واللوجستية.
وتحدثت الحكومة السودانية خلال العام الجاري عن خطط لتنظيم التعدين التقليدي وإدارة أسواق المعادن، كما دعت السلطات إلى معالجة الأضرار البيئية والمخاطر الصحية المرتبطة بأنشطة التعدين.
لكن الحرب والانقسام الأمني وضعف مؤسسات الدولة تجعل فرض الرقابة على آلاف مواقع التعدين المنتشرة في أنحاء البلاد أكثر صعوبة.
70 طنًا من الذهب رغم الحرب
المفارقة أن قطاع الذهب السوداني واصل تسجيل إنتاج مرتفع رغم الحرب.
وبحسب بيانات حكومية، أنتج السودان نحو 70 طنًا من الذهب خلال عام 2025، بعدما بلغ الإنتاج المعلن نحو 64 طنًا في 2024، مقارنة بنحو 41.8 طنًا في 2022 قبل اندلاع الحرب.
وحقق تصدير الذهب عبر القنوات الرسمية إيرادات كبيرة للدولة، إلا أن جزءًا واسعًا من الإنتاج لا يمر عبر القنوات الحكومية.
ويقول خبراء إن كميات كبيرة من الذهب السوداني تخرج عبر التهريب وشبكات التجارة غير الرسمية، وهو ما يحرم الخزانة العامة من جزء من الإيرادات في وقت تعاني فيه البلاد أزمة اقتصادية حادة.
وقال تاكر إن «جزءًا كبيرًا من ذهب السودان يُخرج من البلاد عن طريق التهريب أو الشبكات غير المشروعة بدلًا من المرور عبر القنوات الحكومية التي يمكن أن تسهم مباشرة في الإيرادات العامة».
الذهب والحرب
ولم يعد الذهب في السودان مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح أيضًا جزءًا من اقتصاد الحرب.
وتنتشر مكامن الذهب في أنحاء واسعة من البلاد، بما فيها مناطق تقع تحت سيطرة الجيش وأخرى تسيطر عليها قوات الدعم السريع أو جماعات مسلحة ومحلية مختلفة.
وأصبحت السيطرة على مناطق الإنتاج وطرق التجارة والتصدير مصدرًا للنفوذ والتمويل، فيما تخضع شبكات تجارة الذهب السوداني لتدقيق دولي متزايد.
وتعد الإمارات إحدى الوجهات الرئيسية للذهب السوداني. كما اتهمت الحكومة السودانية أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.
وكان السودان قد رفع في عام 2025 قضية أمام محكمة العدل الدولية اتهم فيها الإمارات بالتواطؤ في الإبادة الجماعية من خلال دعم قوات الدعم السريع. ورفضت المحكمة القضية لعدم الاختصاص، دون الفصل في صحة الاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري.
ثروة تتحول إلى خطر
يمتلك السودان واحدًا من أكبر قطاعات إنتاج الذهب في أفريقيا، لكن انهياري عوني والزراعة يكشفان جانبًا آخر لهذه الثروة.
فبينما ارتفعت أهمية الذهب مع انهيار قطاعات الاقتصاد الأخرى، يواصل آلاف السودانيين العمل في مناجم تفتقر إلى أبسط معايير السلامة، مدفوعين بالحاجة إلى مصدر دخل في بلد أنهكته أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
وإذا كانت حصيلة الحادثين قد وصلت بالفعل إلى 92 قتيلًا على الأقل، فإن استمرار البحث عن مفقودين في موقع عوني يعني أن الرقم قد لا يكون نهائيًا.
وفي بلد أصبحت فيه فرص كسب العيش أكثر ندرة، تحولت حمى البحث عن الذهب بالنسبة إلى كثيرين من فرصة للخروج من الفقر إلى مخاطرة قد تنتهي تحت أنقاض المناجم.





اترك تعليقاً