لم تكن قرطبة مجرد مدينة دخلها المسلمون ثم تركوا فيها آثارًا معمارية.. بل أصبحت، على امتداد قرون، واحدة من أهم حواضر الإسلام في الغرب، ومركزًا للسلطة والعلم والفقه والطب والأدب والصناعة والتجارة.
ومن بين مدن الأندلس جميعًا، اكتسبت قرطبة خصوصيتها من كونها عاصمة الدولة الأموية في الأندلس، ثم عاصمة الخلافة الأموية التي أعلنها عبد الرحمن الناصر سنة 316هـ/929م.
وفي أوجها أصبحت المدينة مركزًا سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا واسع التأثير، وارتبط اسمها بتاريخ الإسلام في الأندلس أكثر من أي مدينة أخرى، وتؤكد الدراسات المتخصصة في تاريخ المدن الإسلامية أن المدن لم تكن مجرد تجمعات سكانية، بل كانت مراكز لصناعة السلطة والعلم والحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي.
من الفتح إلى عاصمة الأندلس
دخل المسلمون الأندلس سنة 92هـ/711م، وأصبحت قرطبة بعد ذلك بسنوات قليلة مركزًا سياسيًا رئيسيًا، قبل أن يبلغ دورها ذروته مع قيام الإمارة الأموية المستقلة سنة 138هـ/756م على يد عبد الرحمن بن معاوية، المعروف بعبد الرحمن الداخل.
كان وصول الداخل إلى الأندلس نتيجة مباشرة لسقوط الدولة الأموية في المشرق سنة 132هـ/750م، لكنه نجح في إعادة بناء حكم أموي مستقل في الأندلس، واتخذ قرطبة عاصمة له.
ومنذ ذلك الوقت بدأت المدينة تتحول من مركز إقليمي إلى عاصمة دولة إسلامية مستقلة عن الخلافة العباسية سياسيًا، مع استمرار انتمائها إلى المجال الحضاري الإسلامي الأوسع.
وقد ارتبط تأسيس الإمارة الأموية في قرطبة بإعادة تنظيم المدينة وتطوير قصورها ومساجدها وأسوارها ومرافقها، حتى أصبحت قرطبة مركزًا سياسيًا ثابتًا للأندلس.
المسجد الجامع.. قلب قرطبة الإسلامية
إذا كان لا بد من اختيار مبنى واحد يلخص تاريخ قرطبة الإسلامية، فهو المسجد الجامع.
بدأ عبد الرحمن الداخل بناء المسجد سنة 169هـ/785م تقريبًا، ثم تعاقبت عليه توسعات في عهد عدد من أمراء بني أمية وخلفائهم، حتى أصبح أحد أعظم مساجد الغرب الإسلامي.
وتوضح المصادر المتخصصة في تاريخ الفن الإسلامي أن بناء المسجد وتوسعته مرّا بمراحل متعددة بين 169 و377هـ/786 و988م، شملت أعمال عبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الأوسط، وعبد الرحمن الناصر، والحكم المستنصر، ثم توسعة المنصور بن أبي عامر.
وكانت الأقواس المزدوجة، وتناوب الحجر والطوب الأحمر، واتساع قاعة الصلاة، والمحراب المزخرف، من أبرز سمات العمارة التي جعلت جامع قرطبة نموذجًا مؤثرًا في عمارة الغرب الإسلامي.
ولم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة؛ فقد كان مركزًا للعلم والتعليم والفتوى، وجزءًا من قلب المدينة السياسي والاجتماعي.

عبد الرحمن الناصر.. من الإمارة إلى الخلافة
بلغت قرطبة مرحلة جديدة عندما أعلن عبد الرحمن الثالث، المعروف بعبد الرحمن الناصر، قيام الخلافة الأموية في الأندلس سنة 316هـ/929م.
وكان الإعلان نقطة تحول في تاريخ المدينة، إذ لم تعد قرطبة عاصمة إمارة مستقلة فحسب، بل أصبحت مقر خلافة تنافس رمزيًا وسياسيًا الخلافة العباسية في بغداد والخلافة الفاطمية في شمال إفريقيا.
وفي عهده ازدهرت الإدارة والاقتصاد والعمران، وأُنشئت مدينة الزهراء بالقرب من قرطبة، لتكون مقرًا للخلافة ومركزًا للإدارة والبلاط.
وتشير المصادر التاريخية والأثرية إلى أن مدينة الزهراء أُنشئت في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، واحتوت على شبكة من الطرق والمنشآت والمرافق المائية والقصور والمباني الإدارية، وأصبحت أحد أبرز رموز قوة الدولة الأموية في الأندلس.

الحكم المستنصر.. حين أصبحت الكتب قوة دولة
في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي حكم بين 350 و366هـ/961 و976م، وصلت الحياة العلمية في قرطبة إلى مرحلة بالغة الأهمية.
كان الحكم معروفًا بعنايته بالعلم والكتب، وجمع المخطوطات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأصبحت مكتبة قرطبة من أشهر خزائن الكتب في الغرب الإسلامي.
كما واصل توسعة المسجد الجامع، وأضاف إليه أحد أجمل أجزائه، وهو المقصورة والمحراب المزخرفان.
وتذكر المصادر المرتبطة بتاريخ المسجد أن توسعة الحكم تمت خلال الفترة 351–357هـ/962–968م، وأن كتابة محرابه تعود إلى 354هـ/965م.
وهنا تتضح طبيعة الحاضرة الإسلامية في قرطبة: المسجد والعلم والمكتبة والقصر والسوق لم تكن عوالم منفصلة، وإنما كانت أجزاء من مدينة واحدة تقوم فيها المعرفة بدور أساسي في بناء الدولة.

قرطبة.. مدينة الفقه والحديث واللغة
لم تكن قرطبة عاصمة سياسية فقط، فقد أصبحت من أبرز مراكز الفقه المالكي في الأندلس.
وانتشر المذهب المالكي في الأندلس منذ القرون الأولى، ثم أصبحت قرطبة أحد أهم مراكزه العلمية، وارتبط بها عدد كبير من الفقهاء والمحدثين والقضاة.
ومن أشهر أعلامها الإمام بقي بن مخلد المتوفى سنة 276هـ/889م، صاحب المسند والتفسير، ومحمد بن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456هـ/1064م، الذي كان من كبار علماء الأندلس، وله مؤلفات واسعة في الفقه والأصول والملل والنحل واللغة والأدب.
كما برز أبو عمر بن عبد البر المتوفى سنة 463هـ/1071م، أحد كبار علماء الحديث والفقه المالكي في الأندلس.
وفي الطب ظهر أبو القاسم الزهراوي، المتوفى نحو 404هـ/1013م، الذي ارتبط اسمه بمدينة الزهراء وقرطبة، وأصبح كتابه في التصريف من أهم الكتب الطبية والجراحية في تاريخ الطب الإسلامي.
وهكذا اجتمع في قرطبة الفقه والحديث واللغة والطب والفلسفة والأدب، وإن اختلفت اتجاهات العلماء في تلك العلوم ومناهجهم.
الأسواق والصناعة.. اقتصاد العاصمة
ساعد موقع قرطبة على ازدهار التجارة والصناعة، وكانت المدينة متصلة بنهر الوادي الكبير، وقريبة من طرق الداخل الأندلسي، بينما ربطتها طرق التجارة بموانئ الأندلس وبقية مدنها.
وازدهرت فيها صناعات متعددة، ومنها الجلود والمنسوجات والخزف والمعادن، واشتهرت بصناعة الورق والكتب ونسخ المخطوطات.
وأصبحت المدينة خلال عصر الخلافة مركزًا لتدفق التجار والعلماء والوفود، الأمر الذي جعل ازدهارها الاقتصادي مرتبطًا بقوتها السياسية والعلمية.
وتصف المصادر التاريخية المدينة في عصر الخلافة باعتبارها مركزًا حضريًا واسعًا، حتى ارتبط اسمها بكثرة المساجد والقصور والمنشآت العامة. وتذكر مصادر التراث العمراني أن قرطبة ضمت في أوجها عددًا كبيرًا من المساجد والمنشآت العامة.

سقوط الخلافة.. وانكسار الحاضرة
لكن قوة قرطبة لم تستمر إلى الأبد. بدأت الخلافة الأموية في الأندلس تتعرض لأزمة سياسية متصاعدة في أواخر القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، ثم انفجرت الفتنة سنة 399هـ/1009م، وانتهت مرحلة الخلافة رسميًا سنة 422هـ/1031م.
وكان انهيار السلطة المركزية نقطة تحول كبرى في تاريخ المدينة والأندلس.
فبعد أن كانت قرطبة عاصمة دولة موحدة، دخلت في مرحلة من الاضطراب السياسي، وتوزعت السلطة بين قوى ودويلات متعددة، بينما فقدت المدينة تدريجيًا موقعها المركزي لصالح عواصم أخرى.
أما مدينة الزهراء، فقد تعرضت للتدمير خلال أحداث الفتنة في بدايات القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، ثم اندثرت تدريجيًا، حتى بقيت أطلالها شاهدًا على عصر الخلافة الأموية.
633هـ/1236م.. نهاية قرطبة الإسلامية
استمرت قرطبة تحت الحكم الإسلامي بعد سقوط الخلافة قرونًا، وتعاقبت عليها مراحل سياسية مختلفة، إلى أن سقطت في يد قشتالة سنة 633هـ/1236م.
وكان سقوطها ضربة كبرى للأندلس، فالمدينة التي كانت عاصمة الخلافة ومركز العلم والسياسة أصبحت خارج الحكم الإسلامي.
وفي العام نفسه جرى تحويل المسجد الجامع إلى كنيسة، ثم أضيفت إليه لاحقًا منشآت كنسية، وهو ما غيّر وظيفة المبنى الأصلية مع بقاء الكثير من بنيته المعمارية الإسلامية شاهدًا على المرحلة التي كان فيها جامعًا لقلب عاصمة أموية.
ماذا بقي من قرطبة؟
بقيت قرطبة واحدة من أوضح المدن التي يمكن من خلالها قراءة أثر الإسلام في أوروبا الغربية، فالجامع، وبقايا مدينة الزهراء، والأسوار، والجسور، والحمامات، والبيوت ذات الأفنية، ومخطط المدينة القديم، كلها تحفظ أجزاء من الذاكرة الإسلامية للمدينة.
لكن الأهم من الحجر هو ما تركته قرطبة في تاريخ المسلمين: تجربة الدولة الأموية في الأندلس، ومؤسسات العلم والفقه، والمدارس الطبية، وحركة الكتاب والتأليف، وشبكات التجارة، والعمارة التي أثرت لاحقًا في مدن المغرب والأندلس.
ولهذا فإن قيمة قرطبة في هذه السلسلة لا تأتي من مجرد جمال مبانيها، وإنما من كونها حاضرة إسلامية صنعت مرحلة كاملة من تاريخ المسلمين في الغرب.





اترك تعليقاً