«حواضر الإسلام عبر التاريخ 14»: فاس.. مدينة القرويين التي وصل علمها من الأندلس إلى إفريقيا

الوجهات السياحية بفاس 1024x576 1

في أقصى المغرب، بعيدًا عن مراكز الخلافة في المشرق، نشأت مدينة ستصبح واحدة من أهم الحواضر التي صنعت الشخصية الإسلامية للمغرب.

إنها فاس.. المدينة التي ارتبط تأسيسها بالدولة الإدريسية في أواخر القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، ثم تحولت خلال القرون التالية إلى مركز للعلم والفقه والتجارة والصناعة، وإلى عاصمة سياسية في عهود مختلفة.

لكن أهمية فاس لا تكمن في أنها كانت عاصمة للمغرب فحسب، فقد كانت مدينة التقاء: التقت فيها جماعات من القيروان والأندلس والمشرق والمغرب، واجتمعت فيها طرق التجارة مع حلقات العلم، وأصبحت جامع القرويين أحد أبرز المراكز التي حملت علوم الإسلام إلى أنحاء واسعة من الغرب الإسلامي.

مدينة نشأت من ضفتين

ترتبط ولادة فاس باسم إدريس الأول، الذي بدأ تأسيس المدينة سنة 172هـ/789م تقريبًا، ثم جاء ابنه إدريس الثاني فوسعها وجعلها عاصمة لدولته.

وتشير الرواية التقليدية إلى أن إدريس الثاني أسس المدينة الثانية سنة 192هـ/807م تقريبًا على الضفة المقابلة من وادي فاس، ثم تطورت المدينتان حتى أصبحتا نواة فاس التاريخية. وتؤكد المصادر التاريخية أن المدينة القديمة نشأت بالفعل من حيين كبيرين فصل بينهما الوادي: حي الأندلسيين وحي القرويين.

وهنا تظهر إحدى الخصائص المبكرة لفاس: لم تولد من كتلة عمرانية واحدة، وإنما من تجمعات سكانية وثقافية أخذت تتفاعل حتى أصبحت مدينة واحدة.

وقد استقر في أحد جانبيها مهاجرون قدموا من القيروان، بينما ارتبط الجانب الآخر بالمهاجرين القادمين من الأندلس، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في شخصية المدينة وثقافتها وعمرانها.

الأدارسة.. ولادة عاصمة المغرب الإسلامي

مع إدريس الثاني أصبحت فاس عاصمة الدولة الإدريسية، وتحولت من مستوطنة جديدة إلى مركز سياسي واقتصادي.

وتشير المصادر إلى أن الإدريسيين أنشأوا المساجد والأسواق والحمامات والخانات، وشجعوا استقرار السكان والحرفيين والتجار. وتذكر الموسوعة الإسلامية التركية أن فاس أصبحت في العصر الإدريسي مركزًا سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا، وأن علماء قدموا إليها من القيروان والأندلس، مما ساعد على جعلها أحد أهم مراكز العلم في المغرب.

وكان لهذا التنوع السكاني أثر عميق، فالقيروان لم تصل إلى فاس في صورة بضائع فقط، بل وصلت معها تقليد علمي وفقهي، والأندلس لم تصل إليها بوصفها جارًا جغرافيًا فحسب، بل حمل القادمون منها لغتهم وآدابهم وفنونهم وتجاربهم الحضرية.

ومن هنا بدأت فاس في تكوين شخصية مغربية خاصة، لكنها مفتوحة في الوقت نفسه على العالم الإسلامي.

القرويين.. المسجد الذي تحول إلى مؤسسة علم

في سنة 245هـ/859م بدأت فاطمة الفهرية إنشاء جامع القرويين في حي القرويين.

وتؤكد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية أن بناء الجامع بدأ في الأول من رمضان سنة 245هـ/857م ، وأن منارته المربعة الحالية ارتبطت بمرحلة لاحقة، فيما توضح المصادر الأثرية أن الجامع مر بتوسعات كبيرة في العصور المرابطية والموحدية والمرينية.

ولم تكن أهمية القرويين في ضخامة المبنى وحدها، حيث أصبح الجامع مع الزمن مركزًا لحلقات العلم، يلتقي فيه الفقهاء والمحدثون واللغويون والقراء، ويتوافد إليه الطلاب من مناطق المغرب والأندلس وإفريقيا.

ولهذا تحولت فاس تدريجيًا إلى مدينة يترك فيها المسجد أثرًا يتجاوز وظيفته الدينية: المسجد صار مؤسسة معرفة، والمدينة حوله أصبحت مجتمعًا علميًا.

وتؤكد جامعة القرويين أن الجامع تطور من مكان للعبادة والخطبة إلى فضاء لحلقات العلم والتخصص، وأن المدارس والمساكن والمكتبات ارتبطت به عبر القرون.

IfpvpkybpMGPVa N0Pv8bKPVbF9QeFW uXQu7nE3 qo7kDue5Ac1gL54cnY2oh35hL G4Z8 bX53w5TY8JG0xqMp3Rr5D6bHO gZbfddRl09fHAeI6NK3zbWN9OVFvm98Itg8olp np7UlnNo dsHL5dAh6WRHJFP8iNDl Cgg9aOa6fNEKU 9tN0f2ZIwKT
جامع القرويين: قلب فاس العلمي والديني، وواحد من أهم المساجد التي تحولت عبر القرون إلى مركز لحلقات العلم والفقه والحديث واللغة. وتكشف عمارته عن طبقات متراكمة من العصر الإدريسي إلى المرابطي والموحدي والمريني.

المرابطون.. عندما دخلت فاس مرحلة جديدة

عندما سيطر المرابطون على فاس في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، لم تعد المدينة مركزًا محليًا محدودًا. أصبحت جزءًا من دولة واسعة امتدت من المغرب إلى الأندلس.

وفي عهد علي بن يوسف بن تاشفين شهد جامع القرويين توسعات مهمة، وأضيفت إليه عناصر معمارية وزخرفية جعلته نموذجًا بارزًا للعمارة المغربية ذات التأثير الأندلسي. وتشير دراسات الفن الإسلامي إلى أن المرابطين وسعوا قاعة الصلاة وأضافوا عناصر زخرفية، فيما حافظت المراحل اللاحقة على البنية الأساسية وطورتها.

وهكذا أصبحت فاس إحدى نقاط الاتصال بين المغرب والأندلس في عصر كان فيه الطرفان جزءًا من فضاء سياسي وثقافي متداخل.

الموحدون.. مدينة تتجاوز حدود الدولة

في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي دخل الموحدون فاس، وأصبحت المدينة جزءًا من إمبراطورية واسعة امتدت من المغرب إلى الأندلس.

ولم تختفِ مكانتها العلمية خلال التحول السياسي، بل استمرت المؤسسات الدينية في أداء دورها.

وتكشف عمارة القرويين نفسها عن هذا التراكم، فالنقوش والعناصر المعمارية التي تعود إلى العصور الإدريسية والمرابطية والموحدية والمرينية تكشف أن كل دولة تركت طبقة جديدة فوق الطبقات السابقة.

وهذه سمة أساسية لفاس: لم تكن كل دولة تهدم ما قبلها، بل كانت المدينة في كثير من الأحيان تتوسع بإضافة طبقات جديدة إلى عمرانها ومؤسساتها.

المرينيون.. العصر الذهبي لفاس

إذا كان الإدريسيون قد صنعوا فاس عاصمة، والمرابطون والموحدون وسعوا مجالها، فإن المرينيين منحوا المدينة واحدة من أبرز مراحل ازدهارها.

وفي سنة 674هـ/1276م تقريبًا أسس السلطان المريني أبو يوسف يعقوب مدينة جديدة إلى الغرب من فاس القديمة، عُرفت باسم فاس الجديد.

وكانت هذه المدينة تضم القصر السلطاني ومراكز الجيش والتحصينات ومناطق سكنية، بينما ظلت فاس البالي مركزًا كثيفًا للمساجد والأسواق والعلماء والحرفيين. وهكذا أصبحت فاس مؤلفة من مدينتين متكاملتين وظيفيًا.

وفي هذا العصر ازدهرت المدارس المرينية، ومنها المدرسة العطارين والبوعنانية والصفارين وغيرها.

ولم تكن هذه المدارس مجرد أبنية جميلة، فقد كانت مؤسسات تعليمية تستقبل الطلاب، وتوفر لهم السكن، وترتبط بالمجال العلمي للقرويين.

وتصف دراسة عن فاس المرينية هذا العصر بأنه مرحلة بلغت فيها المدينة ذروة سياسية وفنية، بينما تدرج اليونسكو المدينة المرينية ضمن أبرز مراحل تشكل نسيجها العمراني.

4YPEqPx 9GnAKUoSsVvJrUeKX0ujPVOOYIbXkacEWyQOoy1KIO QEKp3Van yqqgtsxa3tCeZt 5El9Em6SxqwxgwgCwxleWiFIkeUO905f0SmJ 8YDImUTjhY4cepZ
المدرسة البوعنانية: من أبرز شواهد العصر المريني في فاس، وتكشف عن الدور الذي أدته المدارس في ربط العمارة بالتعليم والإقامة والخدمة الدينية داخل المدينة الإسلامية.

فاس.. مدينة العلم الذي يعبر الحدود

من أهم أسباب استمرار مكانة فاس أن علمها لم يبقَ محصورًا داخل أسوارها.

فقد ارتبطت المدينة بالمذهب المالكي، وبعلوم الحديث واللغة والقراءات، وأصبحت محطة للعلماء القادمين من الأندلس والمغرب وإفريقيا.

وكان ابن خلدون أحد أبرز العلماء الذين ارتبطوا بفاس، فقد أقام فيها في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي وخدم في بلاط بني مرين، قبل أن ينتقل بين مراكز المغرب والأندلس والمشرق.

وهذا يوضح وظيفة فاس الكبرى: لم تكن فقط مكانًا يتلقى العلم، بل محطة في شبكة العلماء التي ربطت أجزاء العالم الإسلامي ببعضها.

مدينة صنعتها التجارة أيضًا

لم يكن ازدهار فاس علميًا فقط، فموقعها جعلها جزءًا من طرق التجارة بين شمال إفريقيا والأندلس، وبين المغرب وطرق الصحراء الكبرى المتجهة إلى إفريقيا جنوب الصحراء.

وازدهرت صناعاتها في الجلود والنسيج والمعادن والخزف، وأصبحت الأسواق والخانات جزءًا أساسيًا من اقتصاد المدينة، وكانت الحرف موزعة في أحياء وأسواق متخصصة، وهي سمة من سمات المدينة الإسلامية التقليدية.

ومن هنا ارتبطت فاس بثلاثة عناصر صنعت قوتها: العلم، والحرفة، والتجارة.

فاس.. مدينة بقيت بعد انتقال العاصمة

انتقلت عواصم المغرب عبر التاريخ بين فاس ومراكش ومكناس ثم الرباط، لكن فاس احتفظت بمكانتها الرمزية والعلمية.

حتى بعد انتقال العاصمة السياسية الحديثة إلى الرباط سنة 1330هـ/1912م، بقيت المدينة القديمة تحتفظ بنسيجها العمراني ومؤسساتها الدينية وحرفها وأسواقها.

ولهذا أدرجت اليونسكو مدينة فاس القديمة على قائمة التراث العالمي سنة 1400هـ/1981م، معتبرة إياها من أفضل المدن التاريخية العربية الإسلامية حفظًا، وخصوصًا من حيث استمرار وظائفها العمرانية والحرفية والحياتية.

وهنا تكمن عظمة فاس في خريطة حواضر الإسلام: مدن كثيرة عاشت عصرًا ذهبيًا ثم أصبحت آثارًا، أما فاس فبقي جزء كبير من مدينتها القديمة حيًا، وما زالت المساجد والمدارس والأسواق والحرف مرتبطة بالحياة اليومية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *